
في نفس الليلة اللي كنت فيها محجوزة في المستشفى بين الأجهزة والمحاليل، كان بيت العيلة تحت في حالة طوارئ. حماتي جمعت ولادها وكبار العيلة في المضيفة تحت، وكانت بتوزع عليهم الأدوار بعينين مليانة غل ومكر. وقفت في نص الأوضة وقالت بصوت واطي ومسموم:
* “البت وأهلها مش هيسكتوا، وأنا عارفة عبد الصمد، ده راجل ناشف وممكن يودي محمود في داهية بالتقرير الطبي. لازم نقلب الترابيزة عليهم قبل ما الصبح يطلع!”
محمود كان قاعد ماسك وشه اللي اتورم من ضرب أخويا أحمد، وقال بغل:
* “نعمل إيه يا أمي؟ ده الدكتور كتب تقرير بكسر وارتجاج، ولو الشرطة جت هتسحبني من الدار!”
حماتي قربت منه وضربته على كتفه بقوة:
* “اتجمد يا نطع وما تخافش طول ما أنا حية! بكرة الصبح بدري، هتنزل أنت وأخوك تحرروا محضر في المركز إن أهل العروسة طبوا عليك في شقتك وهجموا عليك وعوروك، وإن أختهم وقعت على السلم وهي هربانة منك لما اكتشفت إنها سرقت دهب البيت! وإن هما اللي ودمروا شقتك.. والبلد كلها شهودنا وحبايبنا وهيطلعوا يجروا معانا!”
وفي الصبح بدري، والشمس يا دوبك بتشرق، كانت عربية البوليس نازلة عند باب المستشفى. النيابة أرسلت وكيل النيابة ومعاه ظابط الشرطة عشان ياخدوا أقوالي في المستشفى قبل ما أتحرك. دخلوا الأوضة ولقوني غايبة عن الوعي نص غيبوبة، وأمي قاعدة جنب رجلي بتعيط، وأبويا واصل الليل بالنهار واقف على باب الأوضة زي الحارس.
الظابط بص لحالتي ولجسمي المتغطي بالرباطات وشعري الملفوف بالشاش، وسألني بصوت هادي:
* “يا مدام سمر.. تقرير المستشفى قدامي بيأكد إنك تعرضتي لضرب مبرح، مين اللي عمل فيكي كده؟”
أنا شفت صورته في خيالي، صورة محمود وهو بياذينا بقسوته اللي ما كنتش أتصورها منه، دموعي سالت على خدوش وشي المتورم، وبصوت مخنوق ومتقطع قلت:
* “جوزي.. محمود عبد الصمد.. وأمه هي اللي أمرته!، عشان رفضت ينزلوا خيري وخير أهلي تحت وعشان رفضت أكون من غير كرامة تحت رجليهم!”
أبويا قدم للظابط التقرير الطبي المبدئي وشريط الفيديو اللي جاره في العمارة كان مصوره للمشادة اللي حصلت على السلم وصوت حماتي وهي بتتباهى وبتقول “أنا أخليه يربيكي ويكسر عظامك”.
الظابط هَز رأسه بغضب، وبص للملازم اللي معاه وقال:
* “حرك القوة فوراً على بيت عبد الصمد، هات لي محمود وأمه من الدار فوراً!”
على الناحية التانية، محمود وأمه كانوا فاكرين إنهم سبقوا بالذكاء. كان محمود نازل من مركز الشرطة بعد ما عمل المحضر اللي اتفقوا عليه، وطالعين على بيتهم يطمنوا، أول ما وصلوا باب الشارع، اتفاجئوا ببوكس الشرطة بيقفل الشارع من أوله لآخره!
الظابط نزل من العربية ومعاه القوة، وحماتي طلعت تجري على الباب وهي بتصوت وتعمل نفسها المظلومة:
* “يا لهوي يا ناس! في إيه يا باشا؟ إحنا المجني علينا! ابننا مضروب ومفتح في وشهم وأهل البت هجموا علينا في بيتنا!”
الظابط ما إداهاش فرصة تكمل كلامها، مسك الكلبشات وربط إيد محمود ورماها في البوكس، وبص لحماتي وقال بصوت حاسم:
* “المحضر اللي عملتوه ده محضر كيدي وهياخد رفض، التقرير الطبي للعروسة بيتكلم عن إصابات بالغة وكسر في القفص الصدري وارتجاج في المخ، ومعانا فيديوهات بتأكد تحريضك وتعديك عليها! يلا يا ست أنتِ كمان على العربية، المطلوبة للتحقيق بتهمة التحريض والمشاركة!”
حماتي اتسمرت مكانها، لسانها وقف، وعينيها اتملت برعب. إخوات محمود جُم يجروا يعترضوا، الظابط حدفهم بعيد وقال: “اللي هيقرب هيتقبض عليه بتهمة تعطيل السلطات!”
أهالي البلد والشارع كله كانوا واقفين يتفرجوا من الشبابيك والبلكونات. النظرات اللي كانت زمان للعروسة ومكسب بيت العيلة، تحولت لنظرات شماتة واستحقار للمفترين. حماتي ومحمود اتركبوا البوكس وسط حسرة وعار قدام البلد كلها.
بعد يومين، خرجت من المستشفى على بيت أبويا. الشقة اللي كنت شقيت فيها وكانت ألوانها بتبرق رجعت أطلال في نظري، ومسكت في إيد أمي وأنا مش قادرة أمشي على رجلي من الألم.
