
“جوزي اشترى من هنا فستان وشنطة يوم الثلاثاء اللي فات بمبلغ كذا.. وأنا جاية أبدلهم، أو أعرف الذوق اللي بيعجبه عشان أشتري زيه.”
البنت ملامحها اتغيرت لما شفت قيمة المبلغ، ولما لقتني بتكلم بثقة، وبدأت تفتقر السيستم.. وفي ثواني طلعتلي الفاتورة باسمه! وبدأت توصفلي الحاجة: “أفندم، الأستاذ اشترى فستان سواريه أحمر مقاس 38 (سمول) وشنطة سودا قطيفة.”
معدتي اتقلبت.. مقاس 38! يعني مش ليا خالص، أنا مقاسي غير كده تماماً بعد الخلفة والعيال. قولت للبيت بابتسامة غامضة: “تمام.. تقدري تطبعيلي نسخة من الفاتورة دي عشان الحسابات بينا؟” البنت لأنها شايفة الاسم والمبلغ طبعتهالي وهي فاكرة إني زبونة تقيلة.
أخدت الفاتورة في جيب عبايتي، وخرجت رحت لمحل العطور المستوردة اللي جنبهم، وعملت نفس الحركة.. وطلعت بالفاتورة التانية بتاعة البرفان الحريمي اللي بتمن مصروف بيتي كله في شهر!
بقيت ماشية في المول وخطواتي بتهز الأرض، في جيبي “حبل المشنقة” اللي هربطه بيه، الأدلة الرسمية المطبوعة بالتواريخ والساعات والأسماء.
رجعت البيت، حطيت الفواتير في مكان أمين، وقعدت أستناه.. مابقتش حاسة بكسرة، بقيت حاسة بقوة غريبة. هو لسه عايش في دوره وميعرفش إن البركان خلاص هيثور.
وفي نفس اليوم بالليل، وهو قاعد في الصالة بيتفرج على التلفزيون وحاطط رجل على رجل، وموبايله جنبه على الترابيزة.. نور الموبايل برقم غريب، بس المرة دي مكنش رسالة من البنك. كانت مكالمة..
سمعته بيرد بنبرة صوت غريبة.. نبرة واطية، وحنينة، وفيها لهفة عمري ما سمعتها منه في الـ 6 سنين اللي فاتوا! قام بسرعة ودخل البلكونة وقفل الباب وراه وهو بيهمس..
وقفت ورا ستارة الصالة، وجيب عبايتي اللي فيه الفواتير بيحرق فخذي من كتر السخونة.. وقلبي رجع يدق تاني زي الطبل، بس المرة دي مكنش خوف.. ده كان الهدوء اللي قبل الانفجار.
ملامحه اتخطفت والورق في إيده زي الجمرة اللي بتفرقع، حاول يزعق ويقولي “انتي بتهدديني؟” بس صوته طلع مخنوق ومرعوب. سبته في صدمته ودخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت على السرير وجسمي كله بيترعش.. بس المرة دي الرعشة مكنتش خوف، كانت رعشة النصر والتحرر.
التهديد اللي هددته بيه في الصالة مكنش غير مجرد “تخدير” عشان أمنع رد فعله الغبي في اللحظة دي، وعشان أطمنه إني باقية على البيت فيهدأ ويسيب الموبايل وميحاولش يمسح رسايل البنك ولا يغير حساباته قبل ما أتحرك. أنا خلاص، النقطة اللي كانت باقيالي معاه اتبخرت، والراجل اللي يستخسر اللقمة والهدوم الجديدة في عياله ويروح يبعزق ألوفات على غريبة، ملوش عيش معايا ولا ثانية واحدة.
تاني يوم الصبح، نزل الشغل وهو زي القتيل، باصص في الأرض ومكسور، ومقادرش حتى ينطق بكلمة وهو خارج. أول ما الباب اتقفل، مأخرتش ثانية. كلمت بابا وحكيتله كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. بابا صوته اتقلب نار وقاللي: “وحياة دموعك يا بنتي ما هسيبه، اجمعي هدومك وهاتِ العيال وتعالي.”
قولتله: “لأ يا بابا، أنا مش هخرج من بيتي مكسورة، أنا هخرج بالوش الخشب وقانونًا، والبيت ده بتاعي وبتاع عيالي وغصب عنه.” بابا قالي إنه يعرف محامي شاطر جدًا في قضايا الأسرة، وفعلاً أخدت العيال ورحنا قابلناه في مكتبه.
المحامي لما شاف الفواتير وصور رسايل البنك وصور الشاشات اللي أخدتها من تليفونه، ابتسم وقاللي: “انتي ست بـ 100 راجل، الأدلة دي تكسر عينه، بس إحنا مش هنكتفي بكده.. إحنا أول خطوة هنعملها هي دعوى تمكين من شقة الزوجية عشان تقعدي فيها انتي وعيالك، والخطوة التانية والأهم هي إني هرفع قضية طلاق للضرر وشقاق، وهنطلب من المحكمة استخراج مفردات مرتبه الحقيقية.”
جوزي كان فاكر إنه بذكائه مخبي مرتبه عني، وميعرفش إن المحكمة بتبعت خطاب رسمي لجهة عمله (الشركة الكبيرة اللي اترقى فيها) وبتلزمهم بتقديم بيان رسمي ومفصل بكل مليم بيدخل في حسابه؛ من أول المرتب الأساسي، للحوافز، للأرباح السنوية، والبدلات.
وبالفعل، المحامي بدأ الإجراءات بسرعة الصاروخ. بعد أسبوعين اتفاجئت بالضربة الأولى بتنزِل على دماغه.. جاله إعلان القضية على الشغل! كلمني وهو هيتجنن ويصرخ في التليفون:
“انتي اتجننتي يا أماني؟ رافعة عليا قضية طلاق وبتبعتيلي محضرين على الشركة؟ عاوزة تخربي بيتك وتفضحينا؟”
رديت عليه بمنتهى الثبات:
“البيت اتخرب يوم ما استخسرت فينا اللقمة واللبس الجديد يا أصيل.. كلامنا الجاي هيبقى في المحكمة.” وقفت السكة في وشه وعملتله بلوك.
يوم الجلسة، كنت واقفة في المحكمة ولابسة فستان جديد.. فستان بسيط بس بالورقة بتاعته، اشتريته بفلوس بابا، وكنت أول واحدة تلبسه ومفيش حد داب على كتفه قبلي.. كنت حاسة إني برجع هيبتي وكرامتي قدام نفسي.
دخلنا القاعة، وهو كان قاعد وشه أصفر وعينيه زايفة وسط الناس، هيبته وبرستيجه اللي كان بيتباها بيهم اتهدوا. المحامي بتاعي وقف قدام القاضي وقدم حافظة المستندات، وفي اللحظة دي المحكمة استلمت الإفادة الرسمية من جهة عمله بمفردات مرتبه.
لما القاضي قرا الرقم، وبص لفواتير البرندات والبرفانات اللي بتمن مصروف البيت، وبص لشكل عيالي وشهادة بابا عن اللبس المستعمل، ملامحه اتغيرت وبص لجوزي بقرف وقال: “بقى ده مرتبك الحقيقي وسايب عيالك بالوضع ده؟”
المحكمة حكمتلي بالطلاق للضرر، وبناءً على مفردات المرتب الكبيرة اللي ظهرت، القاضي فرض عليه نفقة عدة ومتعة ومؤخر صداق بمبلغ خيالي يعوضني عن كل سنين الحرمان، ده غير نفقة شهرية محترمة للعيال تخليهم يلبسوا أحسن لبس وياكلوا أحسن أكل، وصدر قرار التمكين من الشقة وخرج منها بشنطة هدومه هو، زي ما كان عاوز يعمل فيا!
وأنا خارجة من باب المحكمة، شايلة عيالي في إيدي، والناس بتبصلي وأنا راسي في السماء، بصيت لورا وقولت لنفسي: “الست الأصيلة مطلعتش مغفلة.. الست الأصيلة صبرها كان حكمة، ولما حان الوقت، أخدت حقها تالت ومتلت، وسابتله البرستيج المزيف يعيش فيه لوحده.”
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الهوا اللي بيدخل صدري بقاله طعم تاني.. طعم الحرية والنصر. عيالي كانوا ماسكين في إيدي، بيبصوا حواليهم وفرحانين بفستاني الجديد وبلمعة عيوني اللي غابت عنهم سنين.
أول حاجة عملتها وأنا في السكة، قولت لتاكسي يقف قدام المول الكبير.. نفس المول اللي كنت بمر من قدامه مكسورة وببص لفاتريناته من ورا الإزاز وأنا حاطة إيدي في جيبي الفاضي. دخلت وأنا راسي مرفوعة، مش خايفة من نظرة بياع ولا مستنية من حد شفقة.
دخلت محل لبس أطفال من البرندات اللي كان بيشتري منها لغيرنا. وبقيت أقول للعيال: “نقوا يا حبايب قلبي.. كل اللي نفسكم فيه قيسوه وهاتوه.” نظرة الفرحة والذهول في عيونهم وهم بيمسكوا الهدوم الجديدة، وبيقيسوا الجزم اللي بتلمع، كانت بالدنيا وما فيها. لأول مرة أشوفهم ماليين هدومهم ومش لابسين فواضل حد.
اشتريت ليهم واشتريت لنفسي.. وأنا واقفة عند الكاشير وبدفع، طلعت الفيزا وبصيت للورقة والتايك (Tag) وهو بيتقص من الفستان الجديد، وقولت في بالي: “أهو ده اللي بالورقة بتاعته يا (أبو أولادي).. جِبته، وبفلوسك، وبقوة القانون اللي استقويت بيه عليا.”
رجعنا الشقة.. بيتنا اللي اتمكّنت منه. أول ما دخلت، حسيت إن جدران البيت نفسها اتنفست. مفيش هم، مفيش خوف من بكرة، ومفيش حد يدخل عليا بوش خشب يقولي “أحمدي ربنا على اللقمة وبلاش طمع”. النفقة اللي فرضها القاضي بناءً على مفردات مرتبه الخيالية بقت تنزل في حسابي كل أول شهر زي الساعة، مكفية ومفضلة، وبتخليني أعايش عيالي في مستوى عمرهم ما حلموا بيه.
هو بقى؟ ملامح برستيجه ووظيفته الكبيرة اللي كان بيتنطط بيها قدام الناس اتهزت تماماً. الفضيحة في شركته وبين معارفه بسبب قضايا النفقة والطلاق للضرر خلته زي القشة في مهب الريح. عرفت من طوب الأرض إنه بقى عايش في شقة إيجار قانون جديد، يدوب مكفي مصاريفه بعد ما النفقة بقت تقص نص مرتبه من المنبع، والست اللي كان بيشتريلها البرندات والبرفانات؟ أول ما عرفت إن الحنفية اتقفلت وإن فلوسه بقت رايحة للمحاكم ولعياله، سابته في ثواني ودورت على غيره.. ودُق طعم الحرمان والوحدة اللي دوقهولي 6 سنين.
في يوم، وأنا قاعدة مع عيالي في الصالة بناكل وبنضحك، تليفوني رن برقم غريب. رديت، لقيت صوته.. كان صوته مكسور، مخنوق، ومفهوش نقطة من الفوقية بتاعة زمان. قالي بصوت بيترعش:
“أماني.. أنا أسف. أنا عرفت قيمتك وقيمة ولادي، الدنيا لفت بيا والكل سابني. أنا بموت في اليوم ميت مرة من غيركم.. مش هترجعي؟ مش انتي الست الأصيلة اللي بتستحمل؟”
ضحكت من كل قلبي، ضحكة صافية ومفيهاش غل، بس فيها قوة تهد جبال. وقولتله بمنتهى البرود:
“الست الأصيلة اللي كنت تعرفها ماتت يوم ما شافت رسايل البنك يا ابن الناس. أنا دلوقتي ست تانية خالص.. ست عرفت قيمة نفسها وعرفت تجيب حق عيالها. الأصالة بتكون مع الراجل الصاين، مش مع اللي يستخسر اللقمة في لحمه ويروح يبعزقها بره. اطلب الأسف ده من المحكمة جايز يخففوا عنك المتجمد.”
وقلت السكة في وشه.. وبصيت لعيالي وهم بيلعبوا بهدومهم الجديدة بالورقة بتاعتها، وافتكرت بابا وهو بيدعيلي، وحسيت لأول مرة إن الدنيا لفت ودارت، وحطت كل واحد في مكانه الصح. الأصيل بيكرمه ربنا في الآخر، واللي بيظلم ويدوس على قلوّب وثقت فيه، نهايته بتكون أرخص من تمن زجاجة البرفان اللي ضيع حياته عشانها
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
-
عزومه سلفتيمنذ 37 دقيقة
-
من يوم ما اتولدت ونا مخبيه وشيمنذ 3 ساعات
-
اتجوزت ف بيت عيله 2منذ 3 ساعات
-
اتجوزت ف بيت عيله1منذ 3 ساعات




