
الباب اتفتح قدامي، ودخلت شقتي اللي عشت فيها تمن سنين من عمري، بس المرة دي دخلتها وأنا الملكة اللي رجعت لعرشها بقانونها وكرامتها، مش الست المقهورة اللي بتستنى رضا حد أو تخاف من طردة في نص الليل. الريحة جوه الشقة كانت لسه زي ما هي، بس إحساس المكان اتغير تماماً.. مبقاش مكان للذل والخدمة، وبقى شاهد على انتصاري اللي اتكتب بدموعي وتعب سنيني.
ولادي دخلوا وهم بيجروا بفرحة، كل واحد فيهم نقا الأوضة اللي عجبتها، وعيونهم لمعت وهما حاسين بالأمان اللي ضاع منهم طول الشهر اللي فات. قعدت على الصالون وأنا باخد نفس عميق، ولسه هفتح شنطتي عشان أبدأ أرتب البيت، ولقيت جرس الباب بيرن. بصيت باستغراب.. مين هيجيلنا في الوقت ده والكل عارف إن أحمد اتقبــ,,ـــــض عليه وأهله مكسورين في القسم؟
قمت بهدوء وفتحت الباب، ولقيت قدامي شخص ما كنتش أتوقع أبدًا أشوفه في البيت ده بعد كل اللي حصل.. كانت حماتي!العجوزة اللي كنت بשר ليل نهار عشان أرعاها، واللي كنت بأكلها بإيدي لما كانت عاجزة، كانت واقفة على باب الشقة وماسكة عصايتها باهتزاز، وعينيها مليانة دموع وكسرة ما شاهدتهاش قبل كده. بصت لي بصوت مكسور وقالت:ـ سامحيني يا بنتي.. والله العظيم ما كنت أعرف اللي ابني والكلبة دي بيتدبروه من ورا ضهري!
فضلت باصة لها بثبات وجمود، ومن غير ما أدعوها للدخول، قلت لها بصوت هادئ وحاد:ـ دلوقتي افتكرتي تقولي سامحيني يا حاجة؟ لما كنت بسهر على جنبك بالليل والكل نايم، كنتِ فين؟ ولما ابنك طردني أنا وولادي في الشارع في عز الليل عشان كيس شيبسي، كنتِ سامعة وشايفة وفضلتي ساكتة! ولما جاب الست اللي ساعدتيه عليها عشان تسرق تعبي وتدير البيت، باركتي الجوازة وسكتي عشان مصلحتكم!
جكايتي معاكي خلصت يا حاجة، والبيت ده مبقاش ليكي فيه مكان تآمريني فيه تاني. انهارت في العياط وقالت وهي بتترجاني:ـ ابني في الحبس، والبنت دي فضحتنا، ومفيش غيرك يقدر يوقف جنبه ويخليه يخرج.. إنتي الأصل وعارفة العيشة والملح!قاطعتها وأنا برفعه إيدي بصرامة وقلت:ـ عيشة ومِلح دي اتقالت كتير واتداس عليها بالجزمة من ابنك ومنك!
روحي لبنتك اللي رشتحت له الممرضة، وخليه ينفعك، أما أنا وولادي، فحمد لله ربنا جاب لنا حقنا ومش هتنازل عن مليم واحد ولا عن حقي القانوني.. الباب مفتوح قدامك تقدري تروحي لأي حد من عيالك يشيلك زي ما كنت بشيلك!قفلت الباب في وشها بكل قوة، ومسمعتش صوت صريخها ولا ترجيها.
. قفلت الباب على وجع السنين وفتحت صفحة جديدة عنوانها الكرامة وبس. تاني يوم الصبح، كانت الدنيا كلها بتتحرك لصالحي. المحامي كلمني وقالي إن المحكمة رفضت كل طلبات الإفراج عن أحمد والممرضة، وإن النيابة وجهت لهم تهم النصب والتزوير والجمع بين أزواج بطرق غير قانونية والإكراه، وإن شقة الممرضة والعقارات اللي جابها بفلوسي وتعب سنيني اتحط عليها تحفظ قانوني عشان تترد لي.
وفي وسط كل الأحداث دي، تليفوني رن برقم غريب تاني. فتحت، فلقيت صوت أخوي الكبير اللي كان جاي يزعق لي من يومين، وبيقول بصوت مرتعش وخايف:ـ أ… ألو.. يا أختي.. إزيك؟ معلش، حقك عليا، أنا ومراتي.. كنا مغمضين عنينا ومش عارفين حاجة، تعالي نجيلك البيت ونقعد معاكي ونصالحك، أصل شكلنا بقى وحش أوي وسط الناس بعد اللي أحمد عمله!
ضحكت بسخرية لاذعة وقلت له:ـ دلوقتي بقيت أختكم؟ وبقى شكلي يهمكم وسط الناس؟ لما طردوني ومراتك كانت بتزغرد في السر عشان تقعد مكاني مكنتوش خايفين على شكلكم؟ اعدوا في بيوتكم واستروا نفسكم، ولا أنا ولا ولادي محتاجين رجوعكم ولا صالحكم.. اعتبروا لي أخ ولا كأني اتولدت في العيلة دي أصلاً!
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع رده، ورميت التليفون على الترابيزة وأنا حاسة برياح الحرية بتملى صدـ,,ـــري. دخلت أوضة الأولاد، لقيتهم نايمين في سلام وأمان، فوستهم براحة وبصيت من البلكونة على الشارع اللي تحت، وشوفت الشمس طالعة نورة وساطعة على بيتي وحياتي الجديدة. أنا كسبت الحرب، ورجعت كرامتي اللي متقدرش بكل فلوس الدنيا، وعرفت إن الست القوية مش اللي بتتحمل الإهانة وتسميها صبر، دي اللي بتقف في وش كل ظالم وتقولو بصوت عالي: كفاية ذل، أنا حقي مش للبيع!
الشمس كانت طالعة بضوءها الدافي، مالية الشقة كلها طاقة ونور، وريحة القهوة اللي عملتها كانت هادية وجميلة، لأول مرة أشربها وأنا قاعدة في الصالون بتاعي، من غير خوف ولا ترقب، ومن غير ما أحس إن فيه عين بتراقبني أو صوت هيزعق فيا لو قعدت دقيقة أريح فيها. ولادي صحيوا الصبح بابتسامة صافية، وش الرهبة والخوف اللي كان مالئ عيونهم أيام بيت أمي ومنظر الطرد اختفى تماماً.
دخلوا المطبخ بيلعبوا ويضحكوا، وقال لي الصغير ببراءة:ـ ماما، هو إحنا مش هنروح المدرسة النهاردة؟نزلت لمستواه، وبست خدّه، وقلت له بحب وثقة:ـ طبعًا يا حبيبي، هتاخدوا شطائركم وتلبسوا أحلى لبس، وبكرة هتروحوا مدارسكم راسكم مرفوعة لفوق، ومحدش أبدًا هيجرؤ يكسر خاطركم. في اللحظة دي، جرس الباب رن. قلبي مدقش بخوف زي كل مرة، بالعكس.
. قمت بثبات وفتحت الباب. لقيت أمي واقفة على الباب، وعينيها غرقانة في الدموع، وماسكة شنطة صغيرة فيها حاجات خفيفة، وشكلها مكسور خالص. بصيت لها بهدوء من غير ما أتكلم، فقالت بصوت متحشرج:ـ ينفع يا بنتي تقفلي بابك في وش أمك زي ما عملت مع حماتك؟ أنا عارفة إني قصرت معاكي، ومرت أخوكي دي كانت مسلطة علينا الشيطان، بس أنا أمك في الآخر.. ومقدرتش أستحمل أقعد في بيت حاسة فيه إن بنتي مكسورة وبعيدة عني.
حسيت بغصة في قلبي؛ لأن مهما حصل دي أمي، بس الجرح اللي سابوه فيا مكنش سهل يتعالج بيوم وليلة. فتحت الباب شوية وقولت لها بصوت هادئ:ـ تعالي يا أمي.. دخلي، البيت بيتك زي ما كنتِ بتقولي لي دايماً، بس اعرفي كويس.. أنا مش البنت الضعيفة اللي كانت بتستحمل المذلة عشان تسكت الناس. أنا هنا ملكة بيتي، ومحدش هيدخل بيتي ولا يتحكم فيا تاني.



