
دخلت أمي وقعدت على الكرسي وهي بتمسح دموعها، وقالت بصوت مكسور:ـ حقك عليا.. أنا غلطت إني مسمعتكيش كويس وإني سكت عن مرتك أخوكِ.. بس طلقي الشر من قلبك، أحمد اتقبــ,,ـــــض عليه، ومراتك أخته وأمها قالبين الدنيا ومش عارفين يعملوا إيه. قاطعتها وأنا بصب لها كوباية شاي وبقول ببرود:ـ خليهم يشربوا من نفس الكاس اللي سقوني منه.
. لا أحمد يفرق معايا، ولا أهله، وكل واحد هياخد جزاؤه بالقانون. وقبل ما أمي ترد، التليفون رن.. كان المحامي بتاعي. فتحت الخط بسرعة، فلقيت صوته مليان حماس وهو بيقول:ـ أستاذة.. عندي ليكي أخبار تفرح! المحكمة أصدـ,,ـــرت قرار نهائي بالتمكين المنفرد لشقة الزوجية لصالِحك، ورفضت كل طعون أحمد وأهله، وكمان تم التحفظ على جزء كبير من أمواله لحين الفصل في قضايا التعويض والنفقة الكبيرة اللي طلبناها.
ده غير إن الممرضة اعترفت بكل حاجة في التحقيقات وقالت إن أخته ومرت أخوكي هما اللي خططوا لكل ده عشان يطردوكِ!سمعت الكلام وحسيت بنصر مبين بيلتف حواليا. بصيت لأمي والمحامي على التليفون، وقولت بصوت عالي وقوي:ـ شكراً يا أستاذ.. انا مستنية الجلسة الجاية على نــ,,ـــــار، عشان أعرفهم مين هي اللي بيتقال عليها “واحدة تمشي ييجي مكانها عشرة”.
قفلت التليفون، وبصيت قدامي في المرايا، ولقيت الست الضعيفة اللي كانت بتعيط في المطبخ اختفت تماماً، وظهرت بدالها ست قوية، قادرة تحمي عيالها، وتبني حياتها من جديد على أساس من الكرامة اللي لا يمكن تتنازل عنها أبدًا. الشمس كانت غابت وطلت نجوم الليل، وهدوء الشقة كان مريح وجميل، بس جوايا كان فيه نــ,,ـــــار حماس وإصرار على إن الحكاية دي لازم تخلص بالطريقة اللي تليق بكل دمعة نزلت مني ومن ولادي.
تاني يوم الصبح بدري، جهزت نفسي وأنا لابسة أرقى وأشيك لبس عندي، وحطيت في عيني نظرة تحدي وقوة مفيش بعدها كلام. مسكّت إيد ولادي، وخدت أمي اللي كانت ماشية جنبي مكسورة ومحملة بالندم، وركبنا العربية لحد ما وصلنا قدام مجمع المحاكم. المنطقة كانت زحمة جداً، والصحافة والناس واقفين بره لأن القضية بقت حديث الناس والبلد كلها؛
قصة الست اللي قضت تمان سنين بخدمة أهل جوزها وبنت عجزت، وفي الآخر طردوها عشان كيس شيبسي، لتكتشف إن وراء الطرد مؤامرة زواج عرفي وممرضة ومؤامرة عائلية!أول ما دخلت قاعة المحكمة، القاعة هديت تماماً. الأنظار كلها اتصوبت نحوي، ولقيت أحمد جوزي واقف في قفص الاتهام، ووشه أسود ومطبق، وجنبه الممرضة اللي كانت منهارة وبتعيط بدموع التمساح.
وفي أول صف من الحضور، كانت أخته وأمها قاعدين ووشوشهم مصفّرة من الخوف والفضيحة، وأول ما شافوني، نزلوا عيونهم في الأرض ومقدروش ينطقوا بحرف واحد. القاضي الجليل دخل وقعد على منصته بكل هيبة، وطلب بدء الجلسة. وقف المحامي بتاعي بكل ثقة وقدم المستندات والأدلة القاطعة: عقود الجواز العرفي المزورة، تفريغ مكالمات مرات أخويا وأخت أحمد اللي بتثبت التواطؤ والتدبير لإخراجي من الشقة، وشهادة الجيران، وتحريات المباحث اللي نسجت خيوط القضية بوضوح الشمس.
وكيل النيابة رافع رأسه وبص للمحكمة وقال بصوت جهوري:– يا فندم، المتهم لم يكتفِ بطرد زوجته وأم أولاده بغير وجه حق، بل قام بالتواطؤ مع أطراف خارجية وداخلية لتلفيق الأسباب والإتيان بامرأة أخرى بطرق غير شرعية داخل مسكن الزوجية، مستغلاً طيبة الضحية وتضحياتها لسنوات طويلة في رعاية والدته العاجزة.. وبناءً عليه، تطالب النيابة العامة بتوقيع أقصى عقوبة على المتهم ومن عاونوه، مع إلزامهم بدفع تعويضات مادية وأدبية ضخمة، وتمكين الزوجة من كافة مستحقاتها الشرعية والقانونية!
أحمد اتهز جوه القفص، وبص لي بنظرة كلها ترجي وانكسار، ورفع صوته وقال بصوت مكسور:– يا سيادة القاضي.. أنا غلطان.. أنا أسف.. اتركيها تتنازل، دي أم ولادي وعشرة عمري!وقفت في مكاني بكل ثقة، وطلبت إذن الكلمة من القاضي. القاضي أومأ براسه بإذن التحدث. بصيت لأحمد وبصوت ثابت وقوي هز جدران القاعة، قلت:– عشرة عمرك؟! لما كنت بسهر على راحة أمك وإنت مسافر، مكنتش عشرة عمرك؟
لما طردتني أنا وولادي في الشارع في عز الليل عشان كيس شيبسي، مكنتش عشرة عمرك؟ ولما اتفقت مع أختك ومرت أخويا عشان ترميني وتجيب دي مكاني، مكنتش عشرة عمرك؟! الطيبة ملهاش تمن غير إنكم دستوا عليها، بس الجبروت له نهاية.. وأنا هنا مش هتنازل عن حرف واحد من حقي!القاعة كلها أبدت تعاطفها، وقاضي التحقيق والمحكمة مخدوش ثواني في المداولة.
وبعد دقايق معدودة، رفع القاضي الجلسة ونطق بالحكم التاريخي:– حكمت المحكمة حضورياً، بمعاقبة المتهم أحمد بالحبس سنتين مع الشغل والنفاذ، ومعاقبة الممرضة بالسجــ,,ـــــن سنة، وتغريم المتهمين تضامنياً مبلغ مليون جنيه تعويضاً أدبياً ومادياً للزوجة، مع تثبيت التمكين المنفرد لشقة الزوجية وشقة أخرى، وإلزامهم بنفقة شهرية دائمة للولاد!الصدمة وقعت على أحمد وأهله زي الصاعقة، أخته وأمها قعدوا يصرخوا في القاعة لحد ما الأمن أخرجهم، وأحمد سقط على ركبه جوه القفص وهو بيعيط بحــ,,ـــــرقة.
أما أنا، فطلعت من باب المحكمة، وشعاع الشمس كان ساطع في وشي، والهوا كان أنظف وأجمل. بصيت لولادي اللي كانوا ماسكــ,,ـــــين إيدي بابتسامة فخر وقالوا لي بصوت واحد:– إحنا فخورين بكي يا ماما.. إنتي بطلة!حــ,,ـــــضنتهم جامد، وعرفت إن الحكاية مخلصتش عند الجزء السابع، دي لسه البداية لحياة جديدة عنوانها الكرامة والشموخ اللي مفيش مخلوق يقدر يهزها تاني أبداً.



