
أول ما وصلنا البيت، قفلت الباب بالمفتاح، وحسيت إن الهوا جوه الشقة بقى أنضف. تليفوني مابطلش رن؛ رسايل يوسف كانت نازلة شتيمة وتهديد بالبهدلة في المحاكم، وبعدها بساعة اتقلبت لرجا وتوسل: “أبوس إيدك يا هدى افتحي، الفضيحة خربت بيتي، الست اللي معايا هربت وشغل أبوها لغى كل التعاقدات معايا، متخربيش بيتنا عشان لحظة غضب!”.
بصيت للشاشة بنظرة باردة تماماً، من غير ما ينبض في عروقي أي خوف ولا حتى شماتة. عملت لرقمه حظر بلمسة صباع واحدة، وفتحت كشف المكالمات وطلبت رقم محامي العيلة.
— “مساء الخير يا متر.. عايزة أرفع قضية خلع ونفقة ومؤخر بكرة الصبح، ومعايا فيديو كامل لواقعة الحفلة يثبت الضرر النفسي والإسقاط العلني لبنته، والشهود نص أولياء أمور المدرسة.”
المتر رد بنبرة واثقة: “حقك مضمون يا فندم، والقضية في جيبنا من أول جلسة.”قفلت السكة، وقعدت على الأرض جنب فريدة اللي كانت غرقانة وسط ألعابها الجديدة وبتغني لحن طفولي سعيد. بصيت للمراية وشفت ست تانية؛ ست خرجت من تحت رماد التهميش والقهر، واكتشفت إن قوتها الحقيقية مكنتش في راجل ملوش ضهر، لكن في كرامة اتولدت من حزن بنتها، وفي حياة جديدة لسه بتبدأ على بياض.
أروقة محكمة الأسرة كانت المحطة الأخيرة في رحلة التحرر دي. القضية ما خدتش شهور طويلة زي المعتاد؛ الفيديو اللي وثّقته كاميرات أولياء الأمور وإدارة المدرسة للمشهد كامل، وشهادة المدرسين ومديرة المدرسة، كانت كفيلة تثبت الضرر النفسي البالغ اللي اتعرضت له أنا وبنتي، وتخلع عنه قناع المثالية المزيّف قدام منصة القضاء.
في جلسة النطق بالحكم، كان يوسف حاضر ومحاميه جنبه وشه في الأرض، عاجز يقدم أي حجة تدفع عنه حقيقة تصرفه ونكرانه لبنته علناً. القاضي نطق بالحكم بالطلاق للضرر، وحكم بإلزامه بكامل مؤخر الصداق، ونفقة العدة والمتعة، بالإضافة لتمكيني من شقة الزوجية كحاضنة، وإلزامه بنفقة شهرية محترمة ومصاريف تعليم فريدة في مدرستها كاملة من غير نقص مليم واحد، مع الحجز على أرصدته في البنك لو امتنع عن السداد.
صوت شاكوش القاضي وهو بيخبط على المنصة كان إعلان رسمي بموت كابوس طويل استنزف روحي لسنين. يوسف حاول يقف في طريقي برة القاعة، وشه كان شاحب، وهالات السواد تحت عيونه بتفضح الانهيار اللي وصل له بعد ما عشيقته سابته واتفضحت قصتها، وخسارته لأهم عملائه اللي سمعوا بالفضيحة ورفضوا يتعاملوا مع شخص باع أصله وتخلى عن دمه بالشكل ده.
قرب مني بصوت مكسور ومبحوح، خالي من أي ذرة غطرسة:
— “خدتي كل حاجة وخربتي بيتي.. مبسوطة باللي وصلتيله؟ هتعيشي بنتك من غير أب؟”
وقفت في وشه، وبصيت له بنفس النظرة الباردة اللي حرقته يوم المسرح، ورديت بنبرة حاسمة خلت الكلمات تقطع أنفاسه:
— “إنت اللي خربت بيتك يوم ما استخسرت في بنتك كلمة حنينة ولعبة وضحكت لغيرها. أنا مافريدة دخلت أولى ابتدائي، ومن أول أسبوع كانت متفوقة ومحبوبة من كل المدرسين. شخصيتها اللي كانت مهددة بالانكسار بقت أقوى وأوضح؛ شافت أمها بتاخد حقها قدام الدنيا، فاتعلمت إن كرامتها خط أحمر مفيش مخلوق يقدر يدوس عليه. في أول حفل تكريم ليها في المدرسة الجديدة، كنت أنا الواقفة في أول صف، بكاميرتي وابتسامتي، وهي واقفة على المسرح بتتسلم شهادة تقدير، عينيها بتدور عليا أنا وحدي، وأول ما اتقابلت نظراتنا، شاورتلي بالشهادة وابتسامتها نورت المكان، وكأنها بتقولي: “إحنا عدينا يا ماما”.
على الجانب التاني، كانت الأخبار بتوصلني من بعيد عن الحال اللي وصل له يوسف؛ سمعته اللي اتلطخت في أوساط معارفه وشغله خنقته، والست اللي حاول يشتري رضاها على حساب بنته كانت أول واحدة تخلت عنه لما لقت الفضايح بتحاصره وحساباته البنكية بتتحجز عليها بحكم المحكمة. بقى عايش على هامش الحياة، وحيد وغرقان في ندم ملوش علاج، وكل محاولاته إنه يرجع يكلم فريدة أو يطلب يقابلها كانت بتقف عند حدود محامي الأسرة، وبأمر قضائي يحكم الرؤية في أضيق الحدود وفي مركز شباب، وبموافقة البنت نفسها اللي كانت بترفض بوعي طفولي ناضج إنها تشوف إنسان رماها عشان يرضي غباءه وغروره.وفي ليلة، بعد ما فريدة نامت وحضنت عروستها، وقفت في البلكونة أشرب فنجان قهوة في هدوء الليل. بصيت للسما ولقيت جوايا سلام عجيب، سلام عمره ما كان هيتحقق لو فضلت ساكتة أو مستسلمة للخوف من كلام الناس. عرفت ساعتها إن أعظم درس سيبته لبنتي مش بس إني رجعتلها حقها المادي، لأ.. أنا علمتها إن الست لما تختار تحترم نفسها وتدافع عن ضناها، الدنيا كلها بتوسع ليها، وإن وجع البدايات هو اللي بيبني صلابة النهايات.



