
متتعبيش نفسك وتحاولي تفتحي الباب يا فريدة.. خلاص، مفيش فايدة ليكي. دي كانت آخر جملة سمعتها من جوزي طارق قبل ما أشوفه بيطلع من شباك العربية وبيسيبنا نغرق في وسط النيل… كل حاجة حصلت في ثواني معدودة…طارق كان سايق بسرعة چنونية على طريق الكورنيش، وأخويا ياسين قاعد ورا على كرسيه
المتحرك، الكرسي اللي مبيفارقوش من يوم الحاډثة اللي ماټ فيها أبونا وأمنا من خمستاشر سنة. فجأة، طارق فقد السيطرة على الدريكسيون أو ده اللي أنا افتكرته وقتها والعربية كسرَت السور الحديد ونزلت في المية. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
الخبطة خلتني دايخة ومش مستوعبة، ولما فوقت كانت المية غطت رجلي….
طارق! الباب مش عايز يفتح!
مردش عليا.
بصيت عليه لقيته بيفك حزام الأمان ببرود يرعب، نزل إزاز الشباك وخرج يعوم بمنتهى الهدوء.
صړخت بكل صوتي
ياسين ورا يا طارق!
حتى مابصش وراه.
حاولت أفك حزام الأمان بتاعي، لقيت الإبزيم معلّق. مديت إيدي تحت الكرسي، ولمست حاجة معدن.. سلك حديد ملفوف بإحكام ورابط الحزام في شاسيه الكرسي. في اللحظة دي بس، فهمت إن الموضوع مكنش حاډثة قضاء وقدر.
المية وصلت لصدري. بصيت من الشباك وشوفت طارق بيوصل للشط، بس مكنش لوحده؛ كانت واقفة مستنياه بشمسية.. كاميليا، بنت خالتي، وبطنها باين عليها علامات الحمل. حكايات_مني_السيد
شوفت طارق وهو بيحضنها، وهي بتطبطب على وشه، وبعدها الاتنين بصوا على العربية وهي بتغطس وتختفي تحت المية، وعلى وش جوزي ابتسامة شماتة.
تلات سنين جواز.. تلات سنين بيقنعني فيهم إني حبه الوحيد، كل ليلة يعملي كوباية لبن دافي بإيده عشان أرتاح من تعب إدارة ورش ومصانع المراكب اللي سابوهالنا أهلي في إسكندرية.. ودلوقتي واقف يتفرج عليا وأنا بمۏت بالبطيء.
فريدة..
صوت ياسين جه من ورايا، التفتّ وأنا مڼهارة من العياط، والمية خلاص قربت تغطي وشه
سامحني يا ياسين.. أنا اللي دخلت الراجل ده وسطينا ووثقت فيه. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
غمضت عيني مستسلمة للمۏت، وفجأة سمعت صوت خبطة جامدة ورايا، وبعدها خبطة تانية.
فتحت عيني.. ياسين مكنش قاعد على الكرسي.
ياسين كان واقف بطوله جوه العربية، رجليه الاتنين تابتين على الأرض.
طلع كتر حديد صغير كان مخبيه تحت الجاكت، وقص السلك اللي ماسك حزامي في ثواني.
اتسمرت مكاني من الصدمة
رجليك؟! أنت بتمشي؟!
هفهمك بعدين، مش وقته!
ضړب الباب اللي وراه برجله بكل قوته أول ما ضغط المية اتساوى، الباب اتفتح، وشدني معاه لبرة العربية.
حاولت أطلع على السطح عشان أتنفس، بس ياسين مسكني بقوة ومنعني
لأ.. متطلعيش.
ھنموت مخنوقين!
طلع أنبوبة تنفس طوارئ صغيرة من كيس عازل للمية كان لافه حوالين وسطه، وقربها من بوقي
طارق واقف على الشط ومراقب المية.. لو حس بس إنك لسه عايشة، هيرجع يخلص علينا.
عمنا تحت المية لمسافة بعيدة لحد ما دخلنا في ممر صيانة قديم تحت عواميد الكوبري الخرسانية، مكان مستخبي تماماً عن عيون أي حد على الطريق.
أول ما طلعت راسي وأخدت نفسي، زقيت ياسين في الحيطة وصړخت پهستيريا
١٥ سنة! ١٥ سنة مفهمنا إنك مشلۏل ومبتقدرش تتحرك؟!
ياسين مبصليش پغضب، كل اللي قاله بهدوء يوجع
لأن الحاډثة اللي ماټ فيها أبونا وأمنا.. مكنتش قضاء وقدر هي كمان.
الدنيا لفت بيا
أنت بتقول إيه؟!
بص في عيني وقال
عيلة طارق بقالها خمستاشر سنة بتخطط تحط إيدها على كل أملاكنا وشغل البحر بتاعنا، طارق عمره ما اتجوزك عشان بيحبك.. والنهاردة هو مكنش بيحاول يقتلك عشان يورثك وبس، هو كان بيكمل اللي أبوه بدأه زمان مع أبونا وأمنا…
في الليلة دي، فهمت إن جوازي كله كان مجرد كدبة .. بس الصدمة الأكبر مكنتش في محاولة
قتلي غرقانة، الصدمة كانت لما عرفت طارق كان بيحطلي إيه في اللبن الدافي كل ليلة على مدار تلات سنين من غير ما أحس ووو…..!!!!
حكايات_مني_السيد
الفصل الثاني
فضلت باصة في عيني ياسين وأنا مش قادرة أستوعب كلمة واحدة من اللي قالها.
طارق عمره ما حبني.
الجملة دي لوحدها كانت كفاية تهد أي ست من جواها، بس أنا كنت لسه خارجة من العربية اللي كان سايبني أموت فيها، ولسه المية في هدومي، ولسه صدري بيوجعني من كتم النفس، ولسه شايفة بعيني جوزي وهو بيهرب من المۏت ويسيبني أنا وأخويا ليه.
لكن كلام ياسين كان أكبر من الخېانة.
أكبر من محاولة القټل.
كان بيتكلم عن خمستاشر سنة من الكدب.
خمستاشر سنة من الأسرار.
خمستاشر سنة وأنا عايشة وأنا فاكرة إن الحاډثة اللي أخدت أبويا وأمي كانت مجرد قدر أسود كتب علينا.
بصيت له وقلت بصوت متقطع
يعني إيه عيلة طارق كانت بتخطط تستولى على أملاكنا من خمستاشر سنة؟
ياسين سند ضهره على الحيطة الخرسانية، ومسح المية من على وشه، وقال
يعني اللي حصل لأبونا وأمنا مكنش حاډثة.
أمال كان إيه؟
سكت.
سكوته خلاني أتعصب أكتر.
رد عليا يا ياسين!
رفع عينه ليا وقال
اتقتلوا.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
مين قټلهم؟
لسه معرفش بالاسم.
لسه؟!
ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة.
عشان كده خليت نفسي قدام الكل مشلۏل.
بصيت له باستغراب.
مش فاهمة.
لو كنت أعلنت إن رجلي خفت من زمان، كانوا هيعرفوا إني قادر أتحرك وأدور وأسأل وأفتش. كانوا هيتخلصوا مني زي ما حاولوا يتخلصوا منك النهاردة.
قربت منه وأنا برتعش.
وأنت كنت عارف إن طارق هيقتلني؟
بص في الأرض.
كنت شاكك.
صړخت فيه
شاكك؟! شاكك وسايبني أتجوزه؟!
كنت فاكر إني هقدر أحميكي.
تحميني إزاي وإنت سايبني أنام جنبه كل ليلة؟!
سكت.
فضلت أضربه على صدره بإيدي.
تلات سنين يا ياسين! تلات سنين وأنا عايشة معاه! تلات سنين وأنا بثق فيه! تلات سنين وأنا باكل وأشرب وأنام وأنا مش عارفة إن جوزي عايز ېقتلني!
مسك إيدي.
وأنا كنت بحاول أعرف السبب.
السبب؟!
طارق مكانش عايز يقتلك عشان يورثك وبس.
أمال عايز إيه؟
بصلي في عيني.
عايز حاجة موجودة في اسمك.
اتجمدت.
إيه؟
المصنع القديم.
مصنع المراكب؟
هز راسه.
مش المصنع نفسه.
سكت شوية، وبعدين قال
الأرض اللي المصنع مبني عليها.
ضحكت من شدة الصدمة.
يعني كل ده عشان أرض؟
لأ.
أمال إيه؟
قرب مني وقال بصوت واطي
عشان اللي مدفون تحت الأرض دي.
سكت.
بصيت له كأني مستنية يكمل.
لكنه ماكملش.
إيه اللي مدفون؟
قال
ده اللي لازم نعرفه قبل طارق ما يعرف إننا عايشين.
في اللحظة دي، سمعنا صوت موتور عربية من بعيد.
ياسين رفع إيده بسرعة.
اسكتي.
اتسمرت مكاني.
الممر كان ضيق ومظلم، وصوت العربية كان واضح من فتحة بعيدة بين الأعمدة.
قرب مني ياسين، وحط إيده على بوقي.
لو طارق لسه بيدور علينا، لازم يفتكر إننا متنا.
صوت العربية وقف.
وبعد ثواني سمعنا باب عربية بيتقفل.
قلبي كان هيطلع من صدري.



