
الأيام كانت بتجري زي نهر من نور وفرح، والشقة الجديدة بقت دايمًا مليانة بذكر الله وبدعواتي الصالحة. شهد كانت بتحضر للولادة وبتجهز أطقم البيبي الصغير، وأحمد كان محاوطها برعايته واهتمامه، مش بيخليها تمد إيدها لحاجة، وكل يوم يرجع من شغله جايب معاه لعبة أو قطعة هدوم جديدة للنونو المنتظر.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الشديدة، كانت الدنيا مطر ورياح برة، والساعة كانت تقريبًا تلاتة الفجر. كنت بايتة عندهم عشان شهد كانت في أواخر الشهر التاسع، وفجأة سمعت صوت أنين مكتوم طالع من أوضتهم.
قمت طيران وفتحت الباب، لقيت شهد قاعدة على طرف السرير ماسكة بطنها وبتتألم، ووشها مغرق عرق، وأحمد كان واقف جنبها بيحاول يساعدها وإيده بتترعش من القلق.
أنا: مالك يا شهد؟ أزمة الولادة جات ولا إيه يا بنتي؟
أحمد: أيوة يا أمي، الطلق مسكها فجأة، والدكتورة قالت لي أول ما يجيلها الألم ده نجيبها على المستشفى فورًا!
شهد مسكت في دراع أحمد بكل قوتها، ودموعها نازلة من شدة التعب:
شهد: أحمد… الوجع شديد أوي، حاسة إني مش قادرة أمشي على رجلي!
أحمد ما استناش ثانية، ساعدها ونزلنا جري على العربية. الدنيا كانت بتمطر بغزارة والجو كحل، لكن أحمد كان بيسوق بثبات، وعينيه على شهد في المراية، بيهديها ويدعي لها لحد ما وصلنا المستشفى اللي كان حجز لها فيه جناح خاص وأفضل رعاية متاحة.
الممرضات أخدوا شهد بسرعة إلى غرفة الولادة، ووقفنا أنا وأحمد في الصالة برة. أحمد كان بيمشي رايح جاي، مش قادر يقعد على كرسي، وكل شوية يرفع إيده للسما ويدعي:
أحمد: يا رب سلم… يا رب قومها لي بالسلامة هي واللي في بطنها، دي كل دنيتي يا رب.
ساعتين مروا كأنهم سنتين، وأنا ماسكة سبحتي وبدعي من قلبي للبت اللي شافت أيام صعبة في صغرها، إن ربنا يجبر بخاطرها في شبابها.
وفجأة، اتفتح باب غرفة الولادة، وخرجت الطبيبة الاستشارية وهي مبتسمة ابتسامة عريضة.
جرينا عليها أنا وأحمد في نفس اللحظة.
أحمد: خير يا دكتورة؟ شهد كويسة؟
الدكتورة: اطمن يا سيادة النقيب، الدكتورة شهد تعبت شوية بس قامت بالسلامة. والمفاجأة الكبيرة إن ربنا ما رزقكمش بطفل واحد، ربنا رزقكم بتوأم! ولد وبنت زي القمر!
أحمد اتسمر في مكانه من الصدمة والفرحة، وبصلي وعينيه اتمَلَت دموع:
أحمد: توأم يا أمي؟! ولد وبنت؟!
وبعدها سجد أحمد لله سجدة شكر طويلة، وهو بيبكي من الفرحة والامتنان لربنا اللي عوضهم عن كل الأيام الصعبة بأجمل رزق.
بعد ساعة، نقلوا شهد للجناح الخاص. كانت راقدة على السرير، وشها شاحب لكنه مبتسم، وعن يمينها وعن شمالها سريرين صغيرين فيهم التوأم.
دخل أحمد بالراحة، وقرب من السرير، وباس رأس شهد بحب واحترام ورحمة.
أحمد: حمد الله على سلامتك يا أم الشجعان… ربنا جبر بخاطرنا وجاب لنا أمل ونور يملوا علينا الدنيا.
شهد: الحمد لله يا أحمد… نسميهم إيه؟
أحمد بصلي وابتسم:
أحمد: الولد هنسميه “صالح” على اسم والدك المرحوم، والبنت هنسميها “أمل”… عشان هي الأمل اللي اتولد من قلب العتمة.
لكن الأحداث ما وقفتش عند الفرحة دي.
بعد شهرين من ولادة شهد، وفي يوم صبحي هادي، جالي اتصال من المحامي بتاعنا اللي بيمسك قضايا التركة.
قال لي بصوت مهم:
“يا أم شهد، فيه تطور مهم حصل في قضية بيت العيلة والمحلات. الحكم النهائي صدر النهارده، ولازم تحضري أنتِ وسيادة النقيب عشان يتم تنفيذ الحكم وتسليم الحقوق.”
نزلت أنا وأحمد وشهد، اللي أصرت تيجي معايا وتشوف نهاية الأزمة بنفسها، ورحنا على عمارة العيلة القديمة.
الشارع كله كان متجمع، وسيارتين شرطة واقفين تحت العمارة، ومحضر المحكمة واقف ماسك الأوراق الرسمية.
حماتي، أم حسين، كانت قاعدة على كرسي متحرك تحت عند باب المدخل. كانت كبرت وانحنت، ووشها بقى شاحب ومكسور، بعد ما ابنها حسين وابن ابنها سيد دخلوا في قضايا طويلة بسبب تصرفاتهم.
