قصص و روايات

في ليلة مولد النبي ج 1

بقلم زهره الربيع

في ليلة المولد، من كل سنة لازم جوزي وحماتي يجبروني آخد شيفت إضافي وما أرجعش البيت إلا آخر الليل، مكنتش فاهمة السبب، لحد ما قررت أرجع قبل الميعاد وأعرف بيعملوا إيه من ورا ضهري، مكنتش أعرف إني هكشف أقذر حقيقة غايبة عني!

في ليلة المولد السنة دي، تعمدت أرد على حماتي وأقولها إن عندي شيفت سهر في الشغل ومش هعرف أرجع البيت. كنت عاوزة أجرب بس.. مجرد تجربة. أشوف ليه حماتي وجوزي بيخلقوا الأعذار والمبررات علشان ما أرجعش البيت في الليلة دي بالتحديد. وماكنتش أتوقع أبداً إن التجربة دي هتكشفلي المستور.

بقالي أربع سنين متجوزة طارق، عدوا علينا أربع مواسم، وكل موسم لازم يقولي خليكي في الشغل انهارده، أصلي مش هرجع البيت وبدل ما تقعدي لوحدك، وحماتي تكلمني وتقولي خدي شيفت إضافي عشان بكره نحتفل كلنا وميبقاش وراكي شغل، ويفضلوا يتصلوا كل دقيقة يطمنوا أنا فين.

صباح يوم المولد السنة دي قررت أوفر عليهم التعب، وكلمت حماتي في التليفون:

— يا طنط، للأسف الشغل طالبين ناس سهر النهاردة، شكله كدة مش هعرف ألحق العشا معاكم.

كنت فاكرة إن ممكن يكون فيه تغير السنة دي. لقيت الحاجة عفاف ردت بنبرة ارتياح بشكل غريب، ونفسها هدي لدرجة خلتني استغرب أكتر:

— ولا يهمك يا حبيبتي، العمل عبادة! خليكي في شغلك وما تقلقيش، أصلاً طارق بيقول مش هيرجع الليلة. نجتمع بكره بقى، ربنا يقويكي.

حتى مكلفتش نفسها تسألني هخلص الساعة كام! ما كملتش عشر دقايق بعد ما قفلت معها، ولقيت طارق بيتصل بيا. أول ما فتحت السكة، جالي صوته هادي:

— إنتي أكيد مش جاية الليلة صح؟

اتنهدت من أسلوبه وقلتله:

— أنا لسه مبلغه مامتك إني في الشغل.. في حالات كتير ورانا في المستشفى ومش هقدر أرجع عشان…

قاطعني بنفاذ صبر:

— المهم إنك مش راجعة الليلة.

قلت بخنقة:

— أيوه هبات هنا.

قال بارتياح:

— تمام.. أنا كمان هبات في المكتب.. نتقابل بكره.

وقفل السكة في وشي. بصيت لشاشة الموبايل وهي بتطفي، والشك بياكل في قلبي أكتر وأكتر. لو كان فعلاً في شغل.. ليه عدم رجوعي البيت مسألة حياة أو موت بالنسبة ليه ولامه؟ كل ما زاد إصرارهم إني ما أرجعش، كل ما زاد الفضول جوايا إني أكتشف إيه اللي مستخبي في بيتي. طيب لو كان بيخوني، ليه المشكلة في ليلة المولد بالذات؟

على العصر كدة، استأذنت واستبدلت الشيفت مع زميلتي، وركبت عربيتي وطلعت على البيت طوال. ما بلغتش حماتي.. ولا قولت لطارق. أول ما وصلت قدام باب الشقة وطلعت المفاتيح، سمعت هيصة طالعة من جوة. كأن البيت كان مليان ناس! صوت أطفال، وصوت ستات بتضحك، وصوت خبط. وقفت قدام الباب كام ثانية.. دي شقتي، وده بيتي! بس الأصوات اللي طالعة منها كانت غريبة عني تماماً، ما عرفتش أصيد منها نبرة صوت واحدة آلفة!

خبطت بقلق وفتحت. الباب فتحته ست في التلاتينات، لامة شعرها، وبصت لي بصه تقييم كده من فوق لتحت، وابتسمت:

— أنتِ الشغالة اللي طنط عفاف طلبتها بالساعة؟ معلش يا حبيبتي، ما ينفعش تنظيف دلوقتي.

وراحت مطلعة ميتين جنيه من شنطتها وحطتهم على جزامة الباب:

— خدي دول عشان مشوارك، وتعالي يوم تاني.

بصيت للميتين جنيه اللي على الجزامة.. وبعدين سحبت المفتاح بالراحة من القفل، ورفعته في وشها:

— لا مؤاخذة يا حبيبتي.. ده بيتي أنا.

الابتسامة اتنفت من وش الست في ثانية. وفي اللحظة دي بالذات، خرجت حماتي من المطبخ وهي شايلة سرفيس سمك مكرونة مقلي بالجمبري. أول ما شافتني، إيدها اترعشت والسرفيس كان هيقع من إيدها!

— زهرة؟!

— مش قولتِ عندك شيفت وسهر النهاردة؟!

قبل ما أرد عليها شوفت أبشع منظر ممكن واحدة تشوفه، وكشفلي سر ليلة المولد اللي غابت عني سنين!

السرفيس كان هيفلت من إيد حماتي عفاف وينزل يتكسر على الأرض، لولا إنها لقطته في اللحظة الأخيرة وهي بتبلع ريقها بصعوبة بالغة. الصالة كانت منورة بالأنوار، ومليانة ستات وأطفال غريبين أول مرة أشوفهم في حياتي، وريحة الأكل والسمك والجمبري مالية المكان بطريقة تخليه كأنه قاعة أفراح مش شقة عادية.

الست اللي كانت فاكراني شغالة اتجمدت مكانها، والميتين جنيه وقعت من إيدها على الأرض. زقتهم كلهم بخطوات ثابتة ودخلت جوه الصالة، عيني بتلف في المكان، لحد ما وقعت على البلاوي اللي كانت مخبوءة عني سنين. في وسط القعدة، كان قاعد طارق جوزي وحاطط جنبه طفلة صغيرة شعرها كيرلي وجميل، وفي حضنه طفل تاني عنده حوالي سنتين، وعمال يضحك ويهزر معاهم وسط زحمة العيلة الغريبة دي!

حماتي جريت عليا وهي بتترعش، وحاولت تسحب دراعي وتقول بصوت واطي ومرعوب:

— تعالي يا زهرة.. تعالي يا حبيبتي أدخلي الأوضة أفهمك.. مش زي ما انتِ فاكرة!

سحبت دراعي منها بقسوة، وصرخت بصوت هز حوائط الشقة كلها لدرجة إن العيال الصغيرين عيطوا:

— أفهم إيه؟! إيه ده كله؟! ومين العيال دي، ومين الستات دي؟!

الست اللي كانت فاتحة الباب قربت مني وقالت بصوت مكسور وهي منزلة راسها:

— أنا.. أنا مرات طارق الأولى يا مدام.

الدنيا لفت بيا.. حسيت إن الأرض بتميل وملامح وشي اتجمدت. بصيت لطارق اللي كان قاعد مش طايق يبص في عيني، ووشه أصفر ومخبي وشه بإيده. كملت الست اللي عرفت إن اسمها هدى وقالت بدموع:

— أنا مراته على سنة الله ورسوله من خمس سنين، وعندي منه الولاد دول.. وهو بيجي يبات عندنا هنا، وحماتي كانت بتقول لي دايماً إنك بتباتي في المستشفى في ليلة المولد عشان دي الليلة الوحيدة اللي بنجتمع فيها كلنا كعيلة، لأنها بتحب تحتفل بينا كلنا مع بعض من غير ما تحصلي مشكلة!

يعني إيه؟! يعني طارق متجوز عليّ من خمس سنين، يعني من أول جوازنا وهو مخبي عليا بيته التاني، ومظبط مع أمه إني أكون بعيدة تماماً في ليلة المولد كل سنة، عشان يقضيها مع مراته الأولى وأولاده في بيتي أنا!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى