
في يوم تعبت، وبناتي كانوا مشغولين في بيوتهم، واتصلت بيهم أكتر من مرة، وكل واحدة اعتذرت بحجة إن عندها مسؤولياتها. فضلت لوحدي لحد ما محمد عرف إني تعبانة، فساب شغله وجالي، ولما دخل عليَّ لقى سارة معاه، شايلة شنطة فيها أدويتي وحاجات محتاجاها.
بصيت لها باستغراب، لأنها كانت بتساعدني من غير ما أطلب منها، ولما محمد خرج يجيب حاجة من الصيدلية، لقيتها بتظبط لي المخدة وبتسألني:
ـ محتاجة أي حاجة يا طنط؟
بصيت لها وسألتها: ـ إنتِ جاية ليه؟! مش أنا اللي زعلتك؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: ـ حضرتك أم محمد، وزعلك منه يهمني، وتعبك يهمني برضه. أنا ممكن أزعل من تصرف، لكن ده مش معناه إني أتمنى لكِ حاجة وحشة.
الكلام ده خلاني أسكت، ولأول مرة أحس بالخجل من نفسي. البنت اللي حاولت أكسرها من أول يوم، كانت واقفة جنبي وقت ما احتجتها، في حين إن بناتي اللي كنت بقول إنهم أولى بيا، كل واحدة كانت مشغولة بحياتها.
بعد ما خفيت، فضلت أفكر في كل اللي حصل، وبدأت أراجع نفسي. افتكرت ليلة فرح ابني، لما دخلت على سارة في أوضتها الساعة تلاتة الفجر، وافتكرت الصبح لما صحيتها عشان تحضر الفطار، وكأنها اتجوزت ابني عشان تخدمني أنا وإخواته.
واكتشفت إني كنت فاهمة البر غلط، وكنت فاكرة إن ابني لما يتجوز لازم يفضل تحت أمري، وإن مراته لازم تثبت حبها ليه عن طريق طاعتي أنا.
وفي يوم، طلعت شقة محمد، لكن المرة دي خبطت على الباب واستنيت لحد ما سارة فتحت لي.
بصيت لها وقلت بتردد: ـ محمد موجود؟
ابتسمت وقالت: ـ أيوه يا طنط، اتفضلي.
دخلت، ولما محمد خرج من الأوضة وشافني، قلت له: ـ أنا جاية أتكلم معاكم في حاجة.
قعدنا، وفضلت ساكتة شوية قبل ما أبص لسارة وأقول:
ـ أنا عارفة إني ظلمتك، وكنت فاكرة إن من حقي أطلب منك أي حاجة لمجرد إني حماتك، وإنك لازم تسمعي كلامي حتى لو على حساب راحتك. أنا غلطت في حقك من أول يوم، وبدل ما أستقبلك وأفرح بيكي، خليتك تكرهي اليوم اللي دخلتي فيه بيتي.
سارة بصتلي بهدوء، وأنا كملت كلامي والدموع بدأت تتجمع في عيني:
ـ أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل، لكن بطلب منك تسامحيني، ولو تقدري نبدأ من جديد، أنا نفسي يبقى ليا بنت تانية غير بناتي، وإنتِ تبقي بنتي مش خدامتي.
سارة قامت وقربت مني، وقالت: ـ أنا مسامحاكِ يا طنط، وكل اللي كنت عايزاه من البداية إن حضرتك تحبيني وتحترميني، زي ما أنا هحترمك وأقدرك.
محمد ابتسم، ولأول مرة من يوم جوازه حس إن البيت ممكن يعيش في هدوء، من غير ما يضطر يختار بين أمه ومراته.
ومن يومها، علاقتي بسارة اتغيرت، بقيت أخبط على بابها قبل ما أدخل، ولو احتجت منها حاجة بطلبها باحترام، وهي لو قدرت تساعدني بتعمل ده من قلبها، من غير خوف ولا إجبار.
واتعلمت إن مرات الابن مش خدامة عند حماتها، وإن البيت اللي بيدخله الاحترام بيعيش فيه الحب، لكن البيت اللي بيفرض الطاعة بالقوة، حتى أقرب الناس فيه ممكن يبعدوا عن بعض.
وأكبر درس اتعلمته كان إن ابني لما وقف قصادي، ما كانش بيختار مراته عليَّ، لكنه كان بيحاول يحميني من غلطي، قبل ما أخسر ابني ومراته وبيتي بسبب تصرفاتي.




