روايات وقصص

عزومه

اماني السيد

ابتسمت بسخرية، ابتسامة مرار حقيقية، وقلتولها بصوت هادي يرعب:
ـ “بعلم حماتي؟ حلو أوي.. يعني الفيلم ده كله كانوا متفقين عليه ومخرجينه سوا؟”
ـ “اه والله يا إلفت، وحماتك سافرت البلد مخصوص عشان تفضيلهم الشقة ويعيشوا أيام العسل.. شريف متفق مع أمه إنه يطفشك ويركبك الغلط عشان تتنازلي عن كل حقوقك، أو تمشي من سكات من غير ما تطالبيه بجنيه قائمة ولا نفقة!”

أول ما سمعت كلمة “القائمة والنفقة”، افتكرت كلامه جوه وهو بيعد على صوابعه وخايف على فلوسه ومستقبله مع الهانم.
قفلت المكالمة مع ندى من غير ما أرد، وبصيت لشباك الشقة فوق.. وقررت إن اللعبة دي أنا اللي هكتب نهايتها، وعلى طريقتي.
ركبت عربيتي وطلعت على بيتي.. بيتي اللي كان فاكر إني هسيبه وأروح لماما وأبكي. فتحت النور، ودخلت الأوضة، وطلعت أصل القائمة، ومؤخر الصداق، وكل الأوراق والمستندات اللي تخصه وتخص الشقة وصور عقود ملونة كنت محتفظة بيها في مكان ما يعرفوش.

مقالات ذات صلة

مسكت التليفون ورنيت على محامي العيلة.. رد عليا، قلتله بنبرة حاسمة وصارمة:
ـ “أهلاً يا متر.. معلش بكلمك في وقت متأخر، بس عندي ق\ضية حبس قائمة منقولات، وقضايا نفقة زوجية وبدلات، وعايزة أرفعهم بكرة الصبح أول ما المحكمة تفتح.. وقبل ما تسألني ليه، أظن حق أولادي وحقي المادي مش هسيبه لواحد فاكر إنه أذكى من القانون!”
الصبح بدري، المحامي كان قاعد قدامي في مكتبه

بيفرّج عينيه في الأوراق اللي رميتهاله على الترابيزة. القائمة بمليون جنيه، مؤخر الصداق، وعقود ملكية وفواتير بكل فتفوتة في البيت. بصلي المتر واستغرب الهدوء الشديد اللي كنت فيه، وقال:
ـ “يا مدام إلفت، أنتِ متأكدة إنك عايزة تبدأي بضرب نار كدة على طول؟ قضايا التبديد والنفقة دي هتخليه يلف حوالين نفسه، ومش بعيد فيها !”
ابتسمت ببرود يرد الروح، وقلتله وأنا بسند ضهري لورا:
ـ “أنا مش عايزاه يلف حوالين نفسه يا متر.. أنا عايزاه يدوخ السبع دوخات، ويلف كعب داير على المحاكم

. انزل بإنذار رسمى بتسليم المنقولات الزوجية اللي في شقتنا بكرة الصبح، واطلبلي نفقة زوجية ونفقة للعيال وبدل فرش وغطاء وأجر مسكن وحضانة.. عايزة الشكوى تترفع في كل حتة تقدر توصلها، وعايزة التنفيذ ينزل على قرش قرش يدخل جيبه!”
المحامي هز رأسه وهو بيسجل الملاحظات وقال:
ـ “تمام يا مدام.. هو مسيره يتزنق؛ العفش اللي في شقتكم لو ما سلموش بحالته وبالقطعة زي ما مكتوب في القائمة، هيتلبس في ق\ضية تبديد أعيان أمانة وفيها حبس وجوبي.. غير إن أحكام النفقة وأجر المسكن هتنزل على مرتبه في الشغل فوراً.”

خرجت من عند المحامي وأنا حاسة إن ناري بدأت تهدى.. بس المشوار لسه في أوله. شريف كان فاكرني الست العبيطة اللي هتقعد تعيط وتتحسر على شبابها اللي راح معاه، وما كانش يعمل حساب إن اللي استحملت قسوته وسكوتها سنين، لما تتقلب، هتهد المعبد على اللي فيه.
عدى يومين، وأنا قاعدة عند ماما، مكملة الدور تمام.. متصلة بيه بصوت هادي كأني مش عارفة حاجة:
ـ “إيه يا شريف؟ أنت فين يا حبيبي؟ طمني عليك، أصلك وحشتني والعيال يسألوا عليك.”

سمعت نفخته العصبية من ورا التليفون، ونبرة القرف اللي متعود عليها وهو بيتصنع المشغولية:
ـ “أنا في شغل يا إلفت، قايلك مسافر وشغال!! أنتِ ما بتشبعيش زن ورغي؟ اقفلي دلوقتي ولما أفضى هبقى أكلمك.. وخليكي عندك عند أمك يومين كمان مش فاضيلك!”

قفلت معاه وأنا بضحك من قلبي.. ياه على الغفلة! هو فاكر إنه بيربيني وبيقرفني عشان أنا اللي أطلب الطلاق وأتنازل، ومش دريان إن محضر المحكمة كان خلاص في طريقه لعنوان شقة أمه وشغله بإنذار تسليم المنقولات وقضايا النفقات!
بعد أسبوع بالتمام، كانت  فرقعت.
تليفوني رن، ولما بصيت لقيت اسمه بيتحرك على الشاشة زي الصرصار المذعور. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة، وفي الرابعة رديت ببرود قاتل:
ـ “ألو.. خير يا شريف؟”

صوته جالي زي المجنون، بيهرج وبيصرخ، التنفس عنده مقطوع والغل طالع من بين سنانه:
ـ “أنتِ عملتي إيه يا فاجرة؟! أنتِ باعتالي إنذار تسليم قائمة منقولات ورافعة قضايا نفقة وبدل مسكن وحضانة ومستصدرة أحكام على شغلي؟! أنتِ اتجننتي ولا جرى لمخك حاجة؟!”
رديت بكل هدوء الدنيا، وأنا باخد بق قهوة:
ـ “الله! مش ده حق أولادك وحقي المادي يا شريف؟ أنت مش كنت خايف ألبسك في حيطة وأخد منك القائمة والمؤخر والنفقة المتلتلة؟ أنا قلت أختصر عليك الطريق وأريحك من القلق، وأخلي المحكمة هي اللي تحسبها بالورقة والقلم.. بالقرش والدقيقة!”
السكوت خيم على الخط ثواني.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. أدرك في لحظة إن كل حرف قاله وهو ماسك إيد “ست الحسن” في الضلمة، أنا كنت واقفة ورا الباب وسمعاه!
صوته اتقطع، ونبرته تحولت من الصراخ للذهول والخوف:
ـ “أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟ أنتِ كنتِ…”
قاطعته بنبرة حادة زي الموس:
ـ “كنت ورا الباب الموارب يا شريف.. سمعت كل كلمة، وشفيت عيني بدلعك وضحكتك اللي عمرك ما ضحكتها في بيتي. سمعت حساباتك المادية وخوفك على قرشينك عشان تدلع بيهم الهانم نادين.. وسمعت خطتك أنت وأمك عشان تطفشوني. بس أنا بقا مش هسيبك، ولا هسيب فتفوتة واحدة من حق عيالي.. العفش اللي في بيتنا هتدخل تسلمهولي بالورقة والقلم، لو حتة ناقصة أو مكسورة هلبسك قض\ية تبديد وأحبسك.. ومرتبك هيتخصم منه نفقات وأجر مسكن قبل ما يدخل جيبك جنيه واحد تدلع بيه الهانم!”
بدأ يتلعثم ويحاول يهدى ويصلح اللي اتكسر بلهفة ميتة:
ـ “إلفت.. استهدي بالله بس، نفهم.. والله أنتِ فاهمة غلط، نادين دي..”
ـ “نادين دي اللي هتقعد معاك على البلاط يا شريف!” صرخت فيها بصلابة هزت سماعة التليفون: “وريني بقى يا ابن المحظوظة هتجيب منين تدلع أميرة قلبك وترضي غرورك وأنت مديون ومتهدد بالحبس ومطلوب منك أجر مسكن ونفقات بالآلاف كل شهر!”
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة..
وفي خلال شهور قليلة، كانت اللعبة انقلبت رأساً على عقب.
الأحكام نزلته على الأرض.. المحكمة حجزت على نفقات العيال والزوجية وأجر المسكن من مرتبه مباشرة، وأجبرته يتنازل ويسلم القائمة بالكامل تحت تهديد حبس التبديد. أمه اضطرت ترجع من البلد وهي بتولول لما لقت ابنها متهدد بالسجن وشقته الزوجية اتفضت ورجعتلي، والدنيا اتكركبت فوق دماغهم.
أما الهانم نادين؟ أول ما لقت إن “الدلع” وراه قضايا وحبس وفلس، ودبت المشاكل والفقر في شقة أمه اللي كانوا قاعدين فيها، أخدت بعضها ورجمته بالطلب، ورفعت عليه خلع وسابته يغرق في ديونه ومشاكله لوحده!
وقفت أنا في صحن المحكمة يوم ما أخدت ورقة طلاقي الرسمية وأنا مرفوعة الراس.. بتبصلي أمه بغل وكسرة، وبيبصلي هو بعيون ميتة طافية ما فيهاش غير الرجاء والندم. بصيتلهم وابتسمت نفس الابتسامة الباردة.. أصل اللي فاكر إن الست الطيبة هبيلة، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه على البلاط!
بعد ما استلمت الورقة الرسمية لطلاقي، وخرجت من باب المحكمة، كانت الشمس بره طالعة حامية، بس الجو جوايا كان صافي بشكل ما حستوش من سنين.
ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية.. شوفت “إلفت” التانية، المش الست اللي كانت بتستحمل معاملة حماتها القاسية وتسكت عشان بيتها، ولا الست اللي كانت بتتقفل في وشها الأبواب وتتساب على الرف. شوفت ست قدرت تاخد حقها بالقانون وبدماغ ساحبة كل خطوة بميزان.
تليفوني رن، وكانت ندى.. سلفتي.
ترددت ثانية قبل ما أرد، بس قلت أسمع عايزه إيه.
ـ “ألو.. إزيك يا إلفت؟” صلت ندى بصوت فيه مزيج من التوتر والفضول الشديد.

ـ “الحمد لله يا ندى، في خير؟”
ـ “أنا.. أنا عرفت إن كل حاجة خلصت اليومين دول وأخدتي طلاقك ونفقتك.. والله يا أختي أنا كنت خايفة عليكِ، بس ما كنتش متخيلة إنك هتعملي كل ده في شريف! أنتِ هديتي الدنيا فوق دماغه ودماغ أمه!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت لها بكل هدوء:
ـ “أنا مَهدّتش حاجة يا ندى.. أنا بس خليت كل واحد يشيل شيلته. شريف هو اللي اختار يبيع ويكدب ويحسبها بالمادة، وأنا حسبتها معاه بنفس طريقته، بس بالورقة والقلم والقانون.”

سكتت ندى شوية، وبعدين قالت بصوت واطي كأنها بتذيع سر:
ـ “تعرفي إن حماتك قعدت تلعن وتتحسبن في الراحة والجاية؟ وشريف خلاص بقى عايش مع أمه في الشقة، لا طال نادين ولا طال الفلوس اللي كان فاكر إنه هيوفرها.. بقى يمشي في الشارع يكلم نفسه من كتر القضايا والديون اللي عليه، وأمه كل يوم تجيب ناس يتدخلوا عشان تتنازلي عن أجر المسكن والنفقة!”
رديت عليها بنبرة حاسمة قطعت أي أمل عندهم:
ـ “قولي لحماتي يوفروا نهداتهم.. القرش اللي من حق عيالي مش هينزل منه مليم واحد، وأجر المسكن ده دين في رقبته لحد ما العيال يكبروا. اللي كان خايف يلبس في حيطة، هو اللي بنى الحيطة دي بإيده لبنة لبنة.”

قفلت مع ندى، ومشيت بالعربية على بيت ماما. دخلت لقيت الولاد بيلعبوا وضحكتهم مالية المكان. أعدت معاهم، ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن صدري مفتوح، ومافيش تقلت الخة ولا الوجع اللي كان مكتوم جوايا.
بعد كم شهر، شريف حاول يبعت ناس كبار من العيلة يتوسطوا، وحاول يبعتلي رسائل اعتذار وتوسل على الواتساب، يفكّرني بالأيام القديمة والعيال، ويبين قد إيه هو ندمان وإن نادين دي كانت غلطة وعميّة عين!
قريت الرسائل كأني بقرأ خبر في الجريدة.. من غير أي مشاعر، لا كره ولا حنين.

كتبت له رد واحد بس:
ـ “الأيام القديمة أنت قتلتها يوم ما وقفت تتاجر بحقي وحق عيالك عشان تشتري رضا غيرنا. وفر كلامك للمحكمة، وأي تواصل بعد كده هيكون عن طريق المتر.”
عملت له بلوك، وقفلت الصفحة دي من حياتي للأبد.
ركزت في تربية عيالي، وفي شغلي وحياتي الجديدة. أخدت الشقة اللي تمكنت منها ووضبتها على ذوقي، ورجعت عفشي اللي استلمته بالقطعة، وخليت بيتي مكان دافي وهادي خالٍ من النكد والقسوة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى