روايات وقصص

زميلي 1

بسمه

بقالي تقريبًا سنة بوصل زميلي الشغل كل يوم ببلاش، ولما أمي دخلت المستشفى طلب مني أسيبها وأروح آخده… ولما رفضت، بعت لمديري رسالة قلبت كل حاجة! الجزء الأولمن حوالي سنة، وأنا كل يوم الصبح بنزل من ب…

» أستاذ شريف قال بصرامة: «خليك مع أمك يا أحمد. ما تقلقش من ناحية الشغل خالص. أنا مش هتحرك في إيميل محمود لحد ما تخلص ظروفك، بس الإيميل ده هيروح للتحقيق الداخلي للشركة من الصبح. واطمن على والدتك الأول.» قفلت الخط مع المدير، وصدري بيعلى ويوطى. الوجع اللي كان في قلبي اتغير لبؤرة غضب مستعر. كنت بصل لمستشفى الطوارئ، الحيطان المتقشرة، الكراسي الصدية، وأمي اللي جوة بين إيدين الدكاترة، وقارنت ده بقلب محمود الأسود اللي ما رحمش لا مرضي ولا ظروفي ولا عشرة سنة كاملة!

مقالات ذات صلة

طلعت الموبايل وفتحت الواتساب على شات محمود. لقيته كاتب رسايل جديدة: «أظن أستاذ شريف كلمك دلوقتي؟ يا رب تكون عرفت إن الله حق، وإنك لما تبيع صاحبك في أول مطب لازم تستحمل النتائج. أنا أهو متأخر عن الشغل ساعتين وبدفع أتاوة للتكاسي بسبب أنانيتك!» مسكت الموبايل، وكتبت له رسالة واحدة: «أمي بتمـ,ـوت جوة في الطوارئ يا محمود، وأنت كل اللي فارق معاك الأتاوة والتأخير؟ أنت بعت الإيميل لأستاذ شريف، وأنا هسيب الإيميل ده يرد عليك بنفسه. بس افتكر كويس… اللي بيعيش على الكذب، بيمـ,ـوت مدمور.» عملت له بلوك فوراً. قفلت السكة في وشه، وقعدت على الكرسي الحديد، وحطيت راسي بين إيديا.

بعد نص ساعة، خرج الدكتور من باب الطوارئ. كان لابس البالطو الأبيض وملامحه مجهدة. جريت عليه بسرعة: «طمني يا دكتور! أمي عاملة إيه؟» الدكتور بصلي ونزل النظارة شوية: «أنت ابن مدام أمينة؟» «أيوه يا دكتور، أحمد.» «الحمد لله إنك جبتها في الوقت المناسب يا أحمد. الوالدة كانت داخلة على جلطة حادة في الشريان التاجي. ضغطها كان مرتفع جداً والإنزيمات كانت بتعلى. لو كنت اتأخرت عليها ساعة واحدة كمان… كان الوضع هيبقى كارثي بكل المقاييس. احنا حطينها دلوقتي على أجهزة المتابعة وادينادها مذيبات التجلط، وحالتها بدأت تستقر، بس محتاجة تقعد في العناية المتوسطة يومين تحت الملاحظة.

» أول ما سمعت كلمة «لو اتأخرت ساعة واحدة كمان»، جسمي كله اتنفض. افتكرت رسالة محمود: «سيب أمك هناك، هي في مستشفى يعني مش لوحدها… تعال خدني الأول». لو كنت سمعت كلامه، لو كنت ضعفت واستسلمت لإبتزازه العاطفي، لو كنت مشيت وسيبت أمي ساعة واحدة عشان أوصل الأستاذ مقامه… كانت أمي ضاعت مني للأبد!

دموعي نزلت بغير إرادة مني. سجدت على الأرض في صالة المستشفى المليانة ناس ومطهرات، سجدت لله وأنا بدعي لأمي وبشكره إنه نجدني من إبليس على هيئة بني آدم. دخلت لأمي العناية المتوسطة. كانت نايمة على السرير، الملاية البيضاء مغطياها، والكانيولا في إيدها المجهزة بمدخات العلاج. أول ما فتحت عينيها وبصتلي، ابتسمت بضعف وقالت بصوت واطي ومبحوح: «أحمد… أنت لسه هنا يا ابني؟ روّح شغلك… أنا بقيت كويسة، مش عايزة أربكك ولا أضيع عليك أكل عيشك.» بست إيدها وراسها وقلت لها بدموع: «الشغل يغور في 60 داهية يا أمي.

أنت الدنيا كلها. أنا قاعد تحت رجليكي ومش هتحرك من هنا لحد ما تخرجي ماشية على حيلك.» قضيت بقية اليوم جنب أمي. الموبايل كان بيرهقني بالنغمات والرسائل، بس أنا كنت عامل صامت للكل ما عدا أختي اللي جات المستشفى تسند معايا. على الساعة 4 العصر، الموبايل نور بإشعار مكالمة من رقم غريب. رديت بصوت هادي: «ألو؟

» صوت حريمي رسمي وقوي جاء من الطرف التاني: «استاذ أحمد محمود؟ مع حضرتك الأستاذة نجوى، مديرة الشؤون القانونية والتحقيقات في الشركة.» قلبي دق بسرعة: «أهلاً يا فندم، خير؟» قالت بنبرة جادة جداً: «أستاذ أحمد، أستاذ شريف مدير قطاعك رفع لنا مذكرة عاجلة الصبح بناءً على إيميل وصله من أستاذ محمود، وبناءً على المستندات اللي حضرتك أرفقتها له عبر الواتساب. إحنا فتحنا تحقيق عاجل النهاردة وبحضور القطاع المالي والموارد البشرية.» «تمام يا فندم، أنا تحت أمركم، بس أنا حالياً في المستشفى مع أمي في العناية.

» قالت بسرعة ونبرة صوتها تحولت للطف: «ألف سلامة على الوالدة يا أحمد، أستاذ شريف بلغنا بظروفك الصحية العائلية وربنا يقومها بالسلامة. إحنا مش طالبين حضورك النهاردة. إحنا بنكلمك عشان نبلغك بالقرارات الأولى اللي اتأخذت بعد ما لجنة التفتيش نزلت جراج الشركة وراجعت الملفات الإلكترونية المرورية.» سكت واستنيت كملة واحدة. تابعت الأستاذة نجوى: «أولاً، اتكشف بالفعل إن العربية الرينو عطلانة ومرفوع بيها تقرير صيانة من حضرتك من 8 شهور، ومفيش أي استهلاك لبنزين العهدة من ناحيتك.

ثانياً، اتكشف إن محمود كان بياخد بدل انتقال شهري بناءً على صورة رخصة قيادة اتضج إنها منتهية ومزورة ضوئياً، والرخصة الأصلية مسحوبة وموقوفة في المرور بسبب مخالفات جسيمة وقضايا مرورية. ثالثاً، لما واجهنا محمود بالحقائق دي في مكتب التحقيقات الساعة 2 الضهر، حاول ينكر ويقول إنك أنت اللي ورطته وإنك كنت بتاخد منه فلوس، لكن لما طلبنا منه يقدم أي إثبات تحويل بنكي أو إيصال، ما قدرش يقدم أي حاجة، وبدأ يغلط في الإدارة.» بلعت ريقي وقلت: «وإيه اللي حصل بعد كده يا فندم؟» ردت بثقة: «تم إيقاف محمود عن العمل فوراً، وتحويل ملفه بالكامل للنيابة العامة بتهمة تزوير مستندات رسمية والاستيلاء على المال العام للشركة بدون وجه حق تحت بند بدلات وهمية.

والشركة قررت خصم كل البدلات اللي أخدها على مدار السنة اللي فاتت من مستحقاته ونهاية خدمته، مع رفعه دعوى قضائية لمطالبته بفرق التعويضات!» تنهدت بمهل، حسيت بعبء جبل انشال من على صدري. أستاذة نجوى كملت: «وحاجة أخيرة يا أحمد… مجلس الإدارة وجه لك شكر خاص لإنك حافظت على عهدة الشركة وما استخدمتش عربية الشركة العطلانة ولا حاولت تستغل موقعك، والإدارة قررت صرف مكافأة استثنائية لك للوقوف جنب الوالدة في ظروفها الصحية، وإجازة مدفوعة الأجر لمدة أسبوع لحد ما تطمن عليها بنفسك.» قلت لها بصوت متأثر: «أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه يا أستاذة نجوى… الحمد لله، وجزاكم الله خير.

» قفل الخط، وبصيت لأمي اللي كانت نايمة في الهدوء، وشريط الأحداث كله مر قدام عيني. محمود اللي كان فاكر إنه بألاعيبه وإيميلاته الخبيثة هيدمر حياتي ويحرمني من شغلي في اللحظة اللي أمي فيها بين الحياة والمـ,ـوت، انقلبت كل السحر عليه في نفس اليوم! لكن الأحداث ما انتهتش عند النقطة دي… على الساعة 8 بالليل، وأنا واقف قدام بوابة المستشفى بشتري علاج من الصيدلية الخارجية، لقيت خيال شخص واقف قريب من العربية بتاعتي. قربت بخطوات هادية، وشوفت محمود! كان واقف، هدومه مبهدلة، شعره منكوش، ووشه أصفر زي الليمونة.

مش ده محمود بتاع الصبح اللي كان بيبعت رسايل تهديد ويتعصب في التسجيلات الصوتية. أول ما شافني جاي، جرى عليا ويمسك في إيدي بلهفة وذل: «أحمد! أرجوك يا أحمد! اسمعني بس دقيقة واحدة!» شيلت إيدي منه ببرود وقلت له: «أنت إيه اللي جابك هنا يا محمود؟ وعرفت مكان المستشفى منين؟» قال وهو بيعيط وبصوته مرعوب: «أحمد… أستاذ شريف والـ HR لبسوني قضية تزوير! النيابة استدعتني ولأول مرة حياتي أقف قدام محقق! الشركة عايزة مني أكثر من 60 ألف جنيه بدلات، وغير كده هيدخلوني السجن بتهمة التزوير!

أرجوك يا أحمد… روح للـ HR وبكره قول إنك أنت اللي كنت بتديني الفلوس دي، أو قول إن الرخصة كان فيها غلط غير مقصود! أنت الوحيد اللي تقدر تنقذني!» بصيت له باستحقار واستغراب. الرجل ده مش طبيعي! الراجل ده معندوش أي ذرة دم أو ضمير! قلت له بصوت واطي بس حاد زي الموس: «أنت بتطلب مني أروح أزور وأشهد زور عشان أنقذك؟ أنت نسيت أنت عملت إيه الصبح؟ نسيت إنك قلتلي سيب أمك بتمـ,ـوت في الطوارئ وتكون في خدمتي عشان أوصلك الشغل؟ نسيت الإيميل اللي كتبته لمديري عشان تطيرني من شغلي وتخرب بيتي وأنا أمي بين إيدين ربنا؟» محمود مسك في جاكيتي وقال وهو بيبكي: «كنت غبي يا أحمد!

الشيطان دخل بيننا! أنا كنت خايف من التأخير وعصبيتي عمتني! وحياة أمك عندك تسامحني وتنقذني من السجن! أنا عندي عيال ومقدرش أدخل السجن!» مسكت إيده اللي ماسكة في جاكيتي، وشيلتها بقوة وقلت له: «ما تجيبش سيرة أمي على لسانك! أمي اللي أنت كنت عايزني أسيبها، ربنا نجاها النهاردة بفضله وبدعائها. وأنت… أنت اللي حفرت الحفرة لنفسك وطحت فيها. 11 شهر وأنا بعاملك كأخ، بصحى بدري عشانه، بصرف بنزين من جيبي، بشيل قرفك وتأخيرك، وأنت في أول اختبار ظهرت على حقيقتك وشوفتني مجرد سوانق ببلاش، ولما رفضت تنفذ أوامرك قررت تدمرني!

» محمود قعد على الرصيف قدام المستشفى، وغطى وشه بإيديه وهو بينحب: «يعني خلاص يا أحمد؟ هتسيبني أتسجن؟» قلت له وأنا بلف ضهري وبمشي ناحية المستشفى: «القانون هو اللي بياخد مجراه يا محمود. مش أنا اللي لبستك قضية التزوير… أنت اللي زورت واستغليت، ومش أنا اللي بلغت النيابة… إيميلك الخبيث هو اللي فتح أبواب جهنم عليك. الصبح كنت فاكر إنك ذكي وبتقلب الطاولة عليا، بس نسيت إن ربنا ما بيرضاش بالظلم.

» سبته قاعد على الرصيف يبكي على خيبته وطمعه، ودخلت المستشفى. مرت الأيام، وأمي خرجت من المستشفى بالسلامة، ورجعت بيتنا ونورت حياتي من جديد. أخذت الأسبوع الإجازة وقضيته كله تحت رجليها، أخدمها وأعوضها عن كل لحظة خوف. أما محمود… فعرفت بعد أسبوعين من زمايلي في الشغل إن الشركة رفضت تنازل عن القضية، وتم فصله فصل تعسفي مع حرمانه من كافة مستحقاته، والقضية اتعايشت في المحكمة بتهمة استيلاء على مال عام وتزوير مستندات. الدرس اللي اتعلمته من السنة دي كان قاسي، بس كان لازم اتعلمه: مش كل اللي بتركبه معاك في عربيتك يستاهل يوصل معاك لنهاية الطريق… في ناس لو اديتهم عينيك، هيشتكوا إن ضوء عينيك بيعكس في وشهم! وفيه مواقف بسيطة، ربنا بيبعتها عشان يكشفلك المعادن الحقيقية، وينقذك من أفاعي كنت فاكرهم صحاب!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى