
ردي على سؤالي!
شيرين حطت الورقة على الترابيزة وقالت أنا هرد عليك، بس قبل ما أتكلم، عايزاك تفتكر إنك إنت اللي طلبت الطلاق، وإنت اللي اتهمتني في شرفي سنين، وإنت اللي كنت بتراقبني وتسألني كل يوم كنت فين ومع مين. أنا استحملت عشان يوسف، مش عشانك.
توفيق اتعصب يعني إيه الكلام ده؟!
ردت وهي بتمسح دموعها يعني أنا عمري ما خنتك، ولا كنت على علاقة بحد غيرك. ولما اتولدت، الدكتور قال إن فيه احتمال نادر إن يحصل خطأ في نقل الأجنة؟ لأ، أنا مش هألف لك حكاية عشان أريحك. أنا نفسي مش فاهمة النتيجة دي، ومش هقدر أفسرها من ورقة واحدة. لو عايز الحقيقة، نعمل تحليل تاني في معمل مستقل، ونتأكد من كل حاجة.
الكلام وقف في زور توفيق.
لأول مرة، شيرين ما كانتش بتصرخ ولا بتدافع عن نفسها بعياط هستيري. كانت بتتكلم بثبات، كأنها وصلت لمرحلة إنها مبقتش مستنية منه تصديق ولا تكذيب.
قالتله أنا وافقت على الطلاق عشان أعيش في سلام، وأربي ابني بعيد عن الشك والخناق. وإنت دلوقتي مش من حقك ترجع تفتح الجرح ده وتتهمني من جديد من غير ما تتأكد.
توفيق فضل ساكت، وبعدها طلب منها يعملوا تحليل تاني، وهي وافقت بشرط إن يوسف ما يعرفش أي حاجة عن الموضوع لحد ما تظهر النتيجة.
وبعد أيام من القلق والانتظار، ظهرت نتيجة التحليل التأكيدي.
وكانت الصدمة أكبر من الأولى.
التحليل الأول كان فيه خطأ في تسجيل بيانات العينات، وبعد مراجعة المعمل اتضح إن العينة المنسوبة ليوسف لم تكن تخصه، وإن نتيجة التحليل الأول لا تصلح للحكم على نسبه. أما التحليل التأكيدي، اللي اتعمل بعينات جديدة وإجراءات موثقة، فأكد إن توفيق هو الأب البيولوجي ليوسف، زي ما كان أبوه طول عمره.
لما عرف، قعد على الأرض في الصالة، وحط إيده على وشه وهو بيعيط.
يوسف ابنه فعلًا.
الطفل اللي كان ممكن يخسره بسبب ورقة غلط، وبسبب وسواس الشك اللي عاش عمره كله أسير له.
راح لشيرين واعتذر لها، لكنه ما طلبش منها ترجع له، لأنه فهم أخيرًا إن الاعتذار مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
أما أنا، فلما رجع البيت، كان أول شيء عمله إنه وقف قدام سرير التوأم، وبص لهم بحنان، وبعدها بصلي وقال أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية، بس أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي كسرته جواكي.
بصيت له وقلت يا توفيق، أنا مش هقدر أعيش كل يوم وأنا مستنية اتهام جديد. النهارده شاكك في ملامح عيالك، وبكرة ممكن تشك في خروجي، وبعده في كلامي. أنا محتاجة أحس بالأمان، مش أعيش طول عمري في محكمة.
نزل راسه وقال أنا هروح لدكتور نفسي، وهتعالج. مش هطلب منك تصدقيني بالكلام، هثبت لك بالأفعال.
وفعلًا، بدأ يتابع مع متخصص، واتضح له إنه محتاج علاج ومتابعة عشان يتعامل مع أفكاره القهرية وشكوكه المستمرة. ما كانتش رحلة سهلة، وكان بيضعف أحيانًا، لكن المرة دي بدأ يتعلم إنه لما ييجي له الشك، ما يحولوش فورًا لاتهام ولا يجرح اللي قدامه بسببه.
أما الحاجة أم توفيق، فحاولت في البداية تلومني وتقول إني السبب في تعب ابنها، لكن لما واجهتها بكلامها عن التوأم، سكتت.
قلتلها أنا مش عايزة منك اعتذار عشان أذلّك، أنا عايزاكي بس تعرفي إن العيال دول مالهمش ذنب في شكوك
حد، وإن الأم اللي لسه خارجة من عملية قيصرية محتاجة اللي يسندها، مش اللي يشكك فيها.
ومن يومها، بدأت علاقتي بيها تتغير ببطء، مش لأن كل حاجة اتصلحت فجأة، لكن لأنها فهمت إن سكوتي زمان ما كانش معناه إني مش بتوجع.
عدت شهور، والتوأم كبروا، وبقوا يضحكوا ويجروا في البيت، وتوفيق بقى يقضي معاهم وقت طويل، ويشارك في تربيتهم، ويتعلم إن الأبوة مش مجرد شبه في المناخير أو لون العينين، لكنها مسؤولية الحب ووجود.
وفي يوم، كان يوسف جاي يزورنا، فجرى توفيق يستقبله وحضنه بقوة، وبعدها شال واحد من التوأم على دراعه، وبص للتلاتة وقال دول أغلى حاجة عندي في الدنيا.
كنت واقفة بعيد بتفرج عليهم، وافتكرت اليوم اللي اتهمني فيه من غير دليل، واليوم اللي وقع فيه لما سمع نتيجة التحليل، واليوم اللي اكتشف فيه إن شكه كان ممكن يضيع منه كل حاجة.
قرب مني وقال لسه زعلانة مني؟
بصيت له وقلت الجرح مش بيروح في يوم وليلة، يا توفيق. بس أنا شايفة إنك بتحاول، وده أول الطريق. إنما لو رجعنا لنفس الدوامة، مش هقدر أكمل.
هز راسه وقال حقك عليا.
ومن يومها فهمت إن الثقة مش كلمة بنقولها، ولا تحليل بنعمله، ولا وعد بيتقال وقت الخوف. الثقة أفعال بتتكرر كل يوم، واحترام بيظهر وقت الشك قبل وقت اليقين.
وأنا كمان اتعلمت درس عمري ما هنساه الحب لوحده مش كفاية عشان البيت يعيش، لازم يكون معاه أمان وصدق ومسؤولية.
لأن أصعب حاجة مش إن حد يشك فيك، لكن إنك تفضل طول عمرك بتحاول تثبت براءتك لشخص المفروض يكون أكتر واحد مصدقك.
والحمد لله، المرة دي الحقيقة ظهرت، ويوسف فضل في حضن أبوه، والتوأم فضلوا في حضني، وتوفيق بدأ أخيرًا يواجه المشكلة الحقيقية اللي كانت بتسرق منه كل حاجة حلوة في حياته.
النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




