روايات وقصص

حكايات زهرة الربيع ج 4

بمجرد أن اقتربت بخطواتي الواثقة برفقة الأستاذ سامح والفريق القانوني الممثل للشركة، وقعت عينا حسام عليّ. ارتجفت يداه المكلبتان، وصدرت منه حشرجة مكتومة، وهو يحاول رفع رأسه لينظر إليّ.

“شـ… شهد…” خرجت الكلمة من فمه الملوى بصعوبة بالغة ودموع حسام انسابت على خديه الشاحبين. “شهد… ارحميني…”

وقفت أمامه على بعد خطوات قليلة، نظرت إليه من أعلى نظارتي الشمسية ببرود يتجاوز برودة جبال الثلج.

“ارحمك؟” قلتها بنبرة صوت هادئة، لكنها مسموعة لجميع الحراس والمحامين الواقفين حولنا. “أنت فاكر لما خرجنا من عند المأذون، وكنت ماسكة شنطة سفري ومصت في ساعتك بثقة  ‘أنا فرحي بكرة لو عايزه تحضري’؟ يومها يا حسام، أنت ما كنتش بتكذب عليا بس، أنت كنت بتكذب على نفسك، وعامل فيها البطل النرجسي اللي  مراته. أنت كنت غرقان في  والديون، ورايح تبلع عقاقير عشان تداري !”

ثريا من خلف قضبان سيارة الترحيلات بدأت تصرخ بصوت مبحوح وهي  بيديها النحيفتين على الحديد: “يا شهد يا بنتي! عشان خاطر ربنا العفو عند المقدرة! حسام ، وأنا هسد بقية عمري في ! يا شهد خدي كل حاجة  البلاغ بتاع ! ده أموال عامة يعني  مشدد يا بنتي!”

التفت نحو ثريا، ورفعت نظارتي بالكامل لأواجه عينيها المخيفة بالذعر.

“العفو عند المقدرة بيكون مع الناس اللي عندهم رحمة، يا مدام ثريا،” رددت بثبات  الجبال. “لكن إنتي لما جيتي تتبلي عليا بتهمة تسميم كان ممكن توديني ، ما عرفتيش يعني إيه مقدرة ولا رحمة! إنتي كنتِ عايزه تلبسيني  عشان تدبسي أهلي وتسددوا ديون ابنك المختلس من  وتصرفاتي! والنهاردة، الفلوس اللي كنتِ بتسجليها في حساباتك من ورا سرقات حسام للشركة اللي أنا بشتغل فيها، بقت هي الخبل اللي بيتربط حوالين رقبتكم أنتم الاتنين!”

في تلك اللحظة، رن صوت الحاجب وهو ينادي في الممر العريض: “حضور المتهم حسام أحمد الفولي ومتهمة ثريا عبد الحميد أمام رئيس نيابة الأموال العامة العليا!”

دُفع الكرسي المتحرك بحسام، واقتيدت ثريا بالحراسة المشددة. دخلنا جميعاً القاعة الكبرى، حيث كان رئيس النيابة يجلس خلف منصته الفخمة، وأمامه ملف ضخم يحمل مئات الأوراق والمستندات والتحويلات البنكية التي قمت بفك شفراتها بنفسي خلال عملي بالشركة.

بدأت الجلسة، وقدم وكيل نيابة الأموال العامة التقرير المالي الموحد، مستنداً إلى الأدلة القاطعة التي قدمتها.

“سيدي المستشار،” قال ممثل النيابة بصوت جهوري يتردد في القاعة: “إننا أمام شبكة  منظمة، استغلت حسن النية والتسهيلات المالية  ما يزيد عن اثني عشر مليون جنيه من أموال الشركة المجني عليها، وتحويلها عبر مؤسسات وهمية لحساب  الثانية ثريا عبد الحميد لتغطية ديون ومغامرات  الأول حسام الفولي. ونطالب بإحالة الدعوى فوراً إلى محكمة  الاقتصادية مع توقيع أقصى  المنصوص عليها في قانون   المالية وغسيل الأموال، مع رد كافة المبالغ  وتغريمهم ضعف المجموع!”

محامي حسام حاول الدفاع بصوت واهن، مدعياً المرض والجلطة ومحاولة التصلح، لكن رئيس النيابة قاطعه بحزم شديد: “المستندات المحررة والتقارير المرفقة من مديرة الرقابة المالية الأستاذة شهد أثبتت التهم بالدليل المادي القاطع والتحويلات المباشرة، والأوراق لا تكذب يا أستاذ.”

ثم وجه رئيس النيابة كلامه لحسام وثريا: “المتهم حسام أحمد الفولي،  ثريا عبد الحميد، تقرر إحالتكما محبوسين إلى محكمة الجنايات الاقتصادية مع التحفظ الشامل على كافة الممتلكات العقارية والمنقولة والحسابات البنكية لاسترداد أموال الشركة والتعويضات المدنية المترتبة عليها!”

طرق رئيس النيابة بالمطرقة، معلناً بداية النهاية المأساوية للعائلة التي ظنت في يوم من الأيام أن العالم ملكٌ لها، وأن كرامة الناس وأموالهم مجرد لعبة في أيديهم.

خرجت من القاعة، وأنا أسمع صراخ ثريا ونحيب حسام الصامت الذي كان يغطي وجهه بين يديه المكلبتين أثناء سحبهما للحجز. مروة أختهما كانت تقف عند زاوية الممر، تنظر إليّ بدموع العجز والندم الكامل، أومأت لها برأسي إيماءة أسبوعية أخير، إيماءة شفقة على مصير اختاروه بأنفسهم، ثم مشيت بخطوات ثقيلة وواثقة نحو خروج المبنى.

خرجت إلى شارع رمسيس، كان الهواء العليل يضرب وجهي، والشمس الساطعة تنعكس على زجاج المباني العالية.

أخرجت هاتفي المحمول، ألقيت نظرة على الحساب البنكي الخاص بي، وجدته يحمل المكافأة المالية الكبرى التي صرفتها لي إدارة الشركة، بجانب مستحقاتي وتعويضاتي القضائية المسجلة. أصبحت امرأة قائمة بحد ذاتها، تمتلك شقتها الخاصة المصممة كأفضل ما يكون، تحتل منصباً قيادياً مرموقاً، وتملك حساباً بنكياً يؤمن لها أعظم مستويات الرفاهية والاستقلال المالي.

اتصلت فوراً بمكتب سفريات فخم، وقيل لي عبر الهاتف: “أهلاً بكِ أستاذة شهد، أؤامرك؟”

ابتسمت بصفاء ونقاء لم أذقه طوال ثلاثين عاماً، وقلت بنبرة مليئة بالحياة والحيوية: “حجز لي تذكرة طيران لـ ‘ماليزيا’ لمدة شهر كامل في أفضل منتجع على البحر.. وقصلي التذاكر فوراً.”

“تحت أمرك يا فندم، رحلة سعيدة!”

أغلقت الهاتف، وضعت النظارة الشمسية على عينيك، وركبت سيارتي الحديثة.

عندما كان حسام يقول لي بثقة وبغال من الشماتة المزيفة: “أنا فرحي بكرة لو عايزه تحضري”، لم يكن يعلم أن ذلك اليوم كان بالفعل بداية “فرحي أنا”.. الفرح الحقيقي باسترداد حريتي، وكرامتي، وعقلي، وقوتي، وبناء مستقبلي الجديد الذي لا يملك فيه أحد، مهما بلغت بجاحته أو كذبه، أن يملي عليّ  أو  مني طعم الحياة.

أدرت المحرك، وانطلقت السيارة نحو طريق المطار، تاركة خلفي الماضي،  حسام وثريا، والديون، والافتراءات.. متجهة بثبات ومجد نحو المستقبل الذي صنعته بيدي فقط.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى