روايات وقصص

من ساعه ما حملت ج 2

— اللي حصل خلا ناس كتير هنا تسأل عن الموافقة الحقيقية للمشاركين في أي بحث.
بصيتله.
— ده أهم من أي حاجة.
قال:
— أنا كمان كنت فاكر إن كل بحث أكاديمي معناه إن كل حاجة فيه صح.
ابتسمت.
— الباحث شاطر لما يعرف يسأل نفسه قبل ما يسأل الناس.
مشي.
وأنا كملت طريقي.
بعد أيام، جالي ظرف من الجامعة.
فتحته.
كان فيه خطاب رسمي.
بيوضح إن الإجراءات اتخذت وإن الدراسة لم تعد معتمدة ضمن السجل البحثي.
قريته.
وبعدين حطيته في الدرج.
ما كنتش محتاجة ألقه على الحيطة.
ولا أقول لكل الناس إني انتصرت.
أنا ما كنتش في حرب.
كنت بس بحاول أرجع لنفسي.
بعد سنة تقريبًا، ابني بدأ يمشي.
كنت قاعدة على الأرض في الصالة.
جري ناحيتي، ووقع.
ضحكت.
قام تاني.
جري.
وقع.
وبعدين وقف لوحده.
بصلي.
وضحكت.
فتحت دراعي.
جري عليا.
شيلته.
وقلت:
— شاطر يا حبيبي.
رن جرس الباب.
كانت مريم.
دخلت وهي شايلة ملف.
قالت:
— عندي خبر.
— خير؟
— قضية البحث انتهت إداريًا.
بصيتلها.
— يعني؟
— خلاص. الموضوع اتقفل من الناحية دي.
ابتسمت.
— الحمد لله.
قالت:
— وفي حاجة تانية.
— إيه؟
— الجامعة أطلقت برنامج جديد للتوعية بأخلاقيات البحث وموافقة المشاركين.
ضحكت.
— كويس.
— وطلبوا مني أكون ضمن لجنة استشارية.
اتصدمت.
— أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
قالت:
— لأنك كنتِ الطرف اللي اتضرر، ولأن تجربتك ساعدت في كشف ثغرات محدش كان واخد باله منها.
سكت.
بصيت لابني.
وبعدين قلت:
— هفكر.
بعد أسبوع وافقت.
مش عشان أبقى مشهورة.
ولا عشان أنتقم.
لكن عشان أي واحدة تدخل مكان بحثي، يكون أول سؤال يتسأل:
“هل وافقتِ؟”
مرت سنوات.
ابني كبر.
وأنا بدأت مشروع صغير باسمي.
كان شغل من البيت في البداية.
وبعدها مكتب صغير.
وبعدين شركة.
ما بقيتش معتمدة على حد.
وبقي عندي حساب باسمي.
وشغل باسمي.
وحياة باسمي.
أما كريم، ففضل جزء من حياة ابني كأب، في حدود اللي اتفقنا عليه.
العلاقة بينا ما رجعتش زي زمان.
يمكن عمرها ما ترجع.
لكن بقى فيه احترام للحدود.
وفي يوم، ابني كان عنده سبع سنين.
رجع من المدرسة ومعاه رسمة.
قال:
— ماما بصي.
مسكت الورقة.
كان راسم بيت.
وأنا وهو واقفين قدامه.
وفي السما شمس كبيرة.
قلت:
— إيه ده؟
قال:
— بيتنا.
— فين بابا؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— رسمته هنا.
وأشار لركن صغير في الورقة.
ابتسمت.
— حلو.
قال:
— عشان هو بابا برضه.
حضنته.
— أكيد.
سألني:
— ماما، إنتِ ليه زمان كنتي بتلبسي حذاء عالي؟
اتجمدت.
بعدين ضحكت.
— عشان كنت صغيرة ومش فاهمة حاجات كتير.
قال:
— دلوقتي فاهمة؟
بصيتله.
— دلوقتي اتعلمت.
— إيه؟
حطيته في حضني.
وقلت:
— إن أي حد يحبك، لازم يحترمك.
فكر شوية.
— حتى لو جوزك؟
ابتسمت.
— خصوصًا لو جوزك.
ضحك.
ثم جري يلعب.
دخلت أوضتي.
فتحت الدرج.
لقيت الورقة القديمة.
بحث كريم.
الملف.
الرسائل.
وصورة السونار الأولى.
أخدت صورة السونار.
وحطيتها جنب صورة ابني الحالية.
في الأولى كان مجرد نقطة صغيرة.
وفي الثانية كان واقف بيضحك.
حطيت الصورتين جنب بعض.
وقلت:
— عشانك بدأت الحكاية.
وبعدين بصيت للملف.
— وعشانك خلصتها.
قفلت الدرج.
وما فتحتهوش تاني.
لأن بعض الأبواب مش لازم نفضل واقفين قدامها.
يكفي إننا عرفنا إمتى نقفلها.
وفي مساء هادي، خرجت أنا وابني نتمشى.
كان ماسك إيدي.
وفجأة قال:
— ماما؟
— نعم؟
— إنتِ سعيدة؟
وقفت.
بصيتله.
وبعدين بصيت للسما.
وقلت:
— الحمد لله.
شد إيدي.
— وأنا سعيد.
ضحكت.
ومشينا.
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
رسالة من كريم.
قرأتها.
كانت قصيرة:
“شكرًا إنك خليتيني أكون أب أحسن.”
بصيت للرسالة.
ما جاوبتش.
قفلت الموبايل.
ومشيت.
مش كل رسالة لازم نرد عليها.
ومش كل اعتذار لازم يرجع اللي ضاع.
أحيانًا أكبر انتصار للإنسان إنه ما يفضلش عايش في اللحظة اللي أذته.
وأنا كنت أخيرًا عايشة.
مش كحالة.
مش كزوجة تحت الاختبار.
مش كرقم في بحث.
لكن كإنسانة.
وكأم.
وكست عرفت في الوقت المناسب إن كرامتها مش رفاهية.
وإن كلمة “حاضر” مش معناها إن الإنسان لازم يوافق على كل حاجة.
وإن الحب من غير احترام بيتحول لحِمل.
وإن البيت اللي المفروض يكون أمان، ما ينفعش يبقى مكان للخوف.
وفي آخر الليل، لما ابني نام، دخلت أوضته وطبعّت قبلة على جبينه.
وهمست:
— ربنا يحميك يا ابني.
وبعدين رجعت أوضتي.
وقفت قدام المراية.
افتكرت نفسي يوم وقفت قدام نفس المراية وأنا حامل، ودموعي نازلة، ومش عارفة ليه جوزي بيعمل فيا كده.
ابتسمت.
مش عشان اللي حصل كان بسيط.
لكن عشان الست اللي كانت واقفة هناك زمان…
ما كانتش تعرف إنها أقوى مما تتخيل.
مسكت مفتاح النور.
وقبل ما أطفّيه، بصيت لنفسي وقلت:
— المرة دي… أنا اللي اخترت.
وطفيت النور.
ونمت.
من غير خوف.
ومن غير ما أستنى تحويل مصروف من أي حد.
ونفسي لأول مرة كانت خفيفة.
لأن أصعب حاجة في الحكاية كلها ما كانتش إني أغير طريقتي.
كانت إني أخلع الخوف اللي لبسته سنين.
وده…
كان أول شيء حقيقي اختارته لنفسي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى