
قبضتُ على كارت الميموري بقوة حتى كادت أطرافه تخترق راحة يدي. لم تكن مجرد قطعة بلاستيكية صغيرة، بل كانت طوق النجاة الذي ألقاه الله لي من وسط أمواج الظلم والعواصف التي كادت تعصف بي وببناتي. نظرتُ لهبة والدموع تغمر وجهي، خنقتني العبرة وأنا أقول لها: “مش هنسالك الجميل ده طول عمري يا هبة.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك ويحميكي زي ما حميتيني.”
ردت هبة وهي بتبص حواليها برعب: “امشي من هنا بسرعة يا أستاذة نورا.. لو حد شافنا سوا هيركبونا الجريمة إحنا الاثنين، وبلاش تروحي الشركة لوحدك، شريف ممكن يعمل أي حاجة لو حسوا إن معاكي دليل!”
هززت رأسي بالإيجاب، وودعتها بسرعة وأنا بأسرع خطاي ناحية المترو، وألف سؤال وسؤال يدور في عقلي: كيف سأثبت صحة هذا التسجيل؟ وهل المهندس توفيق سيعطيني فرصة للاستماع، أم أنه سيطرُدني من الباب بمجرد رؤيتي؟
لم يكن هناك وقت للتردد؛ توجهت فوراً إلى مكتب المحامي الأستاذ عبد الرؤوف، وهو رجل مسن يُعرف بتقواه وخبرته الطويلة. جلست أمامه والارتجاف لا يفارق جسدي، وقصصت عليه كل ما حدث ووضعت الكارت الميموري أمامه على المكتب.
استمع الأستاذ عبد الرؤوف بكل هدوء، ثم قام بتوصيل كارت الميموري بجهازه. انساب صوت مصطفى واضحاً حاداً وهو يصرخ في شريف: “أنا شهدت زور على البت الغلبانة وفبركتلها الصور عشان الفلوس، ولو مدفعتش باقي الـ 5000 جنيه هروح لتوفيق بيه وأقوله على كل حاجة!”
تنهد المحامي وابتسم ابتسامة هادئة، ثم رفع بصره إليّ وقال: “الحمد لله.. ربنا ما بيسيبش مظلوم. بالتسجيل ده إحنا نقدر نرفع قضية رد اعتبار وتشوية سمعة وتزوير. بس القضية هتاخد وقت في المحاكم.. هل أنتِ عاوزة المحاكم الأول، ولا عاوزة حَقك يرجع في الشركة وقُدام الناس اللي اتكلموا في عرضك؟”
قلت بصوت قاطع لم أعهده في نفسي من قبل: “عاوزة حقي يرجع جوة الشركة الأول.. بناتي مش هيستنوا شهور عشان يشوفوا أمهم بريئة، والألسنة اللي نهشت في شرفي لازم تتلجم في نفس المكان اللي اتظلمت فيه!”
قام الأستاذ عبد الرؤوف وسحب حقيبته قائلاً: “على بركة الله.. اعتبري حقك رجع. قومي معايا.”
الساعة كانت تشير إلى الواحدة ظهراً عندما وقفت سيارة الأستاذ عبد الرؤوف أمام مبنى الشركة. كان قلبي يدق كالطبول، لكن هذه المرة لم يكن دقات خوف، بل كانت دقات غضب مكتوم ورغبة عارمة في المواجهة.
صعدنا إلى الطابق الأخير حيث مكتب المهندس توفيق. بمجرد أن دخلت الصالة الرئيسية، ساد الصمت المفاجئ بين الموظفين. تهامس الجميع، وبدأت النظرات الساخرة والمستنكرة تلتصق بي. رأيت “شريف” واقفاً عند مكتبه يحمل بعض الأوراق، وبمجرد أن رآني ابتسم ابتسامة صفراء مليئة بالتحدي والشماتة، وتقدم نحوي بجرأة وهو يقول بصوت عالٍ ليسمع الجميع:
“خير يا أستاذة نورا؟ جاية ليه ثاني؟ هو التحقيق القصير بتاع الشهر اللي فات مكفاكيش؟ ولا جاية تدوري على شغلانة جديدة بعد ما الموضوع اتعرفت!”
لم أرد عليه.. بل اكتفيت بالنظر في عينيه بثبات حاد جعل ابتسامته تتلاشى تدريجياً.
خرج السكرتير مذعوراً محاولاً منعنا: “يا أستاذة نورا ما ينفعش تدخلي، المهندس توفيق عنده اجتماع مهم!”
لكن الأستاذ عبد الرؤوف دفعه برفق وقوة في آن واحد، وفتح باب مكتب المهندس توفيق فجأة.
كان المهندس توفيق يجلس خلف مكتبه الضخم، وأمامه مصطفى وسامح يوقعان على بعض الأوراق. رفع توفيق رأسه بغضب وسخط قائلاً: “إيه التهريج ده؟! أنتِ إزاي تتجرأي وتدخلي هنا بعد كل اللي عملتيه؟!”
تقدم الأستاذ عبد الرؤوف بثبات، ووضع لابتوب صغيراً على مكتب المهندس توفيق، ثم قال بصوت جهوري هز أركان الغرفة:
“تدخل لأنها المظلومة الشريفة اللي اتطعنت في عرضها بالزور والتزوير يا باشمهندس! والناس اللي واقفين قدامك دول هما اللي خططوا ودبروا عشان يرموا ولية غلبانة في الشارع!”
