
عدى شهر كامل على اللي حصل. حياتي كانت بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج. أمي أمينة صحتها تحسنت كتير، والدكتور سمح لها تخرج تتمشى شوية في الصالة، والبيت رجع فيه النفس والروح من تاني. في الشغل، زمايلي كلهم عر…
عدى شهر كامل على اللي حصل. حياتي كانت بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج. أمي أمينة صحتها تحسنت كتير، والدكتور سمح لها تخرج تتمشى شوية في الصالة، والبيت رجع فيه النفس والروح من تاني. في الشغل، زمايلي كلهم عرفوا الحقيقة، ونظرات الشفقة أو الشك اللي كانت في عينين البعض في البداية تحولت لاحترام شديد، وخصوصاً بعد ما الإدارة نزلت جواب شكر رسمي ليّ في لوحة الإعلانات مع صرف المكافأة التشجيعية.
-
بنت جوزي ج 3منذ 11 ساعة
-
بنت جوزي ج 2منذ 11 ساعة
-
بنت جوزي ج 1منذ 12 ساعة
-
بقلم مني السيدمنذ 13 ساعة
كنت فاكر إن صفحة محمود اتقفلت للأبد، وإن القضاء بياخد مجراه والشركة شغالة في إجراءاتها. لكن اللي ما كنتش أعمل حسابه، إن صاحب النية السودة ما بيبطلش يحفر، وحتى وهو في قاع البئر، بيحاول يجر معاه أي حد قايم على حيله.في يوم أربع الصبح، وأنا قاعد في مكتبي براجع تقارير الصيانة الدورية للسيارات الميدانية، دخل عليا أستاذ شريف ومدير قطاع الأمن والشؤون Legal بالشركة، واستدعوني فوراً لمكتب رئيس مجلس الإدارة. قلبي اتنفض. دخلت المكتب الكبير، كان قاعد فيه رئيس مجلس الإدارة بنفسه، وعلى الطاولة قدامه ملف أسود متضخم.
بصلي رئيس مجلس الإدارة وقال بنبرة حادة ومركزة: «أحمد… أنت عارف إننا بنحترمك ومقدرين كفاءتك وامانتك طول السنين اللي فاتت، بس النهاردة الصبح وصلتنا محضر رسمي وإخطار من النيابة العامة بناءً على بلاغ أخير قدمه محامي محمود.» بلعت ريقي وقلت: «خير يا فندم؟ محمود كاتب إيه تاني؟» رئيس مجلس الإدارة فتح الملف وقال: «محمود ومحاميه يقدموا أقوال جديدة في التحقيقات، ومعاهم مستندات بيقولوا إنها أدلة جديدة. محمود بيطالب بإدخالك كمتهم ثاني ورئيسي في قضية الاستيلاء على المال العام والتزوير. كاتب إنك أنت اللي كنت بتدير عملية التزوير دي بنفسك، وإنك كنت بتاخد منه 2500 جنيه شهرياً كنسبة عشان تخفي أمر الرخصة المسحوبة عن إدارة الشركة، وترفع تقارير وهمية عن تعطيل العربية الرينو عشان تستغل بنزين الشركة لحسابك الشخصي!
ومش بس كده… ده أرفق كشف حساب بنكي له فيه تحويلات مالية شهرية متكررة باسمك!» اتصدمت. اتسمرت في مكاني. «تحويلات بنكية باسمي؟! يا فندم أنا عمري ما أخدت منه جنيه! ولا عمري عطيت له رقم حسابي البنكي أساساً!» أستاذ شريف اتدخل بسرعة وقال: «أنا قلت لحضرتك يا فندم أحمد مظلوم ومحمود بيحاول يغرق أي حد معاه.» رد رئيس مجلس الإدارة: «أنا مش بتكلم بالعواطف يا شريف.
النيابة قدامها كشف حساب بنكي رسمي طالع من البنك باسم محمود، فيه تحويل شهري بمبلغ 2500 جنيه يروح لحساب باسم ‘أحمد محمود’! والموضوع ده لو ثبت، الشركة هتبقى مجبرة تقدمك للمحاكمة بتهمة التآمر والتستر والتزوير، وده معناه الحبس وفصلك فوراً!» الدنيا لفت بيا. التحويلات دي جت منين؟ وأنا حسابي البنكي ما دخلتش فيه المبالغ دي خالص! افتكرت كل تعاملاتي المالية في السنة اللي فاتت.
أنا معنديش غير حساب بنكي واحد في بنك مصر، وما فيهوش أي حركة زي دي. سألت بصوت مرعوب بس حاولت أخليه ثابت: «يا فندم… التحويلات دي طالعة لآني بنك؟ ورقم الحساب المكتوب إيه؟» رئيس مجلس الإدارة بص في الورق وقال: «طالعة لحساب في البنك الأهلي المصري، برقم قومي واسم مطابق لاسمك الثلاثي: أحمد محمود…» وفجأة… زي ما يكون نور ضـ,ـرب في دماغي! أحمد محمود! الاسم الثلاثي بتاعي شايع جداً، بس الأهم من ده… افتكرت حاجة محمود عملها من 6 شهور، حاجة كنت فاكرها ساعتها مجرد خدمة أو حركة عبيطة!
من 6 شهور، محمود جالي الشغل وهو متوتر وقال لي: «يا أحمد، أخويا الصغير اسمه أحمد محمود برضه، وجميلك على راسي، بس هو شغال أونلاين ومحتاج حد يستلم له مبالغ من عملاء عشان حسابه البنكي فيه مشكلة، ينفع يبعت على حسابك؟» ساعتها أنا رفضت بشدة وقلت له: «أنا ماليش دعوة بحسابات حد وما بأدخلش فلوس حد في حسابي!» فمحمود وقتها قال لي: «خلاص يا عم خلاص، أنا أتصرفت وفتحت له حساب باسمه الثلاثي المتشابه في البنك الأهلي.» محمود كان بيحول الفلوس دي لحساب أخوه الصغير اللي اسمه مطابق لاسم الثلاثي!
وكان بيجهز اللعبة دي من شهور طويلة! كان بيبني شبكة فخاخ متفصلة عشان لو في يوم اتكشف، يرمي الجريمة كلها عليا ويقول إن الفلوس كانت بتروح لـ «أحمد محمود»! قفزت من مكاني وقلت لرئيس مجلس الإدارة: «يا فندم! الحساب ده مش حسابي! الاسم متشابه! محمود استغل إن اسم أخوه الصغير مطاطق لاسي الثلاثي ‘أحمد محمود’، وأنا حسابي الوحيد في بنك مصر وفرع مختلف تماماً! أطالب فوراً بطلب استعلام بالرقم القومي كاملاً صاحب الحساب في البنك الأهلي!» رئيس مجلس الإدارة بصل لي بذهول: «أنت متأكد من الكلام ده يا أحمد؟ أخوه اسمه مطابق لاسمك الثلاثي؟» «أيوة يا فندم!
وتقدروا تتأكدوا من الرقم القومي والبريد الإلكتروني المربوط بالحساب البنكي ده. الرقم القومي بتاعي المسجل في ملفات الشركة مختلف تماماً عن الرقم القومي بتاع الحساب اللي في البنك الأهلي!» المدير التنفيذي مسك التليفون فوراً وطلب المستشار القانوني للشركة: «يا متر… اطلب من وكيل النيابة فوراً استعلام بالرقم القومي لصاحب الحساب في البنك الأهلي المرفق في البلاغ، مش بالاسم فقط!» مرت ساعتين في مكتب رئيس مجلس الإدارة وأنا حاسس إن كل دقيقة بتعدي زي سنة كاملة. كنت قاعد ومسكين سبحتي في جيبي وبستغفر. كنت عارف إن ربنا مش هيسيبني، بس حجم الخبث والتخطيط اللي محمود عمله كان يخوف!
ده ما كانش مجرد زميل أناني أو طماع… ده كان شيطان مخطط لكل خطوة من شهور، عشان لو وقع، يقع على جـ,ـثة غيره! الساعة جت 2 الضهر، والموبايل بتاع المستشار القانوني رن. فتح السبيكر. صوت المستشار القانوني جاء من النيابة: « يا فندم… الحقيقة اتكشفت بالكامل في النيابة!» رئيس مجلس الإدارة قال بلهفة: «قول يا متر، إيه اللي حصل؟» قال المستشار القانوني: «المحقق استدعى كشف الحساب بالرقم القومي صاحب الحساب في البنك الأهلي، وطلع الحساب باسم ‘أحمد محمود عبد الفتاح’ (أخو محمود الصغير)، بينما أحمد بتاعنا اسمه ‘أحمد محمود السيد’. ولما المحقق واجه محمود وأخوه بالحقيقة والرقم القومي، أخوه انهار واعترف إن محمود هو اللي كان بيخليه يفتح الحساب ده ويحول له الفلوس دي صورياً من حسابه الثاني عشان يعمل حركات تحويل وهمية بأسماء متشابهة لاستخدامها كأداة ابتزاز وتلفيق اتهامات لو الأمور اتكشفت!
» الهدوء ساد المكتب. رئيس مجلس الإدارة بص لي بذهول وصدمة من حجم الخبث. المستشار القانوني كمل: «المحقق وجه فوراً لمحمود وأخوه تهم جديدة: التزوير، البلاغ الكاذب، محاولة تضليل العدالة، وتلفيق اتهامات كيدية. ومحمود دلوقتي مقبوض عليه رسمياً وصدر ضد قرار حبس 15 يوم على ذمة التحقيق مع مراعاة تجديد الحبس!» تنهدت بعمق، وحسيت إن الروح ردت فييا تاني. رئيس مجلس الإدارة قام من على كرسيه، وجاء لحد عندي، ومسك إيدي وإتأسف لي قدام الكل: «أنا بأسف لك يا أحمد.
. أنا اتقالت لي معلومات تخوف وشككت لحظة، بس أنت أثبت إنك أنضف وأرجل من أي شبهة. حقك عليا يا ابني.» قلت له بثبات: «الحمد لله يا فندم. الحق ما بيمـ,ـوتش، واللي بيحفر حفرة لأخيه بيبتلى فيها بنفسه.» رجعت بيتي في اليوم ده، وأنا جسمي كله مهدود من التوتر والعصبية. فتحت باب الشقة، لقيت أمي قاعدة في الصالة بتقرأ قرآن. أول ما شافتني، ابتسمت وقالت: «مالك يا أحمد؟ وشك أصفر ليه كده يا ابني؟» قعدت تحت رجليها، وحطيت راسي على ركبتها. «تعبان يا أمي… تعبان من سواد قلوب الناس. الدنيا بقت تخوف.
» مسحت على شعري بكتفها الحنين وقالت لي كلام مش هنساه طول حياتي: «يا ابني اللي يربك ربنا ويمشي بسليمة، لو إبليس نفسه اتمثل له في صورة بني آدم، ربنا هيسخره ويرد كيده في نحره. أنت عملت خير وسقيت العطشان وحملت المحتاج، والخير ده ما بيروحش هدر. ربنا نجاك ببر دعوتي ليك الصبح، وربنا مش بيسيب الحاقد يتطاول.» لكن… هل القصة خلصت هنا؟
لا. بعد أسبوعين من حبس محمود، جاتلي مفاجأة غير متوقعة تماماً. كنت نازل من الشقة الصبح بدري، ورايح أركب عربيتي عشان أروح الشغل. لقيت ست كبيرة لابسة أسود في أسود واقفة جنب باب العربية، ومعاها طفلين صغيرين. أول ما شافتني، جرت عليا وقعدت تبكي في الشارع وتترجاني: «أستاذ أحمد! أنا زوجة محمود!
أرجوك يا أستاذ أحمد… أرجوك ارحم عياله!» وقفت مكاني متفاجئ ومصدوم: «أم محمود؟ إيه اللي جابك هنا؟» الست نزلت على ركبها في الشارع قدام الأطفال وقالت وهي بتبكي بكاء يقطع القلب: «محمود في السجن يا أستاذ أحمد! بيجددوا له الحبس، والشركة أخدت حكم بتجميد حسابه المالي وبيتنا هيتخرب! العيال دول مالهمش ذنب! محمود غلط في حقك وشيطان وغدر بيك، بس وحياة عيالك وأمك عندك، روح اطلب من الشركة تتنازل عن القضية القانونية وتكتفي بفصله!
احنا شحاتين من غيره، وأنا مستعدة أبيع عفش بيتي وأسدد للشركة الفلوس بس ما يدخلش السجن والعيال يتشردوا!» بصيت للطفلين الصغيرين… كانوا باصين لي بعيون مليانة خوف ودموع، مش فاهمين حاجة غير إن أبوه في السجن والست دي بتبكي قدام شخص غريب. في اللحظة دي… لقيت نفسي في أصعب اختبار في حياتي كلها. اختبار بين العدل والانتقام… وبين الرحمة والشفقة على ناس مالهاش ذنب في سواد قلب محمود! محمود اللي ما رحمش أمي وهي بين الحياة والمـ,ـوت… محمود اللي حاول يسجنني ويخرب بيتي ويلفق لي تهمة توديني ورا الشمس… دلوقتي مراته وعياله واقفين تحت رجلي وبيطلبوا مني أنقذه!
وقفت قدامهم في الشارع الصامت… وعقلي بيصرخ: «أوعى ترحمه! هو ما رحمش أمك ولا رحيلك!» وقلبي بيهمك: «بس الأطفال دول مالهمش ذنب…» وبصيت للشارع… وما كنتش عارف أعمل إيه… الجزء الرابع وقفت في وسط الشارع، والشمس يادوبك بتشرق، والست ساجدة تقريبًا على الأرض ودموعها بلت التراب، والطفلين ماسكين في طرحتها وبيعيطوا بعلو صوتهم من غير ما يفهموا إيه اللي بيحصل. جسمي كله كان بيترعش.
عقلي بيعرض شريط السينما بتاع الأيام اللي فاتت في ثواني: صورة أمي وهي محطوطة على أجهزة الطوارئ ومحمود بيبعتلي «سيب أمك هناك وتعيال خدني»، صوته المتعصب في التسجيل الصوتي وهو بيهددني إنه هيحملني مسؤولية تأخيره، منظر أوراق التزوير والبلاغ الكاذب اللي كان هيوديني ورا الشمس ويضيع مستقبلي واسم عيلتي… كل دي حاجات كانت بتصرخ في دمي وتقولي: «امشي وسيبها! ده عدل ربنا، وهو اللي جاب لنفسه ولأهله الخراب ده بسواده وطمعه!» لكن النظر لعينين العيال الصغار دول… طفل عنده يجي سبع سنين والبنت أصغر منه، أيديهم الناعمة اللي ماسكة في هدوم أمهم المرعوبة… كسرت جوايا حاجة.
مديت إيدي بسرعة ومسكت الست من دراعها وقومتها من على الأرض: «قومي يا مدام… قومي استغفري ربنا، ما تنزليش لمخلوق بالشكل ده. الوقفة دي ما تصحش.» الست مسحت دموعها وهي بتتخنق بالبكاء: «يا أستاذ أحمد… أنا والله العظيم ما كنت أعرف حاجة عن اللي بيعمله! أنا صحيت على خبر إن جوزي مقبوض عليه في النيابة، ولما رحت هجرتني الدنيا! عرفت إنه زور واستغل زمايله وأخد فلوس مش حقه، وعرفت إنه عمل فيك اللي ما يتعملش!



