
مش بس كده… أنا كنت عارفة إن سمر بتستعمل براد مية بتغلي بزيادة، فقبل ما نطلع الصينية للصالة، اتطوعت صبيت الشاي بنفسي في الفناجين، وحطيت المية المغلية في الفنجان ده بالذات.
اللصق الحراري بدأ يسيح على مهله جوه الفنجان من غير ما يبان من بره بسبب لون الشاي الغامق…
طلعت الصينية، وسمر كانت ماشية ورايا بتتمشى بكبرياء وتوزع الفناجين بابتسامة عريضة على حماتي وأجوازنا وضيوف العيلة، وهي بتقول:
— اتفضلوا الشاي في الفناجين الألمانية، دي تحفة نادرة مش موجود زيها دلوقتي!
وفجأة…
أول ما جوزها مسك الفنجان رفعوا عشان يشرب، اللصق انهار تماماً تحت تأثير السخونة. الفنجان اتفلق نصفين في إيده، والشاي المغلي اندلق كله على رجل جوزها، وعلى السجادة العجمي الغالية بتاعة حماتي!
جوزها صرخ من الوجع، والصالة اتقلبت في ثانية. سمر اتسمرت مكانها وشها جاب ألوان، وحماتي قامت تصرخ على السجادة وعلى ابنها.
بس المفاجأة الكبرى ما كانتش السخونة ولا الشاي… المفاجأة كانت لما الفنجان اتفلق، وظهرت المادة الشمعية البيضاء اللزجة بتاعة التصليح القديم، ومعاها بقعة العيب القديم اللي سمر كانت دارياه!
جوزها بص للفنجان المكسور وهو ماسك رجله المحروقة، وبص لسمر بغضب عارم وقيلها بصوت هز البيت:
— إيه القرف ده؟! إنتي مجنونة؟ بتسقيني في فنجان مكسور وملزوق بلصق معفن عشان تتفشخري قدام الناس؟! انتي عبيطة ولا بتستغفلينا؟
حماتي قربت ومسكت نص الفنجان المكسور، وبصت لسمر بذهول واشمئزاز:
— ده الطقم الأثري اللي قرفانا بيه وطالعة بيه السماء؟ طالع مكسور ومحطوط فيه لزق وشمع؟!
سمر كانت واقفة جسمها كله بيترعش، مش قادرة تتكلم، وبتبصلي بعيون مليانة رعب بعد ما افتكرت إن أنا الوحيدة اللي كنت عارفة موضوع الفنجان ده!
بصيتلها بمنتهى الهدوء، وقربت منها ولحست الشاي اللي نزل على طرف الصينية، ووشوشتها في أذنها بابتسامة باردة جداً:
— دي مجرد البداية يا سمر… الفنجان ده حتة بورسلين، إنما العباية كانت حتة من روحي. وحساب العباية لسه ما خلصش!
سمر اتجمدت مكانها، وشها اتخطف وبقى لون الورق، وعينها جاية في عيني برعب أول مرة أشوفه منها. كانت بتحاول تتنفس أو تلاقي كلام تدافع بيه عن نفسها قدام جوزها وحماتي اللي كانوا بيمطروها بنظرات القرف والاهانة، بس لسانها كان عاجز تماماً.
جوزها مسك إيدها بغضب وهزها جامد وهو بيزعق:
— ردي! بقالك سنة كاملة قارفة أمي وقارفة العيلة بالطقم الصيني الألماني اللي مفيش منه، وتطلعي بتسقينا في فنجان مكسور وملزوق شمع؟! كنتي هتحرقيلي رجلي عشان منظرتك الفارغة؟
حماتي نفخت بضيق وقالت وهي بتمسح السجادة:
— بختك المايل يا بني.. طول عمرها منظرة كدابة وعايشة في الدور، ولا بتعرف تصون حاجة ولا تحافظ على حاجة!
في اللحظة دي، سمر بصتلي بغل الدفين، وعرفت إن القلم ده كان بتخطيط مني. بس هي ما كانتش تعرف إن اللي جاي أشد بكثير، وإن الفنجان ده كان مجرد قرصة أذن عشان أفتح شهيتها للدرس الحقيقي.
بعد العزومة ما خلصت والبيت هدي، سمر طلعت شقتها وهي بتغلي. أنا كنت عارفة إنها مش هتسكت، وإن كبريائها اللي اتمسح بيه الأرض قدام العيلة هيخليها تدور على أي طريقة تردلي بيها الكسرة دي.
وبالفعل، ثاني يوم الصبح، سمعت خبط رزق على باب شقتي.
فتحت، لقيتها واقفة وشها محروق من الغيظ، وعيونها طالع منها شرار. زقت الباب ودخلت خطوتين وقالت بصوت واطي ومخنوع من كثر الغضب:
— افتكرتي إنك كده علمك عليا يا شاطرة؟ افتكرتي لما تكسري الفنجان وتفضحيني قدام جوزي وحماتي إنك خدتي حق العباية المعفنة بتاعتك؟
وقفت بكل ثبات، ورصيت إيدي في وسطي، وبصيتلها بابتسامة ثقة أول مرة تشوفها عليا:
— أولاً العباية مش معفنة، العباية دي برقبتك وبرقبة أي حاجة تملكيها. ثانياً، أنا ما كسرتش حاجة.. الفنجان هو اللي ما استحملش الكذب والتمثيل بتوعك.
قربت مني وهي بتجز على سنانها:
— والله لأدفّعك التمن غالي أوي يا درية.. وبكرة تشوفيني هعمل فيكي إيه!
وقبل ما تلتفت عشان تمشي، رديت عليها ببرود يفرس:
— استني بس يا سمر.. أنتِ نسيتي حاجة مهمة أوي في شقتي.
بصتلي باستغراب، فمشيت بخطوات بطيئة ناحية المطبخ، وطلعت الكيس البلاستيك الأسود اللي كانت رميافيه عباية أبويا المحروقة على باب شقتي.
طلعت العباية قدامها، ورفعتها في وشها. الحرق الكبير كان واضح ومشوّه منظرها تماماً.
سمر لوت بؤها بقرف وقالت:
— جايبالي القماشة المحروقة دي ليه تان؟ ما قولتلك المكواة هي اللي بوظتها عشان خامتها رديئة!
قربت منها خطوة، وحطيت العباية في إيدها بالعافية، وقلتلها ونظرتي اتغيرت 180 درجة للشر الحقيقي:
— العباية دي مش هتفضلي شايفاها حتة قماشة محروقة.. العباية دي أنتِ هتصلحيها، وهترجعيها أحسن ملي كانت، وإلا وحياة رحمة بابا، العيلة كلها—وأولهم جوزك وحماتك—هيعرفوا السر التاني اللي أنتِ مخبياه عنهم في دولابك، والسر ده بقى مش هيخلي جوزك يزعق بس.. ده هيمشيكي بشنطة هدومك على بيت أهلك!
سمر شهقت بصوت عالي، وإيدها بدأت اترعش وهي ماسكة العباية المحروقة، ورجليها ما بقتش شايلاها…
سمر اتراجعت خطوتين لورا، والعباية المحروقة وقعت من إيدها على الأرض. وشها اتقلب أصفر زي الليمونة، وعينيها كانت بتتحرك بسرعة ورعب وهي بتحاول تستوعب كلامي.
— سـ سـر إيه؟ انتي بتقولي إيه يا درية؟ انتي اتجننتي؟
قربت منها ببطء شديد، ووطيت رفعت العباية من على الأرض، ونفضتها بمنتهى الثبات، وبصيت في عينها مباشرة وقلت بصوت واطي بس يرعب:
— سر الصيغة الدهب اللي بعتيها من ورا جوزك من أربع شهور عشان تسددي ديون أختك في السوق، واستبدلتيها بدبورة وفردة حلق فالصو من خان الخليلي وحطاهم في علبة الدهب في دولابك.. فاكرة لما جيتيلي تعيطي عشان أستلف منك فلوس وما أقولش لجوزك؟ فاكرة ولا أفكّرك؟
سمر حطت إيدها على بقها، ورجليها ما شالتهاش، فقعدت على أقرب كرسي وهي بتترعش كأنها داخلة على دور حمى. السر ده لو جوزها عرفه—وهو راجل معقد في أمور الفلوس والشك—كان هيطلقها في نفس الدقيقة ويرميها بره البيت من غير قشة.
قربت منها وحطيت العباية في حجرها وقلتلها بصوت حاسم:
— العباية دي ترجع زي ما كانت.. التطريز يترد، والقماش المحروق يتصلح عند أكبر محل رفاء وتطريز أثري في القاهرة، وعلى حسابك أنتِ من جنيه لآخر جنيه. قدامك أسبوع واحد يا سمر.. الأسبوع ده لو عدى والعباية ما رجعتش في إيدي متعطرة ومكوية ومترقيعة زي ما استلمتيها، هطلب قعدة عيلة بحضور جوزك وحماتي، وهفتح علبة الدهب بنفسي قدامهم.
سمر بصتلي بدموع حقيقية، المرة دي مش دموع تمثيل ولا مكابرة، دموع انكسار وخوف حقيقي. هزت رأسها بسرعة وهي بتنهد:
— حاضر.. حاضر يا درية، والله هوديها النهاردة قبل بكرة وهدفع كل اللي حيلتي بس وحياة أبويكي ما تتكلمي ولا تخربي بيتي!
— يبقى اتفقنا.
بعد أسبوع بالتمام والكمال…
سمر خبطت على باب شقتي. المرة دي ما علقتش كيس على الأوكرة ولا جرت. كانت واقفة بره وهي حانية رأسها للأرض، ومترددة ترفع عينها في عيني.
كانت ماسكة في إيدها شنطة شيك جداً، وفتحتها وطلعت العباية.
أخدت العباية منها وفردتها.. التطريز كان متصلح بالمللي، والقماش المحروق أتشال واتحط بداله قطعة حرير متطابقة تماماً مع خامة العباية الأصلية بنفس اللون والدرجة، بحيث مستحيل حد يلاحظ إن كان فيه حرق من الأساس. والريحة.. كانت متعطرة بأغلى أنواع العود اللي بيرجعني لذكرى أبويا الله يرحمه.
سمر بلعت ريقها وقالت بصوت مكسور ومبحوح:
— أنا دفعت فيها التحويشة اللي حيلتي كلها عشان الراجل يشتغل فيها ليل ونهار ويرجعها كده.. والله ما كان قصدي أحرقها يا درية، وأنا آسفة.. حقك عليا، ومش هحط إيدي على أي حاجة تخصك تاني طول حياتي.
بصيت للعباية، وحسيت إن حق أبويا وحق كرامتي رجعلي كاملاً مكمل. حطيت العباية على دراعي، وبصيت لسمر بابتسامة هادية بس صارمة:
— الاعتذار والتصليح دول كانوا حق العباية.. أما السكوت عن سرك، فده عشان أنا أصولي ما تسمحليش أخرب بيت، بس يفضل درس ليكي تعرفي بيه إن الطيب مش هبل، وأن الحرمة لما تتعدى حدودها بتتداس.
سمر هزت رأسها بالمنطق ومشيت لأسفل السلم بسكوت ودون ولا كلمة زيارة.
قفضت باب شقتي، وحضنت العباية حيل، وشميت ريحتها وأنا بحس بانسجام وراحة بال لأول مرة من سنتين. ومن اليوم ده، سمر بقت تعاملني بألف حساب، وما بقتش تجرؤ تطلب حتى دبوس شعر مني، وعرف العيلة كلها إن درية خط أحمر محدش يقدر يتعداه.



