
الليلة دي، البيت مكنش زي الاول أبداً. منى خرجت من العزومة وهي مكسورة الجناح، وشها في الأرض، وكل قرايبها وحماتها وأيضاً جوزها بقوا باصين لها بنظرة تانية خالص. مبقاش حد يطيق كلماتها السمجة، وكل ما تحاول تلمح من بعيد أو قريب عن النمش بتاعي، كان جوزها أو أي حد من العيلة بيقطع عليها الكلام فوراً بكلمة جارحة أو نظرة تحذير.
لكن منى… الست دي من النوع اللي مبيتعلمش بالساهل. الكبر والغرور كانوا عميينها، وبدل ما تراجع نفسها وتعتذر، قررت إن الحرب بيننا بقت “شخصية جداً”، وإنها لازم تلاقي طريقة تانية تكسرني بيها، بس المرة دي.. بعيد عن الأكل!
خطة “النظافة الخارقة”
بعدها بأسبوع تقريباً، لاحظت غريب في طريقة تصرفات منى. بقت تمسك “كلور” ومطهرات قوية جداً، وتمسح ورايا في كل مكان أنا أتحرك فيه!
لو دخلت المطبخ شربت كوباية مية وحطيتها في الحوض، أول ما أخرج، تطلع تجري ورايا وتمسك الكوباية بقفازات وتغسلها بماء مغلي وتطهر الحوض كله كأني كنت حامل “فيروس وبائي”!
لو قعدت على كرسي في الصالة، أول ما أقوم، تروح تجيب ملمع ومطهر وتمسح مسند الكرسي اللي إيدي لمسته، وهي بتعمل كده وهي بتبصلي بنظرات شيطانية كأنها بتقول: “أنا بعرف أرد بطريقتي.”
كنت بشوف الهبل ده وأنا حاطة رجل على رجل، ومأديش الموضوع أي اهتمام. سبتها تهري نفسها في التنظيف والوسواس اللي صنعته بإيدها، لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه أديها “الضربة القاضية” اللي هتخليها تبطل الهبل ده للأبد.
الفخ المنزلي المتقن
في يوم من الأيام، حماتي كانت تعبانة شوية ونايمة في أوضتها، وسامح وأخوه (جوز منى) في الشغل، والبيت مكنش فيه غير أنا ومنى وأولادنا.
دخلت المطبخ عشان أعمل كوباية نسكافيه ليا، وسبت الموبايل بتاعي على ترابيزة الصالة.
منى لما شافتني دخلت المطبخ وسايبة الموبايل بره، لقت الفرصة ذهبية عشان تنفذ حركات الاستفزاز بتاعتها. دخلت الصالة، ومن غير ما تحط إيدها على الموبايل، جابت مسطرة طويلة من شنطة ابنها، وزقت الموبايل بيها عشان يقع على الأرض وتكسر الشاشة، وهي بتتمتم بصوت عالي متعمد: “ايه ده.. معلش اصل إيدي مابتجيش جنب حاجات سلوى خالص عشان النمش!”.
طبعاً الموبايل وقع على الأرض وانكسرت شاشته نصين!
أنا طلعت من المطبخ على صوت التكسير، وبصيت للموبايل الواقع على الأرض، وبعدين بصيت لمنى اللي كانت واقفة مبتسمة بانتصار وخبث وقالت ببرود مصطنع: “ياااه! ألف سلامة على الموبايل يا سلوى.. معلش أصل المسطرة وقعت مني بالغلط.. بجد أسفة!”
المواجهة الحاسمة وبداية النهاية
كنت مستنية اللحظة دي بالظبط. مكانتش مصادفة إني أسيب الموبايل، ولا كان غريب إنها تعمل كده. أنا كنت حاطة موبايل قديم “شغال بس شاشته القديمة كانت ضعيفة”، وكنت عارفة إنها هتحاول تكسره أو تأذيه من كتر الغل اللي جواها!
نزلت على ركبي، ولميت الموبايل بهدوء شديد، ووقفت وبصيت لها وابتسمت ابتسامة باردة جداً خلت عينيها تتسع برعب مفاجئ.
“عادي ولا يهمك يا منى.. فداكي يا ستي!”
اتفاجأت من رد فعلي الهادي، وقالت بارتباك: “إنتِ.. إنتِ مش هتزعقي؟ ده موبايلك غالي!”
“يزعل الموبايل؟ أبداً.. بس اللى مش عادي، إن الكاميرا المخفية اللي أنا زرعتها في الصالة من أسبوع عشان تراقب “نظافة البيت” زي ما إنتِ مهتمة.. تكون صورت كل حركة عملتيها بحذافيرها، من أول زق المسطرة لحد كسر الموبايل، بل والصوت والصورة كمان واضحين زي الشمس!”
منى وشها خطف، ولونه بقى أبيض كالثلج، وجسمها بدأ يترعش وقالت بصوت متهدج: “كاميرا.. كاميرا إيه؟ أنتِ بتهزري!”
يا ترى منى هتعمل إيه لما تتأكد إن حركاتها اتصوررت، وإيه هيكون موقف جوزها وعيلة البيت لما يشوفوا الفيديو؟
الجزء
كلمات الفيديو نزلت على منى كالصاعقة؛ ركبتها بقت تشيلها بالعافية ولسانها تهته لدرجة أنها مكنتش قادرة تنطق بحرف واحد صحيح. وقفت قدامها وأنا ماسكة التاني (الموبايل القديم المكسور) في إيدي ببرود تام، وبصوت هادي وواثق قلت لها:
“تحبي تشوفي الفيديو يا منى؟ ولا نبعته لسامح وجوزك وعمي عشان يشوفوا نظافة قلبك قبل نظافة البيت؟”
وقعت منى على الكرسي وهي حاطة إيدها على وشها، وبدأت تعيط بدموع تماسيح وتقول بصوت مكسور:
“خلاص يا سلوى.. والنبي بلاش تفضحيني عند جوزي.. والله ما أنا قايلَة حاجة تاني عن النمش بتاعك، ولا هقرب من حاجتك أبداً! سامحيني!”
بصيت لها بنظرة شفقة مليانة انتصار، وقلت:
“أنا مش هفضحك يا منى.. لأن الهبل اللي بتعمليه ده بيفضحك لوحده، بس لُعبة القرف والنمش دي تنتهي فوراً، ومن النهاردة، الكلمة اللي هتطلع من لسانك في حقي هتكون آخر يوم لك في البيت ده، فاهمة ولا أعيد?”
هزت راسها بسرعة كالمجنونة وهي بتعيط وتقول: “فاهمة.. فاهمة والله!”
لم شمل العيلة على الحقيقة
بالليل، رجع سامح وجوزها من الشغل، ولقوا منى قاعدة هادية جداً، مابتتكلمش ولا بتعلق على أي حاجة كأنها قطة مبلولة. سامح لاحظ إن موبايلي مكسور وسألني بإستغراب، فقلت له بابتسامة: “الخط وقع مني واتكسر يا حبيبي، وحصل خير.”
منى بصتلي بنظرة امتنان وعين مكسورة، وفهمت إنها خرجت من المعركة دي بأقل خسائر ممكنة، بعد ما أدركت إن حيلها الرخيصة مبقتش تأكل عيش قصادي، وإني قادرة أخد حقي بذوق وهدوء من غير حتى ما أرفع صوتي.
ومن اليوم ده، البيت رجع له الهدوء والسلام الحقيقي، والنمش اللي في إيدي مبقاش يضايقني.. بالعكس، بقى علامة النصر اللي فكرتني إني قادرة أقف قدام أي حد يحاول يقلل مني!
مرت الأيام بعد ليلة الفيديو والمواجهة السريعة، وكأن السحر انقلب على الساحر بشكل تام. منى مبقاش صوتها يسمع خالص في البيت؛ بقت تمر من جنبي كأنها مش شايفاني، ولو بالغلط جت عينها في عيني، كانت بتبص في الأرض فوراً من شدة الكسوف والخوف إني أفتح سيرة الفيديو أو أقرر أعرف جوزها اللي كان هيطلقها لو عرف حجم غلها وخبثها.
أما أنا، فبقيت أتحرك في البيت بكل حرية وثقة. النمش اللي في إيدي ووشي، واللي هي كانت متخضاه سلاح تكسرني بيه، بقيت أشوفه في المراية كل يوم وأبتسم. مبقاش يعرّفني بالضعف، بالعكس.. بقى وسام على صدري بيفكرني إني ست قوية، أعرف أخد حقي بذوقي وهدوء وبدون ما أنزل لمستوى الصراخ وقلة الأدب.
لمة العيلة الحقيقية
في جمعة من الجُمَع، البيت كان مليان بالعيلة كلها تاني؛ حمايا، حماتي، سامح، وأخوه وأولاده. العادة إن الجمعة دي بتبقى مشحونة بالتوتر، خصوصاً بعد المواقف اللي فاتت، بس المرة دي الجو كان مختلف تماماً.
كنت واقفة في المطبخ بجهز أصناف الحلو بنفسي، ومعايا طبق كبير مليان بسكويت ومكسرات. منى دخلت المطبخ فجأة، وكانت واقفة لوحدها، باين على وشها التردد والندم الحقيقي.
قربت مني بصوت مكسور وقالت:
“سلوى.. أنا.. أنا عايزة أقولك كلمة حق قبل ما حد يدخل.”
بصيت لها وأنا بكمل شغل بهدوء: “قولي يا منى، سامعاكي.”
نزلت دمعة حقيقية من عينها وقالت:
“أنا كنت غبية.. كنت بطلع عُقد غيرتي فيكي، وكنت فاكرة إني لما أكسرك هبقي أنا الأفضل.. بس لقيت نفسي أنا اللي صغرت قدام نفسي وقدام الكل. شكراً إنك ما فضحتنيش قدام جوزي.”
بصيت لها بابتسامة دافية وخالية من أي شماتة، وقالت لها:
“يا منى، أنا مش إنسانة انتقامية، وكل اللي كنت عايزه أقولهولك حاجة واحدة بس: البيوت مابتستمرش بالتمثيل ولا بالخيانات، ولا بالاستقواء على خلق الله بحاجة ملهمش ذنب فيها. اعتبري اللي فات مات، وابدئي صفحة جديدة نضيفة، مش بس في المطبخ.. لأ، في قلبك كمان.”
هزت راسها بسعادة وامتنان، وساعدتني بنفسها نشيل الأطباق ونطلعها للصالة.
الختام
خرجنا على الصالة، وحطيت الأطباق قدام الكل. سامح بص لي نظرة كلها حب وفخر، وغمز لي بعينه وكأنه بيقولي: “كنتِ وما زلتي ملكة البيت.”
حمايا خد قطعة من الحلو وقال: “تسلم إيدك يا سلوى يا بنتي.. ربنا ما يحرمن أبداً من نفسك الطيبة وجمال أكل.”
قعدت جنب سامح، وشربت كوباية الشاي، وبصيت لإيدي اللي مليانة نمش.. حسيت إن الدنيا أخيرًا صفت
، وإن كل عاصفة عدت، سابت وراها جو أصفى وأجمل بكتير.