شحب وجه مصطفى وسامح، وفي تلك اللحظة بالضبط دخل شريف المكتب مسرعاً وهو يقول بغضب: “يا توفيق بيه، الست دي جاية تعمل شو وتتبلى علينا، اطلعوا برة وإلا هطلب الأمن!”
أنزل الأستاذ عبد الرؤوف إصبعه على زر التشغيل في اللابتوب..
وفجأة، ملأ صوت مصطفى وسامح وشريف أرجاء المكتب، يتردد بوضوح لا يدع مجالاً للشك، يكشف تفاصيل الفبركة، والبرامج المستخدمة لتزوير الصوت والصور، والرشوة البالغة 5000 جنيه للشهادة الزور!
اتسعت عينا المهندس توفيق بشدة، وتجمد في مكانك كأنما صدمته الحقيقة. سقطت الأوراق من يد مصطفى، بينما تراجع سامح للوراء وهو يرتجف. أما شريف، فقد اصفر وجهه تماماً وتغيرت ملامحه، وألجمت المفاجأة لسانه!
التفت المهندس توفيق إلى شريف بنظرات حادة، ثم نظر إليّ وأنا أقف بأعين دامعة ولكن برأس مرفوع..
ساد الصمت الغرفة لخمس ثوانٍ كاملة كانت أطول من الشهر الذي قضيتها في القهر، قبل أن يقف المهندس توفيق من على كرسيه وبصوت هادئ وقوي، قال وهو يشير بإصبعه نحو شريف:
“أنت… يطلع منك الخسة دي؟! بتفبرك صور وصوت لزميلتك؟! وتضحك عليا أنا وتخليني أظلم ست شريفة وأقطع عيشها وعيش بناتها الصغيرين؟!”
انفجر شريف متلعثماً والعرق يتصبب من وجهه: “يا… يا توفيق بيه، والله التسجيل ده متفبرك! هما اللي عايزين يوقعوا بينّا، الست دي متفقة مع مصطفى عشان…”
“اخرس!” صاح المهندس توفيق بصلابة جعلت الموظفين المحتشدين برة المكتب على الزجاج يتهامسون. ثم التفت إلى مصطفى وسامح وقال لهما بصوت حازم: “وأنتم؟ تشهدوا زور وتخوضوا في عرض أختكم عشان فلوس؟! مش هسيبكم، وحق الست دي هتاخدوه بالقانون!”
اقترب الأستاذ عبد الرؤوف خطوات بثقة وقال بنبرة حاسمة: “المهندس توفيق، التزوير والشهادة الزور قضايا قانونية موكلتي مش بس هتاخد حقها الأدبي، دي هتتقدم ببلاغ رسمي للجهات المختصة خلال ساعات، إلا إذا…”
سارع المهندس توفيق بقطع كلام المحامي وهو ينظر إليّ بنظرة ملؤها الندم: “حقها هيرجع كاملاً وزيادة من قبل ما تطلعوا من باب الشركة يا أستاذ! أنا بعتذرلك يا نورا.. بعتذرلك من كل قلبي، أنا اتخدعت، وواجب عليا أصلح غلطتي فوراً.”
التفت المهندس توفيق لسكرتيره وصاح فيه: “اطلب الأمن فوراً! واطلبلي مدير شؤون العاملين فوراً!”
خلال دقائق، دخل ثلاثة من رجال الأمن وتم التحفظ على شريف ومصطفى وسامح، وبدأ مصطفى يبكي ويتوسل لي: “سامحيني يا أستاذة نورا.. والله شريف هو اللي ضللنا ووعدنا بالفلوس، أنا عندي عيال!”
نظرُت إليه بجمود وقلت له: “وأنا كمان عندي بنتين صغيرين.. النوم ما دخلش عينيهم ولا بيتي بسبب تصرفاتكم وشهادتكم الزور، والعدل لازم يأخذ مجراه.”
وصل مدير شؤون العاملين، فأمره المهندس توفيق فوراً:
“تكتب قرار حافز ومكافأة فورية للأستاذة نورا، ورد اعتبار مع ردها لعملها بترقية جديدة ومكتب منفصل، وإلغاء كل القرارات اللي اتسجلت ضدها. وتعمل إيميل عام لكل قطاعات الشركة وفروعها ينزل فيه اعتذار رسمي لها، وتكذيب صريح لكل الشائعات مع إعلان فصل المدعو شريف ومصطفى وسامح وتحويلهم للجهات المختصة بتهمة التزوير والشهادة الزور!”
في تلك اللحظة، شعرت برعشة تسري في جسدي، وركبتي لم تعد تحملاني.. جلست على أقرب كرسي وأنا أتنفس ببطء، وكأن جبالاً من الصخر كانت جاثمة على صدري ورئتي وقُدر لها أخيراً أن تزول.
خرج المهندس توفيق بنفسه معي ومع الأستاذ عبد الرؤوف إلى الصالة الرئيسية أمام جميع الموظفين الذين كانوا يقفون في ذهول وصمت تام. وقف توفيق وصوته يتردد في الممر:



