
الجزء الثالث
كلمة “ما خلفتيش” نزلت زي سهم مسموم في قلبي، لكنها بدل ما تكسرني، ولّعت فيا نار مكنش ممكن تطفى بأي مية في الدنيا. بصيت لحماتي عفاف بنظرة خلتها ترجع لورا خطوتين من الرعب، وبعدين بصيت لطارق اللي كان واقف منزل راسه في الأرض، وبصيت لهدى، المرأة الأولى، اللي كانت مكسورة ومحرجة ومش عارفة تقول إيه.
ضحكت ضحكة هجينة، مليانة قهر وغضب، وقلت بصوت عالي وهادئ جداً عكس البركان اللي كان جوايا:
— ما خلفتيش يا عفاف هانم؟.. تصدقي وتأمني بالله؟ أنا أصلاً مكنتش باخد علاج ولا عندي أي مشكلة طبية تمنع الخلفة… أنا اللي كنت رافضة أجيب أطفال من ابنك الجبان ده من أول سنة جواز، لأني كنت حاسة من جوه إن فيه بلاوي مستخبية، وطلعت حاسة أصدق من ألف دحيح!
الكلمة دي وقعت عليهم كلهم زي الصاعقة. طارق رفع راسه بصدمة وقال:
— إيه؟! إنتِ كنتِ عارفة؟!
— كنت حاسة.. بس مكنتش متأكدة إن حقارتكم توصل لإنكم تطردوني من بيتي كل سنة في ليلة زي دي عشان تفرشوا المرتع لست الهانم وعيالها! بس تصدقوا؟ كويس إن الحقيقة طلعت بالصوت والصورة، عشان أعرف أنا بتعامل مع مين.
طرد الوفد وترتيب السطوة
هدى، المرأة الأولى، قربت مني بدموع وقالت بصوت مكسور:
— والله يا مدام زهرة أنا ما كنت أعرف إنك متعرفيش! طارق وأمه كانوا دايماً بيقولوا لي إنك بتباتي في المستشفى برضاكي، وإن الشغل هو اللي واخدك، وإنه بيستأذنك.. أنا لو كنت أعرف…
قطعتها برفع إيدي بحزم وقلت:
— خلاص يا هدى.. كلامك دلوقتي مش هيغير حاجة. وبيتي، مش هيكون مسرح للكدب تاني. قدامكم ساعة واحدة بالظبط.. تلموا هدومكم وعيالكم، وتخرجوا من باب الشقة دي حالاً! ولو عتبتم العتبة دي تاني، هيكون لي تصرف تاني خالص.
طارق اتجنن، واتفاجأ بقوتي اللي ظهرت فجأة، وزعق بصوت عالي:
— إنتِ اتجننتِ يا زهرة ولا إيه؟! دي مراتي وعيالي، والبيت ده بيتي زي ما هو بيتك، ومحدش طالع من هنا!
ابتسمت ببرود وطلعت الموبايل من شنطتي، وفتحت كاميرا التسجيل، ووجهتها في وش طارق وأمه وقلت:
— تمام جداً.. تحبوا نطلع دلوقتي حالاً على أقرب قسم شرطة نحرر محضر انتهاك حرمة منزل وتعدي، ولا نطلع على محكمة الأسرة برفع قضية طرد لعدم الأمانة وإثبات خيانة وزواج وتهريب ناس لبيتي من ورا ضهري؟ والناس دي هتشهد معاك طبعاً!
حماتي اتجننت، ولطمت على وشها وقالت لطارق بصوت مرعوب:
— خلصنا يا طارق.. البت دي قوية، دي ممكن تودينا في داهية.. طلعنا من هنا فوراً!
الليلة اللي هتنساها عيلته العمر كله
خلال ساعة واحدة، الشقة كانت فاضية تماماً. طارق وأمه وهدى وعيالهم جمعوا حاجتهم وهم بيجروا رعباً من نظرات العيون اللي مكنش فيها أي تراجع.
لما قفلوا الباب وراهم، قعدت على الكنبة لوحدي في الصالة الواسعة. الدموع نزلت غصب عني.. مش عشان أنا ضعيفة، لا، بس من قسوة السنين اللي عشتها مخدوعة مع ناس ما تقبلش الخيانة ولا الندالة.
لكن الدموع دي نشفت بسرعة، وقررت خطوة تانية خالص: مش هكتفي بإنهم مشوا.. دول لازم يدفعوا تمن كل لحظة كدب وقهر عشتها!
فتحت لابتوبي، وبدأت أجمع كل العقود والورق القديم، ووثقت كل مكالماتهم ورسائلهم اللي كانت بتطلب مني السهر في ليلة المولد كل سنة.. وكنت بجهز لهم مفاجأة قانونية ومجتمعية مكنش في تخيلهم أبداً.
الجزء الرابع
قعدت على اللابتوب بتاعي للساعات الأولى من الصباح، وعقلي شغال بساعة متزنة وببرود حاد. كل ركن في الشقة كان بيفكرني بخداعهم، بس بدال ما أعيط، كنت بكتب كل تفصيلة: تاريخ الجواز، شهور السهر الممنهجة اللي كانوا بيخلقوها كل سنة في ليلة المولد، الرسائل الصوتية اللي كانت أمه عفاف بتبعتها تطمن فيها إن “الجو فاضي”، وحتى الشهود اللي ممكن يجيبوهم جيراننا اللي شافوا دخول وخروج هدى والعيال في الغياب بتاعي.
أنا مش بس طردتهم من بيتي.. أنا قررت أخد حقي بالقانون وبالطريقة اللي توجعهم بجد.
مفاجأة الصباح في وجه طارق
تاني يوم الصبح بدري، لقيت تليفوني بيرن. طارق.. كان متصل بيكلمني بصوت كله غضب وتهديد:
— إنتِ اتجننتِ بجد يا زهرة؟ طردتي أمي ومراتي وعيالي للشارع في نص الليل؟ ناوية على إيه يعني؟ فاكرة إنك هتقدري تعملي حاجة؟ البيت ده بتاعي زي ما هو بيتك!
رديت عليه بصوت هادئ وثابت لدرجة أرعبته:
— بيتك اللي كتبت نصه باسمي في عقد الممتلكات المؤجل، ولا الشقة اللي دفعنا تمنها سوا؟ على العموم يا طارق، وفر كلامك ده كله.. لأنك هتسمعه قدام المحامي بتاعي ومحكمة الأسرة.
قفل في وشي السكة، بس مكنش عارف إن المحضر والشكاوى كانت بالفعل بتتحرك في الجهات المختصة، خصوصاً مع توفر أدلة ملموسة على التلاعب والخداع المستمر وإدخال ضراير وزوجة ثانية لبيتي من غير علمي وبطرق ملتوية.
زيارة غير متوقعة
بعد تلات أيام، كنت قاعدة في الصالة بشرب قهوتي الصباحية، ولقيت جرس الشقة بيرن. فتحت الباب، وفوجئت بـ هدى، المرأة الأولى لطارق، واقفة قدام الباب، ومنزلة راسها في الأرض، وشكلها مكسور خالص ومعاها شنطة هدومها البسيطة.
بصيت لها باستغراب وقلت:
— جاية تاني ليه؟ مش طردتكم؟
هدى عيطت وقالت بصوت متهدج:
— أنا أسفة يا مدام زهرة.. والله ما كنت أعرف إن طارق وأمه بيلعبوا من ورايا ومن وراكي.. هو سابني أنا وعيالي في شقة إيجار قديمة من غير مليم بعد ما طردتينا، وقال إنه مخدوع فيكي وإنك إنتِ اللي بوظتي الدنيا.. أنا جيت أقولك حقك عليا، وأعرفك إني طلبت الطلاق منه، لأن الإنسانية عندي أهم من راجل كداب وخاين!
بصيت لعيون هدى، حسيت بصدق كلامها، وإنها كمان كانت ضحية لنفس الشخص الجبان اللي اسمه طارق. فتحت الباب ووسعت لها:
— ادخلي يا هدى.. تشربي شاي؟
صفحة جديدة بلا رجعة