أبويا جمع كبار البلد وعمدتها في بيتنا. قعدوا في المضيفة، وكان جاي من طرف حماتي ومحمود ناظر عزبتهم يترجى أبويا ويتوسل له عشان يتنازل عن المحضر قبل ما القضية تتحول لجنايات وتتحكم على محمود بالسجن المشدد.
الناظر قعد وقال بصوت مكسور:
* “يا حاج عبد الصمد.. إحنا كبار ونحلها ودي. محمود اتغش وشيطانه عمان، وأمه ست كبيرة وما تستحملش الحبس. اكتبوا اللي أنتم عاوزينه، دهب العروسة وقايمتها والمؤخر وكل حاجتها ترجع وزيادة، بس bلاش حبس وخراب بيوت!”
أبويا وقف وسط المجلس، وبص لكل الناس الحاضرين وقال بنبرة هزت المضيفة:
* “خراب البيوت بدأ من اليوم اللي افتكروا فيه إن بنت الأصول مالهاش ظهر! أنا بنتي انضربت وانهانت ودمها سال على السجاد وهما شايفينها لقمة طرية! الحقوق المالية والقائمة والدهب دول حقها بالقانون وغصب عن عين أي حد.. لكن كرامة بنتي ودمها مالهمش ثمن يتدفع بفلوس!”
أنا كنت قاعدة ورا الباب سامعة كلام أبويا، ودموعي بتنزل، بس المرة دي ما كنش دموع ضعف.. كانت دموع عز، وكنت مستنية أشوف النهاية والقصاص اللي يرجع لي حقي كاملاً.
ساد الصمت في المضيفة، الناظر هَز رأسه وهو حاسس إن الطاولة اتقلبت تماماً، وما بقاش في إيديهم أي كارت يضغطوا بيه. قام واخد بعضه ومشى وهو يجر أذيال الخيبة، عشان يبلغ العيلة تحت إن الحاج عبد الصمد مش من الرجالة اللي بيشتروا كرامة بناتهم بفلوس، وإن القصاص جاي جاي.
في سجن المركز، كانت العتمة والبرودة مالية الزنزانة على حماتي ومحمود. محمود كان قاعد في الزاوية، وشه دبلان، والندم غارقه، بعد ما أصحابه في البلد والشارع بقوا يبصوا له نظرة وحشة. بص لأمه بغل مكتوم وقال بصوت مبحوح:
* “مرتاحة كدة يا أمي؟ أدي آخرة مشيك ورا حقدك ورغبتك إنك تحكمي وتسيطري! البيت اتخرب، وأنا هلبس قضية جنايات مستقبلي فيها يضيع، والبلد كلها بتمسح بيا الأرض!”
حماتي كانت قاعدة على الأرض، طرحتها مبهدلة وعينيها زاغية من الخوف، لأول مرة القسوة والسيطرة يطيروا من عينها ويحل محلهم الرعب. صرخت فيه بصوت واطي ومكسور:
* “أنا كان قصدي أكسر عينها من الأول عشان ما تتعالى يا بن بطني! ما كنتش أعرف إن أبوها جبل وما بيبهوش حد، ولا كنت أفتكر إنها هتطلع للشرطة والمستشفى بالسرعة دي!”
رد محمود وهو بيضرب كف بكف:
* “تكسري عينها؟! دي كانت بتنزل لك أكتر من نص زيارتها لحد عندك بتترجاكي تحبيها! كسرنا إحنا اللي انكسر، وعيننا هي اللي اتكسرت قدام اللي يسوى وما يسواش!”
في بيت أبويا، كانت الأيام بتمر عليا وأنا بحاول ألملم جروحي. جسمي كان بيطرد الزرقان والألم بالراحة، بس جرح قلبي كان هو اللي ينزف. أمي كانت تقعد جنبي، تسرح لي شعري وتعمل لي الكمادات، وأنا أفتكر كل لحظة طيبة عملتها معاهم، وكيف كان رد الجميل غدر وضرب ودم.
في يوم التحقيق الكبير في النيابة، اتجمعت كل الأطراف. جابوا محمود وحماتي من الحبس بالكلبشات، وحضر أبويا وأخويا أحمد وأنا مع المحامي بتاعنا. لما محمود شافني دخلت القاعة، ماشية بسندة إيد أمي، وشي لسه فيه آثار الضرب بس نظرتي كانت ثابته وقوية، حاول يبص لي بعين ترجي وندم، وقال بصوت واطي وهو بيمد إيده المكلبشة:
* “سمر.. سامحيني يا سمر، أنا اتعميت، الشيطان عماني وما عرفتش أدي لك حقك!”
أنا ما هزتش رمش، ولا رديت عليه بكلمة، بصيت له بنظرة جمدت الدم في عروقه، نظرة عرف منها إن محمود بالنسبة لي مات وانتهى، وإن العروسة الطيبة الوديعة خلاص اتولدت مكانها واحدة تانية أصلب وأقوى.
وكيل النيابة بدأ الجلسة، وبص للمستندات والتقرير الطبي النهائي اللي أثبت إن ضربي كان بوسيلة حادة وبقسوة مفرطة، وشاهد الفيديوهات اللي سجلت تهديدات حماتي على السلم، وشهد شهود الشارع اللي أكدوا إن أهلي جُم الصبح يزوروني بالخير ولقوني .