محضر المحكمة وقف وقرأ الحكم بصوت واضح قدام الجيران والجميع:
المحضر: بناءً على الحكم الصادر من المحكمة المختصة، فقد تقرر فرض الحراسة الكاملة ورد كافة المستحقات المالية المتأخرة للورثة الشرعيين، وتمكين الورثة من حقوقهم كاملة وفقًا للقانون.
حسين كان حاضرًا تحت حراسة رسمية عشان يتم تنفيذ الحكم. ولما شاف شهد واقفة جنب أحمد، لابسة ثيابها الراقية وفي إيدها دبوس الدكتوراه، ووراها رجال القانون، حس إن كل اللي حاول يعمله انتهى أمام عينيه.
بص لشهد بحسرة وقال بصوت مبحوح:
حسين: سامحيني يا شهد يا بنتي… الغضب خلاني أتصرف غلط، وضعت نفسي وضعت ابني سيد في مشاكل كبيرة.
شهد: المسامحة عند ربنا يا عمي. أنت أخطأت في حقنا، لكن الحمد لله إن الأمور رجعت لأصحابها بالقانون.
أحمد أخد الورق الرسمي، وتم التسليم، والمحلات أصبحت تحت إدارة أصحاب الحق وفقًا للحكم.
وقفت في وسط الصالة القديمة اللي شهد عاشت فيها أصعب أيامها، وبصيت للسقف وللأرض، وحسيت إن روح جوزي المرحوم مستريحة.
شهد مسكت إيدي وضغطت عليها وقالت:
“خلاص يا ماما… الباب اللي اتقفل في وشنا زمان، ربنا فتحه لنا النهارده بالعدل والكرامة.”
أحمد قرب مننا وابتسم وهو ماسك إيد شهد:
“يلا بينا يا أمي… بيتنا الجديد ومستقبل أمل وصالح مستنينا.”
خرجنا من البيت القديم ورأسنا مرفوعة للسما، وإحنا عارفين إن دي كانت بداية مرحلة جديدة من حياتنا.
مرت السنين كأنها لمح البصر، وكبر التوأم “صالح” و”أمل”، ومسحا ببراءتهما وضحكاتهما كل نقطة حزن أو خوف عاشتها عيلتنا زمان.
بيت العيلة القديم بعناه برغبة مننا، وأخدنا حقنا كاملًا، وبنينا بيه مستشفى مصغر ومركز أبحاث باسم شهد، عشان تساعد أيتام المنطقة والمحتاجين.
والمحلات اللي كانت تحت الشقة بقى دخلها مخصصًا لأعمال الخير، عشان المال اللي كان سببًا في الخلاف يتحول إلى باب للخير ومساعدة الناس.
أحمد ترقى وبقى برتبة مقدم، وما زال ضهرنا وسندنا، الراجل اللي وقف جنبنا في أصعب وقت.
وشهد بقت من أعضاء هيئة التدريس المعروفين في الكلية، واسمها بقى حاضر في المحافل العلمية، وأبحاثها بتتدرس للطلبة، وفضلت محافظة على نجاحها وطموحها.
وفي يوم جمعة مبارك، كنا ملمومين كلنا في حديقة بيتنا الجديد.
صالح وأمل بيلعبوا قدامنا تحت الشمس، وأنا قاعدة بالسبحة في إيدي بردد “الحمد لله” على كل لحظة ألم قبل كل لحظة فرح.
وفجأة، التليفون رن عند أحمد.
رد أحمد وهو بيبتسم، لكن ملامح وشه اتغيرت للهدوء والوقار وهو بيسمع الخبر.
بعد ما قفل التليفون، بصلي وبص لشهد:
أحمد: حسين توفاه الله النهارده بعد أزمة صحية، وابنه سيد لسه بيقضي العقوبة المقررة عليه.
شهد سكتت للحظة، وحطت إيدها في إيد أحمد، وبصت للماضي اللي انتهى تمامًا، وقالت:
شهد: ربنا يرحمه ويغفر له… حسابه عند ربنا. المهم إننا اتعلمنا إن الظلم مهما طال، الحق في النهاية بيظهر.
بصيت لأولاد شهد وهم بيجروا ويترقّصوا في حضن أحمد، وحسيت بنسيم دافي بيلمس قلبي.
وأيقنت إن الرحلة الصعبة دي كلها كانت مجرد اختبار أظهر معادننا وصبرنا، وإن الإنسان مهما مر بظروف قاسية، يقدر يبدأ من جديد لما يتمسك بالحق والعلم والأمل.
الحكمة من القصة:
• حق الضعفاء أمانة: الاستقواء على الضعفاء أو التعدي على حقوقهم عواقبه صعبة، والحقوق في النهاية يجب أن تعود لأصحابها بالطرق القانونية.
• العلم والكرامة سلاح المرأة: التعليم والتفوق مش رفاهية، لكنهم طريق للاستقلال وتحقيق الذات وبناء مستقبل أفضل.
• الفرج يأتي من قلب العتمة: أوقات كتير بنفتكر إن الأبواب كلها اتقفلت، لكن بداية جديدة ممكن تظهر من وسط أصعب الظروف.
• العدل أساس الحياة: لما الإنسان يتمسك بحقه من خلال القانون والصبر، يقدر يتجاوز الأزمات ويبدأ صفحة جديدة مليانة أمل.
#الكاتب_رومانى_مكرم_




