منوعات

اتقدملي عريس ج 3 بقلم روماني مكرم

تجمدت في مكاني، وعيني وسعت على آخرهم وأنا بصلها بذهول. الحاجة فاطمة واقفة في وسط الصالة، حاطة إيدها في جنبها، والراجل اللي معاها بيحط كرتونة الأجهزة الطبّية على الأرض وجنبها شنطة السفر الكبيرة، وكأنها جاية تقيم إقامة دائمة مش مجرد زيارة سريعة!
سيف فتح عينيه بالعافية على صوت أمه، حاول يقوم يقعد وهو بيمسك ضهره وبطنه ويهتف بصوت مبشوح:
* “أمي؟! أنتي رجعتي تاني ليه؟ وبعدين إيه الشنط والأجهزة دي كلها؟”
الحاجة فاطمة قربت بخطوات حازمة، وبصت لسيف بقلة صبر وبعدين لفتلي بنظرة صارمة وهي بتقول:
* “رجعت عشان أحمي ابني! لما نزلت مسكة بطني أنا وأختك وسألت عمر اللي كان نازل يطوح على السلم وعرفت إنه اقتحم الشقة وكان حيتسبب في كسر ضهرك، عرفت إنكم مش قد المسؤولية. ليلى مش فاهمة طبيعة مرضك ولا تعرف حاجة عن أدوية العلاج الطبيعي وأجهزة التنبيه الكهربائي لضهرك، وأنا مش هسيب روح ابني تحت إيد عروسة أخرها تحرق الثوم وتغرق الأكل خل وشطة!”
كلامها كان زي الدبابيس بيشك في كرامتي. وقفت من جنب سيف، مسحت دموعي، وحسيت بنار الغيرة والمواجهة بتولع جوايا من جديد. التفت ليها وقولت بنبرة هادية بس مليانة إصرار:
* “يا طنط.. أنا عرفت الحقيقة كاملة من سيف، وعرفت حجم مسؤوليته. الأكل اللي عملته الصبح كان سوء فهم مني لأني كنت فاكرة سيف بيلعب بيا، بس خلاص كل حاجة اتوضحت. سيف جوزي ودلوقتي مسؤوليته، وأنا أقدر أراعية وأتعلم أجهزة العلاج وأدويته بنفسي، مش محتاجين حضرتك تتعبي نفسك وتقعدي معانا.”
الحاجة فاطمة ضحكت ضحكة خفيفة مليانة استهانة، ولفت وهي بتمسك علبة دوا من الكرتونة وتقول:
* “تراعية؟ أنتي يا حبيبتي اللي صحيا الصبح تقولي مبعرفش أطبخ ولا أنضف وبتصحي بعد العصر؟ العلاج ده محتاج نظام عسكري، أكل صحي مسلوق خالي من الدهون والبهارات، أوقات دوا بالدقيقة، وتدليك لضهره مرتين في اليوم بالطريقة الصح عشان الفقرات متتحركش من مكانها. أنتي فاكرة الجواز مجرد كلمة وحضن؟ ده جهاد يا بابا! وأنا مش ماشية من هنا غير لما أطمن إن ابني بقى يقف على رجليه بجد، وإنك بقيتي ست بيت تتحملي المسؤولية.”
سيف بصلها بقلة حيلة وقال:
* “يا أمي ارجوكي، إحنا لسة في صباحيتنا، ليلى ملهاش ذنب، والبيت له حرمته..”
قاطعته الحاجة فاطمة بصوت قاطع لا يقبل النقاش:
* “سقوت يا سيف! أنت اللي ورطت نفسك من الأول لما خبيت عنها وعن الناس، ولولا إنها عرفت بالصدفة كان زمانك مشلول من الزقة بتاعة النهاردة! أنا دخلت أوضة الأطفال حطيت شنطتي، ومن بكرة الفجر جدول العلاج والأكل هيبدأ.”
بصيت لسيف، لقيته بيغمزلي بعينيه وكأنه بيترجاني أعدي الموقف عشان أمه متزعلش وعشان وضعه الصحي المتردي. أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة التحدي اللي أصلها فيا، وقولت بثقة:
* “تمام يا طنط.. منورة بيتك الثاني. بس بشرط.. حضرتك هتكوني المشرفة والموجهة بس، لكن كل حاجة هتم بإيدي أنا! الأكل، الدوا، الجلسات، وتنضيف البيت. وهثبتلك إن اللي تقدر تعمل ‘مؤامرة الفطور’ تقدر بذكائها تدير بيت كامل وتخفف عن جوزها!”
الحاجة فاطمة بصتلي بتحدي متكافئ وقالت:
* “نمت أصلك يا عروسة.. هنشوف من بكرة الصبح، أما ينزل الفجر ونبدأ المارثون بجد!”
مرت باقي ليلة الصباحية في هدوء حذر، كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. سيف نام أخيرًا بفضل المسكنات وأجهزة الكمادات، وأنا فضلت طول الليل قاعدة جنبه على اللاب توب، ببحث عن نظام الأكل الصحي لممرضى الفقرات، وبقرأ كتايبات أجهزة العلاج الطبيعي، وبشوف فيديوهات للتدليك الطبي وكيفية التعامل مع حالات تثبيت الفقرات القطنية. مكنتش عايزة أكون مجرد عالة أو سبب في تعبه، كنت عايزة أثبتله ولأمه إن ليلى لما بتحب، بتبقي جبل يتحمل كل حاجة!
ومع أذان الفجر بالظبط..
سمعت صوت خبط منتظم على باب أوضة النوم!
قومت بسرعة وفتحت الباب، لقيت الحاجة فاطمة واقفة وهي لابسة إسدال الصلاة، وفي إيدها ورقة وقلم وروب أبيض حطته في إيدي وقالت:
* “يلا يا ليلى.. الفجر أذن. أول حاجة هنعملها، هنعمل جدول الأكل الصحي، وبعدها تدريب على جهاز التنبيه الكهربائي لسيف قبل ما يصحى.”
دخلنا المطبخ اللي كان نضيف زي الفل لأني قعدت ألملم فيه طول الليل. الحاجة فاطمة بدأت تشرحلي طريقة عمل شوربة الخضار بقطع الفراخ المسلوقة وبدون أي نقطة زيت، والرز الأبيض المغسول كويس، والبدائل الصحية للحجم الدسم. كانت بتراقب كل حركة بعملها بصقرية، بس أنا كنت سريعة البديهة، وطبقت كل حاجة بحرفية شديدة أذهلتها، وبدأ كبرياء أمه يتهز شوية أمام اجتهادي!
بعد ساعتين، جه وقت الاختبار الأكبر!
دخلنا أوضة النوم، وسيف كان بدأ يصحى ويفتح عينيه. الحاجة فاطمة جابت جهاز التدليك الطبي والتنبيه الكهربائي، وقالتلي:
* “ده الجهاز الأهم يا ليلى.. لو حطيتي الأقطاب الكهربائية في مكان غلط على ضهره، ممكن تعمليله شد عضلي حاد يزود ألم الفقرات. بصي عليا وأنا بعملها..”
قاطعتها بهدوء وقولت:
* “لا يا طنط، سيبيني أنا أعملها وحضرتك راقبي ورشحيني لو أخطأت.”
قربت من سيف، حطيت الجيل الطبي بلمسات دافية ورفيقة جداً على ضهره، وحددت الأماكن الدقيقة حول الفقرات القطنية اللي قريت عنها طول الليل. حطيت الأقطاب بشويش، وشغلت الجهاز على درجات متدرجة وهادية، وبدأت أعمله مساج يدوي خفيف بحركات دائرية ناعمة.
سيف غمض عينيه وأخد نفس عميق، ولأول مرة من يومين وشكاله يسترخي تماماً، وابتسم وقال بصوت خافت:
* “الله يا ليلى.. إيديكي بلسم، الوجع بدأ يخف خالص والشد يفك..”
الحاجة فاطمة فضلت واقفة بتبص للإلكترودات المحطوطة بدقة متناهية، وبصت لإيدي اللي ببتتحرك بمهارة، وعيونها وسعت بعدم تصدق! أدركت إن البنت اللي كانت فاكراها دلوعة ومبتعرفش حاجة، سهرت طول الليل تدرس وتتعلم عشان جوزها.
ابتسمت للحاجة فاطمة وقولت:
* “إيه رأيك يا طنط؟ أصلح أكون ممرضة وست بيت لـ سيف ولا لأ؟”
الحاجة فاطمة بلعت ريقها، وحاولت تتطنش إعجابها، بس نظرة الرضا والارتياح في عيونها كانت واضحة جداً وقالت بنبرة أخف كتير من الأول:
* “يعني.. مش بطال. بس المارثون لسة طويل يا عروسة، لسة فاضل..”
وقبل ما كمل جملتها، رن جرس الشقة بصوت حاد ومزعج من جديد!
سيف اتنفض وهو حاطط الأقطاب على ضهره، وأنا والحاجة فاطمة بصينا لبعض باستغراب.. مين الممكن يجي الساعة 8 الصبح تاني؟!
جريت فتحت الباب، ولما فتحت، لقيت واقفة قدامي بنت في أواخر العشرينات، شيك جداً، لابسة نظارة شمسية ثقيلة، وشايلة في إيدها باقة ورد أبيض وشيكولاتة فاخرة، وبتبصلي بنظرة غموض وثقة غريبة!
قلعت البنت النظارة، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة مستفزة:
* “أهلاً يا عروسة.. أنا ‘نور’.. خطيبة سيف القديمة! وجاية بنفسي أبارك لعريسي السابق وأطمن على صحة ضهره بعد اللي حصل أمس!”
انقبضت ملامحي أول ما سمعت الاسم، وعيني اتثبتت عليها. “نور” واقفة على الباب بكل برود، ابتسامتها الأصفر من الليمون، وباقة الورد الأبيض في إيدها وكأنها جاية ترمي كارت جديد في اللعبة!
الحاجة فاطمة كانت طالعة من الأوضة ورايا، وأول ما شافتها واقفة على الباب، وستها اتغير تماماً ونظراتها تحولت لشرار خالص. قربت منها وقالت بصوت يرج الممر:
* “نور؟! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ليكِ عين تطبي بيت ابني بعد كل اللي عملتيه وقسوتك عليه يوم ما عرف بمرضه؟!”
نور دخلت خطوتين جوة الصالة بغير استئذان، قلعت قفازها الأسود بالراحة، وبصت للحاجة فاطمة ونظرتها ليا بكل استعلاء وقالت:
* “طولي بالك يا حاجة فاطمة.. أنا جاية بصفاء نية والله! أخويا ‘عمر’ جه إمبارح ورجعلي البيت وشه أصفر وحكالي على المأساة والتوتر اللي أثر على صحة سيف. وبما إن سيف كان هيبقي جوزي في يوم من الأيام، وهان عليه يسيبني ويروح يتجوز في السر من غير ما يطمن صحياً.. قولت أجي أبارك بنفسي، وأجيبله كارت المتابعة مع أكبر دكتور جراحة عظام في ألمانيا، الدكتور ده قريبي وأنا رتبت معاه كل حاجة عشان يسافر يتعالج على حساب شركتنا!”
سيف كان طالع بيجر رجليه من الأوضة، وساند على الحيطة والأقطاب الطبية لسة محطوطة تحت هدومه، أول ما شاف نور وسمع كلامها، وشه اتخطف وقال بغضب مكتوم:
* “نور! اطلعي برة بيتي فوراً! أنا مش محتاج مساعدتك ولا مساعدة أهلك، ولا محتاج دكاترة من ألمانيا. الحساب اللي بيننا اتقفل يوم ما اخترتي المظاهر وسيبتيني وأنا في أضعف لحظاتي!”
نور قربت منه خطوتين بكل ثقة، وبصتلي بطرف عينها وهي بتقول بنبرة خبيثة:
* “ليه بس يا سيف؟ بلاش تأخذك العزة بالإثم! العروسة الجديدة كتر خيرها.. قعدت طول الليل تقرأ كتايبات وتعملك كمادات وتجرب فيك أجهزة شعبية، بس هل ده هيشفيك؟ هل ليلى عندها القدرة المادية أو الخبرة إنها تسفرك برة وتنقذك من خطر الشلل؟ السفر لألمانيا هو أملك الوحيد، وأنا مستعدة أقف جنبك وأتكفل بكل مصاريف علاجك.. بشرط واحد بس!”
السكوت ساد الصالة تماماً. الحاجة فاطمة اتجمدت مكانها وبصت لسيف، وسيف بصلها بذهول وقرف وقال:
* “شرط إيه؟”
ابتسمت نور ابتسامة أفعى وقالت وهي بتبصلي بثبات:
* “إنك تطلق ليلى! الجوازة دي كانت مجرد رد فعل وعناد منك بعد ما سبنا بعض. أنت محتاج واحدة من مستواك، تفهم طبيعة وضعك وتوفرلك العلاج الصح، مش عروسة صالونات دبست نفسك فيها في ليلة وضحاها!”
حسيت بدمي بيغلي في عروقي. الكلام كان عبارة عن قنبلة إهانة موجهة ليا ولسيف ولبيتنا. الحاجة فاطمة كانت هتهجم عليها وتطردها برة، بس أنا رفعت إيدي وهديت الحاجة فاطمة، وقربت من نور بثبات خطوات، وقفت قدامها بالظبط وشي في وشها.
بصيت لعينين نور وضحكت ضحكة هادية مليانة ثقة، وقولت بصوت واطي بس يرعب:
* “خلصتي زياطك ولا لسة يا نور؟”
نور اتفاجأت ببرودي وقالت بحِدّة:
* “أنتِ بتكلميني إزاي كدة؟ أنتِ عارفة أنا مين وممكن أعمل إيه؟”
مسكت باقة الورد الأبيض من إيدها بالراحة، ورميتها في زبالة المطبخ القريبة من الباب بمنتهى اللامبالاة، ولفتلها وقولت:
* “أنتِ واحدة رفضت الراجل اللي بتحبيه عشان خفتي تشيلي معاه الشيلة لما مرض. أنتِ بعتيه بقرشين وجريتي تخبي خيبتك ورا سمعتك وصورتك قدام الناس. ولما شفتيه وقف على رجليه وبقى عنده بيته وزوجته اللي صانته وقبلت بيه بكل عيوبه قبل مميزاته.. جالك الهوس وجاية تشتريه بفلوسك!”
قرّبت أكتر من نور وربعت إيديا وكملت بثقة تجرح:
* “سيف مش لعبة للبيع والشراء في مزاد شركتكم يا بابا! سيف راجل، وأنا مراته اللي قعدت طول الليل أدرس وأتعلم عشان أخدمه بفرصة وحب حقيقي، مش بمنة ولا صفقة تجارية. والسفر لألمانيا؟ سيف هيسافر وهيخف، بس بشغله وبمجهودنا وإخلاصنا سوا.. مش بأحسان من واحدة خانت الأمانة!”
سيف بصلّي وعينيه بتلمع بدموع الفخر والذهول، وقرب مني، ومسك إيدي وقبض عليها بكل قوته، ولفت لنور وقال بنبرة قاطعة كالحديد:
* “سمعتي مراتي قالتلك إيه؟ ليلى عندي بكنوز الدنيا كلها، وحذاري تطئي برجلك عتبة بيتي تاني يا نور.. اطلعي برة!”
الحاجة فاطمة مسكت نور من دراعها وزقتها ناحية الباب وقالت بصرامة:
* “برة يا بيت الأصول المزيفة! ابني معاه ست البتوت اللي حمت ضهره وصانت بيته، اطلعي برة قبل ما ألم عليكي جيران العمارة كلهم!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى