منوعات

فرحي بعد شهر ج 1

بقلم روماني مكرم

تدخل حسام بصوت مرتفع وحشرجة غضب: “أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ هو أنا غريب؟ أنا جوزك! كل الناس بتعدي اللحظات دي، أنتِ اللي عندك فوبيا ومعقدة!”

“أنا مش معقدة،” ردت ندى وهي تضع دفتر الحصر على الطاولة بثبات. “أنا واحدة عارفة قيمة نفسها. الشجاعة مش إنك تحاول تفرض نفسك، الشجاعة إنك تحترم الحدود. القصة مش قصة شهر فاضل على الفرح، القصة قصة بكرة وبعد بكرة وسنين جاية مع بني آدم مش شايف رغبتي.”

مقالات ذات صلة

التفتت ندى إلى والدها، وقالت بصوت ناعم ولكن صارم: “يا بابا، السيارات دلوقتي ترجع كل حاجة. لو حسام أو أهله رفضوا يفتحوا أو يسلموا الحجة، أنا هطلع على النيابة وأعمل محضر إثبات حالة باللي حصل وبامتناعهم عن تسليم الجهاز.”

ساد الصمت الصالون. كانت نبرة ندى خالية من أي تردد، ولم تترك أي  أو الوساطة. رأى والد حسام في عينها حزماً جعل أي محاولة للتغطية على تصرف ابنه تصبح بلا فائدة، بل قد تجلب لهم فضيحة أكبر أمام المنطقة والعائلة.

نهض والد حسام، ونظر لابنه بنظرة خيبة أمل، ثم وجه كلامه لوالد ندى: “السيارات تنزل الحجة يا حاج.. وكل واحد يروح لحاله. المأذون يجي ينهي الورق زي ما بدأه.”

في ظهر ذلك اليوم، كانت ندى تقف في الشارع أمام العمارة التي كان مفترضاً أن تكون بيتها المستقبلي. كانت ترقب العمال وهم ينزلون الأطقم الثقيلة، الصناديق، والأثاث الذي اشترته بجهدها وعرقها. كان حسام يقف على الرصيف ، ينظر إليها بغضب مكتوم وخيبة أمل، محاولاً العثور في عينيها على أي أثر للندم أو التراجع، لكنه لم يجد سوى جدار صلب من اللابالي.

حين حُملت آخر كرتونة في السيارة، رفعت ندى رأسها ونظرت إلى الشباك الكبير في الدور الثالث. لم تره بيتاً ضائعاً، بل رأت سجناً كادت أن تُغلق أقفاله عليها للأبد. ركبت السيارة بجانب والدها، ووضعت يدها على يده التي كانت حزناً عليها.

“زعلان يا بابا؟” سألته بهدوء.

تنهد والدها وهو ينظر للشارع وأمسك يدها بضغط قوي: “كنت خايف عليكِ من كلام الناس يا ندى.. بس لما شفتك واقفة بتدافعي عن نفسك وشرفك وكرامتك بالطريقة دي، عرفت إني ربيت ست بجد. اللي ما يحمكيش قبل الباب، مش هيحميكي بعده.”

أغلقت ندى عينيك وأسندت رأسها على زجاج السيارة. كان الفرح المقرّر بعد شهر قد انتهى قبل أن يبدأ، وكانت الخسائر المادية والاجتماعية تحيط بها من كل جانب، لكن داخل صدرها، كان هناك شعور واحد يطغى على كل شيء: حرية ناتجة عن موقف واحد، رفضت فيه أن تكون مجرد ضحية لقفلة باب.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى