روايات وقصص

زميلي 2

بسمه

عدى شهر كامل على اللي حصل. حياتي كانت بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج. أمي أمينة صحتها تحسنت كتير، والدكتور سمح لها تخرج تتمشى شوية في الصالة، والبيت رجع فيه النفس والروح من تاني. في الشغل، زمايلي كلهم عر…

بيتنا هيتخرب ويا عالم هنلاقي ناكل منين لو اتسجن سنين!» سكت. وقفت أبص للشارع الفاضي. سألتها: «ومحمود فين دلوقتي؟» قالت وهي بتبكي: «محبوس في التخشيبة، ومستني التجديد بعد بكرة. والمحامي قال لي إن القضية مقفولة ضده 100% لأن فيها تزوير رسمي واستيلاء على مال عام وبلاغ كاذب، ولو الشركة ما تنازلتش عن الشق الجنائي، هيتحكم عليه بأحكام مش أقل من 3 لـ 5 سنين سجن مشدد!» أخدت نفس عميق، وطلعت مفتاح العربية. «اركبي يا مدام أنت والعيال… أنا موصلكم لبيتك.

مقالات ذات صلة

» الست بصت لي باستغراب وخوف: «تروح معايا فين يا أستاذ أحمد؟» قلت لها بنبرة هادية بس صلبة: «اركبي بس… مش هسيبك واقفة في الشارع كده والعيال بيمـ,ـوتوا من الخوف.» ركبوا معايا العربية. نفس العربية اللي محمود ركبها 11 شهر ببلاش، نفس الكرسي اللي كان بيقعد عليه وهو بيخطط إزاي يئذيني. المرة دي كانت قاعدة عليه مراته المكسورة وعياله الخايفين. طول الطريق محدش اتكلم. كنت بصل في المراية اللي قدام، أشوف الولد الصغير يبص لي بخوف ويرجع يستخبى في أحضان أمه. كنت بحس بغصة في حلقي… الراجل ده إزاي كان بيعيش بين عيلته بالوجه ده؟

إزاي كان بياكل عياله من فلوس حرام وبدلات مزورة، وبيفكر يذل زميله اللي بيخدمه؟ وصلتهم لحد باب بيتهم في منطقة شعبية قريبة. نزلت الست والعيال، ولما جرت عشان تشكرني، قلت لها: «يا مدام… أنا مش هأوعدك بحاجة. اللي محمود عمله مع أمي ومعايا يتعدى أي حدود للمسامحة الشخصية. لكن العيال دول… ربنا عالم بيهم. أنا هروح الشغل وهشوف الشؤون القانونية بالشركة إيه المتاح قانوناً، من غير ما أضر نفسي أو أضر الشركة. ادعي ربنا يلهمني التصرف الصح.

» الست رفعت إيدها للسما وقعدت تدعي لي بدعوات حسيت إنها طالعة من قاع قلبها. طلعت على الشغل فوراً. دخلت الشركة، والتناقض كان رهيب. كل الناس بتبارك لي على براءتي وعلى إن المحقق كشف ملعوب محمود، ومكاتب الشركة كلها بتتكلم عن «أحمد السلكان اللي ربنا نصره». بس أنا كنت ماشية في الممرات وسرحان. دخلت على أستاذ شريف في مكتبه. أول ما شافني، ابتسم وقال: «أهلاً يا أحمد! حمد الله على السلامة يا بطل.. النيابة بعتت إخطار إن التحقيقات خلاص بتتفنش ضده، والشركة مكملة في الدعوى الجنائية عشان نكون عبرة لأي حد يفكر يزور أو يتلاعب بعقود الشركة.

» قعدت على الكرسي قدامه، وقلت بصوت واطي: «أستاذ شريف… أنا محتاج أتكلم معاك في حاجة غريبة شوية.» أستاذ شريف نزل القلم اللي في إيده وبص لي باهتمام: «خير يا أحمد؟ في حاجة تاني حصلت؟» حكيت له كل اللي حصل الصبح… حكيت له عن مراته والعيال اللي كانوا ساجدين في الشارع قدام عربيتي، وعن الخراب اللي هيلحق بالعيلة دي لو محمود اتسجن سنة ولا سنتين.

أستاذ شريف بصل بي باستغراب شديد، وعينيه اتوسعت من الصدمة: «أنت بتتكلم جد يا أحمد؟! أنت بعد كل اللي عمله فيك، وبعد ما كان هيوديك ورا الشمس ويتسبب في مـ,ـوت والدتك بسخافته وانانيته… جاي تدور على مخرج ليه؟!» قلت له بصدق: «أنا مش بدور على مخرج لمحمود يا أستاذ شريف. محمود يستاهل كل اللي يجرى له، وأنا عمري ما هنسى اللي عمله معايا ومع أمي. بس أنا بدور على مخرج للطفلين دول. أنا شفتهم بعيني الصبح، ولاد مالهومش أي ذنب إن أبوهم بني آدم خاين وجشع. أنا مش قادر أتخيل إن بسببي -حتى لو أنا المظلوم- العيال دول يتربوا وأبوهم مسجون في قضية تزوير واستيلاء، وتتشرد عيلتهم.

» أستاذ شريف اتنهد بقوة، وقام وقف وراح عند الشباك، وبعدين لف لي وقال: «يا أحمد… أنت طيب زيادة عن اللزوم، والطيبة دي في الزمن ده بتبقى زي العاطفة اللي بتدمر صاحبها. الشركة مش مدرسة تهذيب وإصلاح! الشركة اتقال في حقها كلام وصدر ضدها تزوير واستيلاء، ومجلس الإدارة متمسك بالقضية الجنائية عشان يرجع الفلوس اللي اتاخدت بغير حق!» قلت له: «طب هل ينفع الشركة تكتفي بالتسوية المالية والفصل؟ يعني لو محمود ومراته ردوا كل المبالغ اللي أخدها بدون وجه حق، هل ينفع الشركة تتنازل عن الشق الجنائي المباشر (التزوير والاستيلاء) وتكتفي بفصله نهائياً مع حظره من العمل في أي جهة تابعة للقطاع؟

» أستاذ شريف بص لي وسكت فترة طويلة، وبعدين قال: «القرار ده مش بإيدي، ولا حتى إيد الأستاذة نجوى بتاعة الشؤون القانونية. القرار ده حصرياً بإيد رئيس مجلس الإدارة. وهو راجل صارم جداً في موضوع الأموال العامة والتزوير. لو عايز المحاولة دي تتم… لازم تدخل له أنت بنفسك وتطلب منه ده، وتحتمل رد فعله!» قلت له فوراً: «أنا مستعد أدخل له دلوقتي.

» أستاذ شريف هز راسه بقلة حيلة: «ربنا يهديك يا أحمد… أنت بتمشي بقلبك في طريق كله شوك.» أخدني أستاذ شريف وطلعنا لمكتب رئيس مجلس الإدارة. بعد ما سكرتيره استأذن، دخلنا. رئيس مجلس الإدارة كان بيكتب في ورق، أول ما رفع رأسه وشافني، ابتسم: «أهلاً أحمد.. خير، في حاجة جديدة في الشغل؟» أستاذ شريف قال: «أحمد جاي لحضرتك في موضوع شخصي يتصل بقضية محمود يا فندم.» تقاطيع وش رئيس مجلس الإدارة اتغيرت فوراً وبقت حادة: «موضوع إيه؟ محمود أرسل لك حد تاني يهددك ولا يبتزك؟

» قربت من المكتب وقلت بثبات: «لا يا فندم… أنا جاي أطلب من حضرتك طلب، وعارف إنه غريب ويمكن تضايق مني، بس أنا بطلبه من منظور إنساني محض.» وقلت له كل حاجة… حكيت له عن الست وعيالها، وعن الذل اللي شفته في عيون الأطفال، وعن إني مش عايز أكون السبب في خراب بيت، حتى لو صاحب البيت ده كان حاول يخرب بيتي. رئيس مجلس الإدارة فضلت عينيه متعلقة بيا وهو بيسمع كل كلمة.

سكت لمدة دقيقتين كاملين بعد ما خلصت كلامي. السكوت كان تقيل ومخيف. بعدين ضـ,ـرب بإيده على المكتب بقوة وقال بنبرة حازمة: «أنت يا أحمد بتطلب مني أتتنازل عن حق الشركة في قضية تزوير رسمي واستيلاء على مال عام؟ أنت عارف إن الراجل ده لو خرج، مش بعيد يرجع يفتري عليك تاني أو يعمل لعبة جديدة؟

الراجل ده خاين للأمانة، والخائن مالوش أمان!» قلت له: «يا فندم، أنا مش بطلب إننا نسيبه بدون عقاب. أنا بطلب إن العقاب يكون مالي ووظيفي، مش سجني يدمر عيلته. هو يترد منه كل جنيه أخذه للشركة، يتفصل فصل تعسفي بمادة قاطعة تمنعه من العمل في أي مؤسسة محترمة، ويبقى المخرج الوحيد له إنه يتصلح حاله. لكن السجن مش هيصلحه… السجن هيدمر أطفاله البرياء.» رئيس مجلس الإدارة قام وقف، ومشي في المكتب وهو بيحرك أيده بغضب مكتوم: «أنت مش طبيعي يا أحمد! الراجل ده كان هيسجنك أنت! كان بيلفق لك تهمة حساب بنكي وتآمر! الراجل ده ساب أمك بتمـ,ـوت في المستشفى وعصب عليك!

أنت إزاي قادر تقف في مكتبي وتدافع عنه؟!» رديت عليه بكلمات طالعة من جوة قلبي: «أنا مش بدفع عنه يا فندم… أنا بدفع عن نفسي. أنا مش عايز أعيش بقية حياتي وأنا حاسس إن في طفلين برياء بيشحتوا في الشوارع أو بيتعايروا بآباهم في السجن بسبب قضية أنا كنت طرف فيها. أنا عفوت عنه لوجه الله، وعايز الشركة تعفو عنه في الشق الجنائي بشرط رد الفلوس كاملاً وفصله.» رئيس مجلس الإدارة وقف قدامي، بص في عينيا بتركيز شديد. حسيت إن الراجل بيقرا جوايا، بيشوف هل أنا بمثل ولا متصنع ولا بجد. وفجأة… نبرة صوته اتغيرت تماماً، وبقت هادية ودافية: «أنت راجل نادراً ما بنشوف زيّك في الزمن ده يا أحمد… معدنك نقي، ونقاء معدنك ده هو اللي خلى ربنا ينصرك ويظهر الحق في ساعات قليلة.

» سكت شوية وكمل: «أنا هأوافق على طلبك بشروط مشدودة جداً.» قلبي قفز من الفرحة: «شروط إيه يا فندم؟» قال بصرامة: «أولاً: مراته أو هو يسددوا كل مليم أخدوه من بدلات التوصيل المزورة للشركة كاش أو بضمانات مالية معتمدة، مش هنفوت جنيه واحد. ثانياً: يوقع على إقرار رسمي وفوري بالتنازل عن كافة مستحقاته ونهاية خدمته للشركة، ويوقع على عدم تعرض لك أو للشركة مستقبلاً تحت طائلة السجن الفوري.

ثالثاً: يتم فصله بقرار تأديبي مسبب بسبب التزوير واستغلال الوظيفة، عشان ملفه يفضل ناصع بالواقعة دي وما يقدرش يخدع أي شركة تانية. لو الشروط دي اتنفذت خلال 48 ساعة… الشركة هتقدم طلباً للنيابة بالتنازل عن الشق الجنائي الخاص بالمال العام، وتكتفي بالتسوية المالية والتأديبية.» سجدت بقلبي من الفرحة. قلت له: «أنا شاكر جداً لحضرتك يا فندم! ربنا يجازيك كل خير.» رئيس مجلس الإدارة ابتسم وقال: «ما تشكرنيش يا أحمد… اشكر أصلك ونظافة قلبك.

بس افتكر كلامي… محمود مش هيتغير، واللي في طبعه حاجة عمره ما بيغيرها.» خرجت من مكتب رئيس مجلس الإدارة وأنا حاسس إن جبل أتنقل من فوق صدري. اتصلت فوراً بمراته وبلغتها بالشروط. الست كانت هتطير من الفرحة، وقالت لي إن عندها قطعة أرض صغيرة ورثها من أبوها هتبيعها فوراً وتسدد للشركة المبلغ عشان تنهي الكابوس ده. وبالفعل… خلال يومين، المبالغ اتسددت للشركة، والأوراق اتقفلت، والشركة قدمت طلب التنازل للنيابة. في اليوم اللي تقرر فيه إخلاء سبيل محمود من التخشيبة بكفالة مالية والتسوية التأديبية… أستاذ شريف طلب مني أروح معاه للنيابة عشان نوقع أوراق التنازل النهائية ونستلم إخلاء السرد.

كنت واقف في ممر قسم الشرطة، جنب مكتب وكيل النيابة. وفجأة… انفتح باب التخشيبة، وخرج محمود! كان طالع، هدومه مجعدة، ذقنه نابتة ومجهدة، ووشه فيه كسرة وذل ما شفتهاش في بني آدم قبل كده. أيده كانت بتترعش وهو بيستلم حاجته من العسكري. أول ما رفع رأسه وشافني واقف جنب أستاذ شريف ومحامي الشركة… اتجمد في مكانه. مراته جرت عليه وهي بتبكي والعيال ماسكين فيه. مراته قالت له بصوت عالي وهي بتشاور عليا: «اشكر الأستاذ أحمد يا محمود! اشكر الراجل اللي أنت كنت عايز تخرب بيته وتوديه السجن! الراجل ده هو اللي دخل لرئيس مجلس الإدارة وهو اللي ترجاهم عشان يتنازلوا عن القضية وما تتسجنش عشان خاطر عيالك!

» محمود بص لي… نظرة مش هنسى تفاصيلها طول عمري. نظرة كانت خليط بين الصدمة، الخجل، العار، وكسرة النفس. الراجل اللي كان شايف نفسه أذكى واحد في الدنيا، الراجل اللي كان بيمارس عليا الابتزاز والعصبية، واقف قدامي دلوقتي مش قادر يرفع عينيه في عينيا! خطى خطوات بطيئة ومرتبكة ناحيتي. الشارع والممر كله كان ساكت. وقف قدامي على بعد خطوة واحدة. شفايفه كانت بتترعش، وحاول يتكلم بس الصوت ما كانش طالع من زوره. وبعدين… عمل حاجة صدمت كل اللي واقفين في الممر!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى