
“يا أساتذة.. الأستاذة نورا أنضف وأشرف من أي حد هنا، والناس اللي حاولوا يشوهوا سمعتها تم توقيفهم وهيرتحلوا للجهات الرسمية. أي حد هيتفوه بكلمة واحدة يمس سمعة الأستاذة نورا هيترفض فوراً ويتحاكم.”
تطلعت في وجوه الموظفين الذين كانوا بالأمس ينظرون إليّ بنظرات الشك والازدراء، فرأيت الخجل في أعينهم، وبعضهم تقدم بنظرات اعتذار خجولة.
لكن الفرحة لم تكن قد اكتملت بعد..
بينما كنا نهم بالخروج من الشركة لتسليم التسجيلات رسمياً مع المحامي لضمان محاسبة شريف ومن معه، رن هاتفي برقم غريب..
رفعت السماعة بصوت يرتجف: “ألو؟”
جاءني صوت أنثوي مرعوب وباكي من الطرف الآخر.. صوت “هبة”!
قالت وهي تصرخ وتبكي بحرقة:
“أستاذة نورا.. الحقيني! أخو شريف عرف إن أنا اللي أخدت كارت الميموري وسربت التسجيل.. وهما واقفين تحت بيتي دلوقتي وبيتسببوا في مشاكل وأنا محبوسة جوة مع أمي المريضة!”
تجمّدت الدموع في عيني، وشعرت أن الخطر لم ينتهِ بعد، بل انتقل إلى الإنسانة الوحيدة التي ضحت بنفسها لإنقاذي!
سقطت الكلمات على مسامعي كالصاعقة، وانخلع قلبي من مكانه. هبة التي خاطرت بأمانها من أجلي، تدفع الآن ثمن شهادة الحق من سلامتها وسلامة أمها المريضة!
التفتّ فوراً للمهندس توفيق والأستاذ عبد الرؤوف والنار تشتعل في صدري: “هبة في خطر! أخو شريف وبعض الأشخاص موجودين تحت بيتها وبيهددوها هي وأمها عشان ينتقموا منها!”
لم يتردد المهندس توفيق ثانية واحدة، التفت لرئيس الأمن في الشركة وصرخ فيه: “اطلع فوراً مع الرجالة وسيارة الشركة على عنوان هبة، وبلغ النجدة في الطريق!”
ركبتُ سيارة الأستاذ عبد الرؤوف وتبعنا سيارات أمن الشركة. طوال الطريق كنت أقبض على يدي وأدعو الله بدموع لا تتوقف: “يا رب احميها.. يا رب لا تفجعني فيها زي ما كانت سبب في نجاتي ونظافة عرضي.”
خلال أقل من ثلث ساعة، كانت سياراتنا تصل إلى الشارع الضيق الذي تسكن فيه هبة. في دقائق معدودة، هجم رجال أمن الشركة ومعهم أهالي الشارع الذين تشجعوا بوجودنا، وتمكنوا من السيطرة على الموقف بالكامل حتى وصلت سيارة الشرطة بصفاراتها.
صعدتُ السلم أركض حتى وصلت لشقة هبة، فتحت الباب لأجدها تحتضن والدتها وهي تبكي بحرقة وذهول. ارتميت في أحضانها وأنا أردد: “حقك عليّ يا هبة.. حقك عليّ، ربنا ما يحرمكم من بعض ولا يوريكي شر أبداً!”
ألقت الشرطة القبض على المعتدين، واقتادوهم مع شريف ومصطفى وسامح للقسم. وفي اليوم التالي، كانت الجهات المختصة تصدر أمرها بحبس الجميع على ذمة القضية بتهم التزوير، والشهادة الزور، والبلاغ الكاذب، والترويع.
مرت الأيام كأنها حلم، وصدر القرار الرسمي من إدارة الشركة بترقيتي إلى رئيسة قسم الأرشيف وتطوير البيانات، مع مكتب منفصل وراتب يضمن لي وللبنات حياة كريمة وعزيزة. بل إن المهندس توفيق أصدر قراراً آخر بترقية “هبة” ونقلها لتعمل معي في نفس قسمي بمكافأة استثنائية تقديراً لشجاتها وأمانتها.
في أول يوم عمل لي بعد العدل، دخلت الشركة مرفوعة الرأس، أضع قدمي على الأرض بثقة لم أعرفها من قبل. لم تعد النظرات تهرب مني، بل أصبحت نظرات احترام وإجلال لامرأة لم تستسلم للظلم وحاربت من أجل شرفها وبناتها.
عدتُ إلى بيتي في المساء، كانت شمس الغروب تملأ الغرفة بضفائر من النور الدافئ. جلست على الأريكة واحتضنت بناتي الصغيرات لصدري بقوة، أستنشق رائحتهن الزكية، وأحسست لأول مرة منذ أشهر بدقات قلبي تهدأ وتستقر في أمان تام.
رفعتُ بصري نحو السماء، ودمعة فرح واحدة تسيل على خدي، وقلت من أعماق روحي:
“الحمد لله الذي لا ينسى المظلومين.. الحمد لله الذي ردّ إليّ كرامتي، وجعل بعد العُسر يسراً.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



