روايات وقصص

زميلي 3

بسمه

الجزء الخامس محمود نزل على ركبتيه قدامي في ممر القسم!أمام العساكر، والمحامين، ومراته وعياله، وناس واقفة بتتفرج، حط وشه في الأرض وجسمه كله بيتهز بانهيار وبكاء هيمـ,ـوت منه. مسك رجلي بكتفه، وصوته كان طا…

هل الشغل ورئيس مجلس الإدارة كان عندهم خطوة جديدة هتقلب حياة أحمد كلياً في الجزء اللي جاي؟ الجزء السادس مرت ستة أشهر كاملة على الليلة المأساوية اللي اتفتحت فيها أبواب شقة محمود، والصفحة اللي كانت ملوثة بالغل والطمع انطوت تماماً وبدون أي رجعة. محمود بدأ بالفعل يشتغل في محل قطع غيار السيارات اللي ضمنته فيه، وكان بيشتغل بإخلاص وسكوت غريب، زي راجل بيحاول يغسل ذنوب سنين فاتت بعرق جبينه.

مقالات ذات صلة

مراته كانت بتتصل بأمي من وقت للتاني تطمن عليها، والبيت اللي كان على وشك الخراب استقر، والعيال رجعوا مدارسهم. أما أنا، فكنت مركز بكل طاقتي في شغلي بالشركة. كنت بشتغل بصفاء ذهن نادراً ما حسيت بيه قبل كده. لما تشيل من قلبك الغل والرغبة في الانتقام، عقلك بيفضى للإبداع وللترقي. في يوم إثنين الصبح، طلبني أستاذ شريف في مكتبه. أول ما دخلت، لقيته بيستقبلني بابتسامة عريضة ومستندات كثيرة متستفة على مكتبه. «أقعد يا أحمد، في أخبار جبارة!

» قعدت وقلت له: «خير يا أستاذ شريف؟ النتيجة بتاعة مناقصة التوريدات الميدانية ظهرت؟» قال بفرحة: «مش بس ظهرت! الشركة أخذت المناقصة بالكامل، وده بفضل خطة التوزيع والتأمين الميداني اللي أنت قدمتها للسيارات والخدمات اللوجستية. الخطة دي وفرت على الشركة أكثر من 30% من الميزانية المخصصة!» ابتسمت بحمد ربنا، وقلت له: «الحمد لله يا أستاذ شريف، ده شغل الفريق كله.» أستاذ شريف هز رأسه وقال بنبرة جادة ومحترمة: «لا يا أحمد، ده شغلك وفكرك. وشان كده… رئيس مجلس الإدارة طلب اجتماع عاجل الساعة 12 الضهر، وفي قرار رئيسي هينزل بخصوصك.

» الساعة 12، كنت واقف في القاعة الرئيسية للاجتماعات. كان حاضر مجلس الإدارة بالكامل، ومدراء القطاعات، وعلى رأسهم أستاذة نجوى من الشؤون القانونية. رئيس مجلس الإدارة وقف، وبص للحاضرين وقال بصوت جهوري: «يا جماعة، الشركة هنا مش بس مكان للشغل والأرباح، الشركة دي منظومة قائمة على الأمانة، الكفاءة، والأخلاق. السنة اللي فاتت، الشركة مرت باختبارات صعبة تكشفت فيها معادن الناس.

وفي موظف عندنا أثبت إنه مش بس كفاءة إدارية نادرة، لكنه صاحب خلق ودين وأمانة على المال العام وعلى زمايله، حتى لو كانوا خصومه.» العيون كلها اتجهت ناحيتي. كمل رئيس مجلس الإدارة: «بناءً على التقييم السنوي، ونجاح خطة التوزيع الميداني، وبناءً على ثقة الإدارة المطلقة… تم ترقية الأستاذ أحمد محمود ليكون ‘مدير قطاع الحركة والخدمات اللوجستية بالشركة’ بمرتب مضاعف، بالإضافة لسيارة جديدة مخصصة بالكامل لاستخدامه الشخصي والميداني، مع حافز سنوي من أرباح المناقصة الجديدة!

» القاعة كلها ضجت بالتصفيق! أستاذ شريف أدى لي التحية، وأستاذة نجوى ابتسمت وباركت لي. كنت واقف في مكاني، ودموع الفرحة محبوسة في عينيا. افتكرت الأيام الصعبة… افتكرت الكرسي الحديد البارد في مستشفى الطوارئ لما كنت خايف على أمي ومحمود بيبتزني… افتكرت اللحظة اللي كنت هخسر فيها شغلي وسمعتي بسبب البلاغ الكاذب… وافتكرت إن الصبر والأصل الطيب هم اللي وصلوني لللحظة دي! استلمت مفاتيح العربية الجديدة، وكانت عربية زيرو حديثة. أول حاجة عملتها لما أخذتها، إني طلعت بيها فوراً على البيت.

وصلت العمارة، نزلت، وطلعت الشقة لأمي. أول ما فتحت الباب وشافت المفاتيح الميدالية الجديدة في إيدي وشافت الفرحة في عيني، قعدت تدعي وتبارك. مسكت إيدها وقلت لها: «يلا يا أمي… انزلي معايا.» بصت لي باستغراب: «أنزل فين يا أحمد بالنهار كده؟» قلت لها وابتسامتي من الخد للخد: «انزلي أركبي معايا عربية ابنك الجديدة… العربية دي أول مشوار ليها مش هيكون للشغل ولا لمحمود ولا لأي حد… أول مشوار ليها هيكون عشان أوصلك أنتِ للمكان اللي تختاريه!

» أمي عينيها دمعت من الفرحة، ولفت طرحتها ونزلت معايا. فتحت لها باب العربية الجديدة، قعدت جنب الشباك وهي مبسوطة وبتقرأ آيات الحفظ والأمان. طلعت بالعربية في شوارع القاهرة، والشمس كانت دافية وجميلة. سألتها: «نروح فين يا أمي؟» قالت لي بصوت دافي مليان رضا: «سوق بيا يا أحمد روح بينا على السيدة زينب… نصلّي ونشكر ربنا على نعمه ورضاه.» وأنا سايق العربية وأمي جنبي، كنت بص في المراية وأبتسم. حسيت إن كل خطوة في السنة اللي فاتت كانت مترتبة بحكمة إلهية دقيقة جداً.

ربنا شال من طريقي الناس المزيفة، ونظف حياتي من الأفاعي، وعوضني عن كل ثانية قلق بخير وكرامة وترقية وراحة بال. وصلنا، وصلينا، وطلعت من المسجد وأنا حاسس إن الدنيا كلها ملك إيدي. لكن… بعد أسبوع واحد من الترقي واستلام المنصب الجديد، وأنا قاعد في مكتبي الفخم المخصص لمدير القطاع، دخل عليا السكرتير وقال لي: «أستاذ أحمد… في جواب رسمي وصل لحضرتك بالبريد المسجل من جهة حكومية، ومكتوب عليه ‘عاجل وشخصي’.

» أخذت الجواب واستغربت. فتحت الظرف… وكانت المفاجأة غير المتوقعة كلياً! الجواب كان استدعاء رسمي موجّه ليّ بصفتي الوظيفية والشخصية من إدارة التحقيقات في القضية القديمة… بس المرة دي الجواب مش بخصوص محمود! الجواب كان بيطالبني بالشهادة في واقعة خطيرة جداً تخص تسريب مستندات وأسرار من الشركة القديمة، وفي شخص ثالث كبيييير جداً جوة الشركة، كان هو المحرك الحقيقي لمحمود من وراء الستار، وهو اللي كان بيزوده بالتقارير اللي حاول يوقعني بيها!

الشخص ده كان حد عمري ما تخيلت إن له علاقة باللعبة دي كلها! مسكت الجواب وإيدي بتترعش من الصدمة… وقفت وأنا بسأل نفسي: «هو الكابوس ده لسه فيه رؤوس تانية ما اتقطعتش؟!» الجزء السابع والأخير مسكت الجواب بالبريد المسجل، واسم الجهة الرسمية يلمع في أعلى الورقة، وعينيا مش مصدقة الاسم المكتوب في مذكرة التحقيق! الشخص اللي كان بيحرك محمود من وراء الستار، واللي كان بيغديه بالتقارير والمعلومات عشان يطيرني من الشغل، ما كانش حد غريب… كان أستاذ شريف نفسه! اتجمدت في مكتبي، الشاشة قدامي والورقة في إيدي بتترعش. أستاذ شريف؟! الراجل اللي كان بيمثل إنه خايف عليا؟ الراجل اللي كان بيطبطب عليا وبيقولي “أنا عارف أخلاقك يا أحمد”؟

! في نفس اللحظة، دخل أستاذ شريف المكتب، وابتسامته العريضة على وشه وهو شايل ملف المناقصة الجديدة. أول ما شاف الجواب المسجل في إيدي، ووشي اللي أبيضّ زي الملاية، ابتسامته اختفت تدريجياً، وعينيه بدأت تروح وتيجي بتوتر. قفل باب المكتب وراه، وقرب بخطوات بطيئة وقال بصوت واطي: «أحمد… الجواب ده وصلك؟» بصيت له بثبات غريب، وقفت من على كرسي الإدارة، وحطيت الورقة قدامه على الطاولة: «ليه يا أستاذ شريف؟

أنا عملت فيك إيه؟ ده أنا كنت بآمن لك أكتر من نفسي!» أستاذ شريف قعد على الكرسي بإنهاك، وحط إيده على وشه. المظهر المتماسك بتاع المدير الكبير انهار في ثواني. بصلي وقال بصوت مليان مرارة وحقد مكتوم: «أنت ما عملتليش حاجة يا أحمد… مشكلتك إنك كنت شاطر زيادة عن اللزوم! وسالك زيادة عن اللزوم! رئيس مجلس الإدارة كان بيفكر يصعدك على حسابي من سنتين، وأنا بقالي 15 سنة في الشركة ومستني الفرصة دي!

لما محمود جالي بالسر وقال لي إنه زعلان منك وعايز يزيحك، لقيتها فرصة… استغليت غباءه وطمعه، وكنت بخليه يكتب التظلمات والإيميلات، وأنا اللي وجهته يزور ورق بدلات الانتقال عشان نلبسك القضية وتطير أنت وهو مع بعض وأفضل أنا في الأمان!» ضحكت بمرارة. ضحكة طالعة من قاع قلبي. «يعني محمود كان مجرد كارت بتلعب بيه… وأنا كنت الهدف؟» قال بكسرة: «بس أنت طلعت زي القطط بأربع ترواح يا أحمد! نيتك السلكانة ودعاء أمك كان كل ما أحفر لك حفرة يردمها فوق دماغي أنا ومحمود! والنهاردة، لما النيابة راجعت التحويلات وشبكات السيرفرات والتسريبات اللي محمود اعترف بيها في التحقيق الأخير كحيلة عشان يخفف عقوبته، اسمي اتكشف!

» بصيت له باستحقار، الجائزة الكبيرة والترقية اللي أخدتها ما كانتش مجرد صدفة، دي كانت مكافأة ربنا على صبر أمي ونيتي. قلت له بصرامة: «أنا هروح أقول شهادتي بالحق يا أستاذ شريف. مش هتبلى عليك، ومش هخبي حاجة. هقول اللي أعرفه فقط، والقانون ياخد مجراه.» وفي خلال 48 ساعة، كانت التحقيقات كشفت كل شبكة التآمر الداخلي. أستاذ شريف اتعزل من منصبه بالخزي والعار، وحول للمحاكمة بتهمة إهدار المال العام والتآمر والتزوير، والشركة اتنظفت بالكامل من آخر أفعى كانت مستخبية في الممرات. عدت الأيام والشهور، والهدوء رجع يرفرف على حياتي.

في يوم جمعة مبارك، بعد ما صليت الظهر، أخدت أمي في عربيتي الجديدة وطلعنا على كورنيش النيل. كانت قاعدة جنبي، لافة شالها الأبيض، وعينيها بتلمع بالرضا وهي بتتفرج على النيل والهوا المفتوح. بصتلي وابتسمت وقالت: «بالك رايق يا أحمد؟» بست إيدها وقلت لها: «أحمدك وأشكر فضلك يا رب. بالي رايق، وقلبي فاضي من أي غل، وشغلي ماشي بالبركة.» قالت لي كلام يتكتب بماء الذهب: «عرفت يا ابني ليه ربنا كان ممشيك في الطريق الصعب ده؟ ربنا ما كانش بيعاقبك، ربنا كان بيصقلك. كان بيكشفلك المعادن، وبيشيل من طريقك الشوك عشان لما تقعد على الكرسي ده، تقعد وأنت نضيف ومرفوع الراس.

» الحكمة ونهاية المطاف: قصتي دي مش مجرد حكاية عن توصيلة ببلاش أو زميل خاين… دي درس لكل بني آدم بيتعامل بنيته مع الناس: * الجدعنة مش عباطة، بس النية السلكانة حصن: لما تعمل خير مع حد وما يطمرش فيه، ما تندمش على الخير، أندم على اختيارك للشخص. الخير اللي بتعمله بيرجع لك في وقت أنت أشد الحاجة ليه، ودعوة أمي في الطوارئ كانت هي الدرع اللي رد عني كيد محمود وأستاذ شريف. * اللي بيحفر حفرة لأخيه بيلبس فيها: محمود حاول يخرب بيتي ويسرق نسيمي، فتقفلت في وشه كل الأبواب وركع يستجدى العفو. وأستاذ شريف حاول يطيرني عشان الكرسي، فخسر الكرسي وسمعته ومستقبله.

* العفو قوة ومش ضعف: لما عفوت عن محمود عشان خاطر عياله، ربنا ما صغرنيش… ربنا رفعني وترقيت وعوضني أضعاف، لأن القلب المليان انتقام عمره ما بيعرف ينجح أو يتقدم. * اعرف مين تركبه معاك في عربيتك وفي حياتك: مش كل اللي بيقعد جنبك في الزحمة صاحب، وفيه ناس لو اديتهم عينيك، هيشتكوا إن ضوء عينيك بيعكس في وشهم! اختاروا صحابكم، وصونوا اللي يصونكم، وسيبوا الخاين للأيام… لأن الأيام دائنة تدين وتوفي الحساب بالتمام والكمال. تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى