روايات وقصص

رد الشرف حكايات مني السيد

نزلت النهاردة عند حماتي وكنت داخلة وأنا مجهزة نفسي أقعد وأتبسط، الجديد وراسمة على وشي ابتسامة قد الدنيا… أصل النهاردة الجمعة بقى، يعني يوم الإجازة الوحيد ولمة الحبايب اللي بنستناها من أسبوع لأسبوع. أول ما رجلي خطت عتبة الباب، وقبل حتى ما ألحق أتنفس أو أقول يا فتاح يا عليم، لقيت حماتي بتبصلي بابتسامة صفرا وبتقولي بنبرة آمرة يا شروق، تعالي ساعديني بس في المطبخ بسرعة عشان نلحق نجهز الأكل.

دخلت وراها وأنا متوقعة إني طبقين على السفرة ولا أصب عصير، بس الصدمة نزلت عليا أول ما فتحت باب المطبخ! لقيت مجزرة… الفراخ بتغلي على والشوربة طافية على البوتاجاز، وشوال بطاطس مركون على الرخامة مستنيني أقطعه، والخضار متكوم على الحوض والسلطة ناقصها كلها من الألف للياء، ده غير جبل أطباق ومواعين متلتلة محتاجة

مقالات ذات صلة

وقفت ولفيت لحماتي وقولتلها بذهول هو إحنا جايين نتغدى ولا جايين نشتغل وردية هنا؟! ردت عليا ببرود وهي بتعدل طرحتها يا بنتي دي جمعة عائلية ولازم كلنا نشيل بعض. ضحكت بسخرية وقولتلها أيوه ما أنا عارفة إنها جمعة عائلية… بس فين العيلة دي بقى اللي هتاكل؟ أنا مش شايفاهم غير قاعدين بره مسخسخين على التليفونات، بيسفوا في النت اللي جوزي لسه دافعه من جيبه أول الشهر!

سيبتها وطلعت الصالة وأنا ، لقيت جوزي على الكنب قدام الشاشة بيتفرجوا على الماتش في قمة روقانهم، وفجأة أخوه الصغير وهو باصص في التليفون فين الغدا يا ؟ إحنا متنا من الجوع!
بصيت لجوزي بنظرة كانت كفيلة تولع في الصالة كلها، وقولتله بصوت عالي سمّع الكل الغدا في المطبخ… وأنا كمان هناك، لو حد سأل عليا!

رجعت المطبخ ورزعت الباب ورايا، ووقفت مش قادرة هو أنا كنت ضيفة عند حماتي ولا عاملة واخدينها مقاولة في مطبخها؟! مسكت وبدأت أقطع البطاطس پعنف وأنا بحاول أبلع عشان اليوم يعدي على خير وما أعملش مع جوزي قدام أهله. حماتي لوحدي وخرجت تقعد معاهم، وفضلت أنا في صهد البوتاجاز والحر، لحد ما خلصت الأكل كله ووقفت أغرف في السرافيس. وأنا بمد إيدي في اللي تحت الحوض عشان أطلع تقديم كبيرة كانت محطوطة في آخره، إيدي خبطت في علبة كرتون قديمة متدارية ورا ازايز المنظفات. العلبة كانت تقيلة بحبل رفيع، وبسبب الخبطة وقعت وخرج منها كيس بلاستيك غامق اتفتح على الأرض.

فضولي خلاني أوطي أشوف إيه اللي ومستخبي في الضلمة دي، وأول ما لمحت الورق اللي جواه، حسيت إن الأرض بتلف بيا قلبي وقفت تماماً… لقيت عقود بيع وشراء باسم جوزي وإيصالات بمبالغ خيالية، بس مش ده اللي طيّر عقلي… الأكبر كانت لما شفت ورقة رسمية بتاريخ من شهرين فاتوا، مكتوب عليها اسم جوزي وجمبه اسم ست تانية خالص مع قسيمة زواج رسمي! وقفت متجمدة والورقة في إيدي، وفجأة سمعت صوت أكرة باب المطبخ بتتحرك وحد بيفتحه بهدوء…

صوت تكة أكرة الباب كانت بترن في ودني زي دقات جرس إنذار. في جزء من الثانية، وبغريزة خوف وخطڤة قلب، طبقت الورقة وحشرتها في جيبي الغويط في البنطلون، ودحرجت باقي العلبة الكرتون بجزماتي لجوه تحت الحوض وسحبت إيدي بسرعة وأنا بتظاهر إني بدور على الصينية.
باعك للمرة الألف في ثانية واحدة عشان ينفد بجلده. الورق اللي في شنطتك ده فيه توكيلات بيع وشراء لأراضي ومخازن عليها حجز قضائي ، لو مسكه معاكي أنتي كمان في القضية كشريكة… اركبي

معانا عشان هشام يفهمك الحقيقة كاملة وتاخدي حقك وحق أبوكي قبل ما الشمع الأحمر يتحط على كل حاجة.
بصيت لمحمود وهو مرمي على البلاط زي الفار المبلول، وبعدين بصيت لهناء اللي كانت واقفة على أول السلم مبرقة ومصډومة ومش قادرة تنزل خطوة، وبصيت لحماتي اللي كانت بتتلصص من شباك الدور الأول وبتلطم على وشها في الخفا.
عدلت شنطتي على كتفي، ورفعت راسي للسما، وقولت لحازم بصوت حاسم

أنا هركب… بس بشرط؛ التليفون ده هيفضل مفتوح في إيدي، وعربيتي أنا هتمشي وراكم مع السواق بتاعي، ومفيش ورقة واحدة هتخرج من شنطتي إلا لما هشام يقعد قدامي حق أبويا ودهبي على الترابيزة الأول.
حازم ابتسم ابتسامة احترام خفيفة، وفتح باب العربية ووسع الطريق طلبك مجاب يا ست البنات… اتفضلي.

ركبت العربية، والباب اتقفل ورايا برنة تقيلة عزلت صوت صړيخ محمود وتوسلاته بره. العربية اتحركت بسرعة چنونية في شوارع الجيزة، وكل ما نبعد عن العمارة، كنت بحس إن كابوس وخلص وبداية أكبر بتبدأ…
وبعد نص ساعة من الصمت التام، العربية وقفت قدام فيلا ومنعزلة في طريق المنصورية، البوابات الحديد ودخلنا ممر طويل مليان حراسة، ولما نزلت ودخلت الصالون الفخم، كانت المفاجأة اللي هدت كل حساباتي
المستشار هشام ابن خالي مكنش قاعد مستنيني كمحامي بيحميني… هشام كان قاعد رجل على رجل، وفي إيده

سېجار كوبي، وقاعد جنبه راجل ستيني هيبته ، وهشام بصله بابتسامة وقال جابت الورق كله زي ما خططنا بالظبط يا باشا… شروق نفذت اللعبة بالحرف من غير ما تحس! الكلمة نزلت على راسي زي جردل ماية تلج في عز طوبة شروق نفذت اللعبة بالحرف من غير ما تحس! وقفت في وسط الصالون الواسع، الثريات الكريستال اللي نازلة من السقف كانت بتلمع بإضاءة فاقعة عمّت عيني للحظات. ريحة خشب الأبنوس الممتزجة بدخان  ملَت مناخيري لحد الخنقة. عيني كانت متبتة في وش هشام، ابن خالي، الراجل اللي لجأتله بدموعي واستنجدت بيه على أساس إنه ضهري وسندي والوحيد

اللي باقيلي بعد مۏت أبويا. كان قاعد رجل على رجل، بدلة رمادي مفصلة على مقاسه بالملي، وساعة دهب بتلمع في معصمه، ومبتسم نفس الابتسامة الباردة اللي كنت بشوفها زمان لما كان بيكسب رهان في العيلة.
جمبه كان قاعد الراجل الستيني، ملامحه حادة زي الصقر، شعره أبيض متسرح لورا بدقة، ماسك في إيده كوباية كريستال فيها تلج بيتحرك برنة منتظمة، وعينيه الاتنين فضلوا متثبتين عليا من فوق لتحت بنظرة فاحصة كأنه بيعاين بضاعة.

رجعت خطوة لورا غريزياً، وضميت الشنطة لصدري، وقولت بصوت حاولت أخليه ميهتزش بس الغدر كان كاسر نبرتي
لعبة إيه يا هشام؟! أنت… أنت بتقول إيه ولمين؟! هو مش أنت اللي قولتلي فوق في التليفون صوري الورق وانزلي وأنا مستنيكي في القسم؟! مين ده وبتخططوا لإيه من ورايا؟!
هشام نفخ دخان السېجار لفوق بهدوء مستفز، وقام وقف من مكانه، حط إيده في جيب البنطلون وقرب مني بخطوات بطيئة واثقة، ووقف على بعد متر واحد وقالي بنبرة فيها عطف مصطنع
اهدي يا شروق… متشنجيش أعصابك يا بنت عمتي. أنتي عملتي الصح، وجبتي الورق اللي هينقذ رقبة العيلة كلها، وبدل ما تشكريني إن طلعتك من بين إيدين

الراجل الكبير شاور بإيده لهشام عشان يسكت، وصوته الرخيم طلع يملى الصالة
سيبي الدوسيه يا مدام شروق، وتعالي اقعدي عشان تفهمي أنتي كنتي عايشة مع مين… ومعمية عن إيه طول السنين دي. بصيت للراجل وقولتله بحدة أنا مش هسيب ورقة واحدة ولا هقعد في مكان غير لما أعرف مين حضرتك الأول، وبأي حق رجالتك يوقفوني في الشارع ويجيبوني هنا؟! الراجل ابتسم ابتسامة باهتة ورد ببرود أنا منصور التهامي… الشريك القديم لوالدك الله يرحمه في شركات الاستيراد وأراضي الشرقية، والرئيس الفعلي لمجلس إدارة الشركة اللي كان سي محمود جوزك ومجموعته تحت مسمى وتوريد مكن من المينا.

الاسم رن في دماغي؛ منصور التهامي… الاسم ده أنا شفته قبل كدة كتير في أوراق بابا القديمة وفي وصولات الأمانة اللي كانت متخزنة في درج مكتبه في القديمة!
هشام قرب مني أكتر وحط إيده على كتفي، وبصتله بغل، فكمل كلامه ببرود
شروق، افهمي اللعبة صح عشان متضيعيش نفسك. محمود مكنش شغال لوحده، محمود كان واجهة لمجموعة تانية شغالة في غسيل الأموال وتهريب بضايع متهربة من الجمارك، وكان مستغل التوكيل بتاع خالك الله يرحمه والورشة اللي باسم هناء عشان يدخل الصفقات دي ويسجلها بأسماء حريم، بحيث لو وقع، هما اللي يشيلوا الليلة وهو يخلع بفيزا دبي اللي مجهزها مع نهى.

بلعت ريقي وبصيت للورق اللي في شنطتي
والدوسيه ده؟ وإيصالات الأمانة وأرض أبويا اللي باعها لدعاء؟
منصور التهامي حط كبايته على الترابيزة الرخام وقام وقف، وسحب ملف تاني خالص من على المكتب ورماه قدامي
محمود باع الأرض لدعاء بعقد صوري، بس هو كان كاتب قبلها تنازل رسمي ليا أنا كضمان للبضاعة اللي استلمها ومسددش تمنها… يعني الأرض دي كانت هتدخل في مزاد علني الأسبوع الجاي وتضيع منكم للأبد. الورق اللي في شنطتك هو

قعدت على أقرب كرسي ورجلي مش شيلاني. بصيت لهشام وقولتله پقهر
وأنتم كنتوا عارفين كل ده؟ سايبيني تلات سنين مخدوعة وبتعامل زي الشغالة وببيع دهبي وبصرف عليه، وأنتم مستنيين الورق يقع تحت إيديكم؟
هشام نزل على ركبته قدامي وبصلي بجدية
والله يا شروق مكنتش هسمح لشعرة منك ټتأذي. محمود كان خبيث ومخبي الأصول كلها في مكان محدش يعرفه غيره هو وأمه، ولما أنتي نزلتي النهاردة وكلمتيني وقولتيلي على الورق اللي تحت الحوض، عرفت إن الفرصة جت عشان نضرب الضړبة القاضية وناخد حقك وحق عمي قبل ما بالليل.

سكتت لحظات، عقلي كان شغال بأقصى سرعة بيحلل كل نظرة وكل كلمة. مسكت الدوسيه الأحمر، وطلعته من الشنطة وحطيته على الترابيزة قدام منصور وهشام، بس إيدي فضلت متبتة عليه
الورق ده مش هيتسلم للنيابة غير بشرطين مفيش غيرهم.
منصور التهامي رفع حاجبه باهتمام
سامعك يا مدام شروق… إيه شروطك؟

التهامي بص لهشام، وضحك ضحكة قوية ملَت الصالون، وقال بإعجاب
بنت عبد الرحمن بصحيح… من صلب راجل مكنش بيسيب حقه لآخر نفس في عمره. طلباتك كلها مجابة ومنفذة من قبل ما تطلبيها.
سحب منصور تليفونه واتصل بالمستشار القانوني بتاعه وأمره يجهز عقود التنازل والشيك المصرفي بالمبلغ فوراً.
بعد ساعتين كاملين من مراجعة المحامين وكتابة العقود، وقعت على استلام حقي بالكامل شيك مصرفي بقيمة دهبي ومصروفي، وتنازل مسجل ومختوم يرجع فدانين الزيتون بتوع بابا لاسمي أنا وأمي، ومحضر رسمي يثبت براءتي من كل تعاملات محمود .
وفي نفس اللحظة اللي مسكت فيها العقود في إيدي، الباب اتفتح ودخل ظابط مباحث ومعاه حازم، والظابط شاور لهشام وقال
قمت وقفت، حطيت ورقي وشيكي في شنطتي، ولبست نظارتي الشمسية وعدلت هدومي.
بصيت لهشام بابتسامة خلت وشه يتغير
شكراً يا ابن خالي… خدمتني من غير ما تقصد، بس من النهاردة مفيش في حياتي مكان لحد فاكر إني ممكن أكون كارت في لعبة حد.

خرجت من الفيلا وخطواتي بتهز الأرض، ركبت عربيتي وفتحت الشباك عشان يدخل هوا العصر البارد. خدت نفس طويل لأول مرة من سنين؛ نفس حسيت بيه بطعم الحرية والكرامة والانتصار. محمود وأهله خدوا جزاء طمعهم وسواد قلوبهم، والست اللي كانت داخلة الصبح  في مطبخ حماتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى