
كمل وهو بيحاول يقرب مني:
— أنا كنت تحت ضغط من أبويا، والجوازة دي ما كانتش باختياري من البداية، لكن إنتِ مالكيش ذنب. أنا اللي غلطان، ومستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني.
ساعتها رديت عليه لأول مرة من غير ما أخبي وجعي:
— أبوك ضغط عليك عشان تتجوزني، لكن هو ما أجبركش تخونني. كان قدامك ألف طريقة تتصرف بيها، وأبسطها إنك تقول الحقيقة قبل ما تدخلني معاك في الجوازة دي. إنما إنك توافق وتتجوزني، وبعدها تخوني مع أقرب واحدة ليا في أول ليلة، فدي اختياراتك إنت يا حسام.
نزل عينه للأرض، ودموعه بدأت تنزل.
— أنا ندمان يا يارا!
قلت له بهدوء:
— ندمان عشان خنتني، ولا عشان اتقفشت؟
ما ردش. وسكوته كان كفاية.
بابا فتح الباب وأشار له إنه يمشي، لكن حسام فضل واقف لحظات، وبعدها خرج وهو بيبص لي بنظرة عمري ما هنساهاله.
بعدها بساعات، بدأت الاتصالات تنهال علينا من أهله. طنط ماجدة كانت بتترجى ماما تتدخل، وحمايا طلب من بابا إنهم يتقابلوا ويتكلموا بعيد عن الناس.
لكن بابا كان واضح من البداية:
— بنتي مش ورقة في صفقة تجارية، ومش هضغط عليها عشان أحافظ على شراكة أو سمعة عيلة. لما تهدى، هي اللي هتقرر.
أما أنا، فكنت حاسمة قراري. ما كنتش هارجع لحسام، ومش هسمح لأي حد يحول الخيانة لمجرد غلطة ونقفل عليها الباب.
خلال الأيام اللي بعدها، الأستاذ رفعت راجع العقود والاتفاقات التجارية، وبابا قرر يعيد تقييم الشراكة مع عيلة حسام، ويوقف أي تسهيلات جديدة لسه تحت الدراسة لحين مراجعة الشروط والالتزامات القائمة. كل ده اتعمل من خلال الإجراءات الرسمية، بعيد عن التهديد أو القرارات الانفعالية.
والد حسام حاول يتفاوض، لكنه اكتشف إن العلاقة بين العيلتين مش هترجع زي الأول بسهولة. المصالح اللي كان فاكر إنها هتضمن له استمرار الشراكة، بقت خاضعة لمراجعة قانونية وتجارية كاملة.
أما حسام، فبدأ يكتشف إن اللي خسره أكبر من مجرد جوازة. خسر ثقتي، وخسر احترام ناس كتير من عيلته، وبقى كل ما يحاول يبرر اللي حصل، يفتكر إن العيلتين شافوا الحقيقة بنفسهم.
ونسرين اختفت من حياتي تمامًا. ما حاولتش ألاحقها، ولا اتصلت بشغلها، ولا سعيت إني أدمّر مستقبلها. كنت عايزة أخرج من التجربة دي بأقل خسائر نفسية ممكنة، وأبدأ من جديد بعيد عن الناس اللي خانوا ثقتي.
أما إنهاء الجواز، فما كانش قرار بيتنفذ في يوم وليلة. تابعت الإجراءات القانونية مع المحامي، وبعد فترة انتهت العلاقة رسميًا، وبقيت حرة إني أبدأ حياتي من غير ما أكون مضطرة أرجع لحسام أو أبرر قراري لأي حد.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن حياتي بقت ملكي أنا، مش ملك توقعات العيلة ولا حسابات رجال الأعمال.
بعد فترة، قررت أسافر فرنسا مع ماما كام يوم، أغيّر جو وأبعد عن كل اللي حصل.
كنت قاعدة في مقعدي في الطيارة المتجهة لباريس، ببص من الشباك على السحاب، وماسكة كوباية عصير البرتقال، لما ماما مسكت إيدي وسألتني:
— لسه زعلانة يا يارا؟
ابتسمت لها ابتسامة هادية.
— أكيد يا ماما. اللي حصل مش سهل، وأنا مش هقدر أنساه كأنه ما حصلش. بس مبقتش زعلانة على حسام ولا على نسرين. أنا زعلانة على الثقة اللي اديتهالهم، وكنت فاكرة إنهم يستحقوها.
ماما طبطبت على إيدي وقالت:
— المهم إنك خرجتي من التجربة دي وإنتِ لسه قوية، وعرفتي تحافظي على نفسك وكرامتك.
بصيت من الشباك تاني، وافتكرت البنت اللي كانت داخلة جناح العرسان ليلة فرحها، فاكرة إنها بتبدأ حياة جديدة، وبعد ساعات قليلة اكتشفت إنها اتخدعت من أقرب الناس ليها.
البنت دي اتوجعت واتصدمت، وكانت ممكن تنهار. لكنها اختارت إنها تفكر، وتتصرف بحكمة، وتواجه الحقيقة بدل ما تهرب منها.
وبعد أيام، وأنا قاعدة في بلكونة فندق راقٍ في باريس، بشرب قهوتي الصباحية وببص على الشوارع الجميلة تحت، وصلتني رسالة من رقم حسام.
كانت قصيرة:
«أنا عارف إني خسرتك، ومش هسامح نفسي على اللي عملته طول عمري. أتمنى في يوم تقدري تسامحيني.»
قريت الرسالة مرة واحدة، وبعدها مسحتها من غير ما أرد.
مش كل اعتذار لازم نقبله، ومش كل ندم معناه إننا لازم نرجع نفتح الباب اللي خرجنا منه بوجع. حسام اختار يخونني، وأنا اخترت أمشي.
ما بقيتش محتاجة أثبت له إني قوية، ولا أستنى أشوفه بيتعاقب عشان أحس إني انتصرت. كان كفاية إني رجعت أملك قراري، وعرفت إن كرامتي مش مرتبطة بوجود راجل في حياتي، ولا برأي الناس في جوازي.
رفعت فنجان القهوة لشفايفي، وبصيت للشمس وهي بتطلع من بين مباني باريس. ولأول مرة من شهور، ابتسمت من قلبي.
ما كنتش عارفة المستقبل مخبي لي إيه، لكني كنت مستعدة أستقبله بنفسي الجديدة؛ واحدة اتوجعت، واتعلمت، وقررت إنها مش هتسمح لحد يحول طيبتها لنقطة ضعف.
لأن الخيانة ممكن تنهي جواز، لكنها مش لازم تنهي حياة. وأحيانًا، النهاية اللي بنخاف منها بتكون أول خطوة في طريق النجاة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



