روايات وقصص

حكايات زهرة الربيع ج 4

اتسعت عينيّ بذهول وشعرت بموجة من الغضب والدهشة تتملكني. حسام لم يكن مجرد رجل يمر بأزمة ديون شخصية أو طيش شبابي، بل كان جزءاً من شبكة غسيل أموال  منظمة استهدفت الشركة التي أعمل بها بالذات، واستغل عمله السابق في قطاع المبيعات ليغطي على معاملاته !

الأفظع من ذلك، أن التواريخ المكتوبة في أصل العقود أثبتت أنه كان يختلس هذه المبالغ ويحولها لحسابات أمه ثريا وحساباته الشخصية في نفس الفترة التي كان يحرمني فيها من أبسط حقوقي في المنزل، ويدعي الفقر والزنقة المالية ليأخذ من روابي وتوفيراتي بحجة “توضيب ” و”تأمين المستقبل”!

لم أتردد لحظة واحدة. جمعت كافة الوثائق المستندة بالأدلة القاطعة، وطلبت اجتماعاً عاجلاً مع رئيس مجلس إدارة الشركة، الأستاذ فاروق، وهو رجل سبعيني يتمتع بذكاء حاد وهيبة شديدة.

دخلت مكتبه، وضعت الملف الشامل أمامه على الطاولة وقلت بهدوء وثبات: “أستاذ فاروق، ده تقرير إعادة الهيكلة للمشروع المتعثر، ومرفق معاه الدلائل المستندية لعملية اختلاس وغسيل أموال تجاوزت العشرة ملايين جنيه، أبطالها شبكة توريدات وهمية ومديرها المالي السابق.. حسام الفولي.”

فتح الأستاذ فاروق الملف، وبدأ يطالع الأوراق بدقة، وكلما قمت بشرح آلية التتبع المالي والتلاعب في الفواتير، كانت علامات الذهول والإعجاب تظهر على وجهه.

بعد نصف ساعة من التحليل الدقيق، ألقى الملف على الطاولة ونظر إليّ باحترام شديد: “أنتِ عبقرية يا شهد! الملف ده كان هيودّي الشركة في داهية ويسبب لنا خسائر مهولة! التحقيق ده مش بس هيحمي الشركة، ده هيقفل المخرج الأخير للشلة دي قدام مباحث الأموال العامة.”

ثم صمت قليلاً وسألني بنبرة ذكية: “بس أنا عارف إن اسم  ده هو نفس اسم طليقك اللي كان في الأخبار من شهرين.. صح؟”

رفعت رأسي بثقة وقلت: “صح يا فندم. وكان بياخد شقايا وتوفيراتي عشان يغطي بيها على العجز قبل ما الشبكة تنكشف. بس الحق ما ، والقانون لازم ياخد مجراه سواء كان يخصني أو يخص الشركة.”

ابتسم الأستاذ فاروق وقام من مقعده ليصافحني بحرارة: “برافو يا شهد. شجاعتك ونزاهتك ودقتك حاجة نادر نلاقيها. بناءً على التقرير ده، الشركة قررت إحالة الملف فوراً للنيابة العامة ومباحث الأموال العامة للانضمام للقضايا المرفوعة ضد حسام وشبكته. وأضف على ده، مجلس الإدارة قرر ترقيتك لمدير قطاع الرقابة المالية وإعادة الهيكلة بالشركة، مع مكافأة مالية ضخمة تعويضاً عن جهدك في استرداد أموال الشركة!”

خرجت من مكتبه وأنا أشعر بأن السماء تكافئني على كل قطرة عرق وكل لحظة ألم.

في عصر اليوم نفسه، تم تحريك بلاغ عاجل من مباحث الأموال العامة بناءً على التقرير الذي أعددته بنفسي. وبذلك، تحولت قضايا حسام من مجرد ديون وشيكات فردية، إلى قضية أموال عامة واختلاس كبرى لا مناص فيها من  المشدد لسنوات طويلة، وتجميد شامل لجميع حسابات أمه ثريا التي اتضح أن الحسابات الوهمية كانت مسجلة باسمها  الأموال!

في مساء اليوم التالي، وأنا أغادر مقر الشركة، وجدت مروة تنتظرني عند البوابة الرئيسية. كانت ملامحها مدمجة بالكامل، تبدو كمن تلقت ضربة قاضية أجهزت على ما تبقى من أمل لديها.

“شهد…” قالتها بصوت مرتعش وهي تخطو نحوي.

وقفت وأنا أضع يدي في جيبي معطفي، ونظرت إليها بنبرة هادئة: “خير يا مروة؟ أظن أخذتي حاجتك ورجعتي لي حقي والقصة انتهت.”

انفجرت مروة في البكاء الصارخ أمام المبنى: “انتهت إيه يا شهد؟! الأموال العامة نزلت الشمع الأحمر على بيت ماما وحظرت حساباتها في البنوك! النيابة ضمّت بلاغ الشركة اللي أنتِ قدمتيه لقضية حسام، والدكاترة قالوا إن حسام جاتله  في السجن لما عرف إن التهم بقت اختلاس أموال عامة وغسيل أموال! وماما هتاخد حكم جديد بسبب الحسابات المسجلة باسمها! ليه يا شهد؟ ليه  كده؟!”

نظرت إليها بعينين خاليين تماماً من ، بل بمزيج من العدالة والصمود القاطع.

“أنا ما دمرتش حد يا مروة،” قلتها بصوت ثابت سمعته كل جنبات المكان. “أخوكِ وأمك هم اللي دمروا نفسهم لما اختاروا السرقة والتزوير والافتراء طريق ليهم. حسام كان  الشركة اللي أنا بشتغل فيها، ويثبت ديونه عليا، وأمك كانت بتغطّي عليه وتاخد الفلوس الحرام في حساباتها وتيجي  ! البلاغ ده بلاغ شركة بحالها أضر بيها أخوكِ، وأنا أديت واجبي المهني بكل أمانة.”

اقتربت منها خطوة وأضفت بصرامة: “لما كنت بقوله ‘تمام، مبروك’ قدام المأذون، كان فاكر إن حياتي وقفت ومكسورة، وكان طمعان إني أرجع أتسول رضاهم وأدفع شقايا عشان أنقذهم. بس ربنا أثبت إن الحق بينصر صاحبه ولو بعد حين. روحي يا مروة واقفي جنب أخوكِ وأمك في ، عشان ده المكان الطبيعي للي  ويتبلى على أولاد الناس.”

تركتها وذهبت نحو عربيتي الخاصة. ركبت السيارة، أدرت المحرك، وشغلت موسيقى هادئة.

غداً ستكون الجلسة الموسعة في النيابة لمواجهة حسام وثريا بالتهم الجديدة، تهم الأموال العامة والاختلاس التي أعددت دنيتي فيها بنفسي.. وسأكون هناك، ليس كضحية تبحث عن شفقة، بل كمديرة ومدعية بحق الدولة وحقها، أقف بثبات وأشاهد الفصل النهائي لهذه الدراما البائسة.

تابعو صفحه رومانى مكرم

أشرقت شمس الصباح على القاهرة بتوهج أخير يحمل معه نهاية قصة بدأت بدمعة مكتومة أمام باب المأذون، وتنتهي اليوم بنصر مؤزر داخل أروقة المجمع القضائي الأضخم في العاصمة.

كنت أرتدي بدلة رسمية باللون الكحلي الداكن، كعباً عالياً يقرع الأرض بثقة، ونظارة سوداء حادة الملامح. لم أعد “شهد” السابقة التي ترتجف من صراخ “ثريا” أو تخشى على قرش تدخره لليوم الأسود؛ بل أصبحت شهد، مديرة قطاع الرقابة المالية وإعادة الهيكلة، والمدعية الرئيسية بصفتيها الشخصية والاعتبارية عن الشركة في أكبر قضية اختلاس وأموال عامة هزت الوسط التجاري.

عند دخولي مجمع المحاكم، كان المشهد كأنه مشهد سينمائي شُيّد بالعدل الإلهي. الممرات تعج بالمحامين والصحفيين، ورجال الشرطة يقفون بصرامة تنظيمية. وفي زاوية الممر المؤدي لنيابة الأموال العامة العليا، كان يرابض مشهد  الكامل.

“حسام” كان يجلس على كرسي متحرك داخل قفص الانتقال، يرتدي ملابس  البيضاء التي أصبحت  على جسده المنكمش. وجهه شاحب ، وآثار الجلطة  الخفيفة يبدو أثرها واضحاً في ارتخاء بسيط على جانب فمه الأيسر، يديه المكلبتين بالسلاسل الحديدية تستقران في حجره بقلة حيلة لا مثيل لها.

وبجانبه في سيارة الترحيلات الخاصة ، أُنزلت “ثريا”. الست الهانم، التي كانت تطالبني بأن أكون “ممرضة الباشا”، كانت ترتدي الجلباب الأزرق الخاص  الصادر ضدين أحكام، وشعرها الأبيض يخرج متناثراً من تحت حجابها الرث، وعيناها زائغتان تفقدان القدرة على التركيز، وقد فقدت نصف وزنها وتضاءلت كأنها أصبحت ظلاً لامرأة قديمة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى