
فجأة، وبدل ما تقول “حاضر” زي كل مرة، السكوت اللي على الناحية الثانية من التليفون انقطع بصرخة مكتومة ونبرة صوت كانت مليانة قهر وغضب محبوس من زمان!لقيتها بتقولي بصوت بيرتعش بس قاطع وزي السيف:* لا يا طنط! لحد هنا وستوب بقى!
أنا مش هغسل سجاجيد ولا بطاطين حد!أنا اتسمرت مكاني من صدمة الرد، وقبل ما ألحق أرد أو أزعق، كملت كلامها والانفجار اللي جواها طلع مرة واحدة:* أنا إخلاصي ليكم وطيبتي وإني كنت بعمل بأصلي معاكم من أول يوم هي اللي خلتكم تستغلوني بالطريقة دي!
انتوا إزاي كده؟! بدل ما تودوهم المغسلة زي خلق الله، جايين تستسهلوا وعايزين “الخدامة أم بلاش” اللي تنفذ طلباتكم وتغسلكم ورجليها في المية الساقعة؟!كانت بتتكلم بسرعة وبحرقة ونفسها طالع نازل، وكأن كل المهانة اللي سكتت عليها من يوم الباديكير لحد المواعين والمحشي انفجرت في وشي مرة واحدة:* أنا عملت أصل بأخلاقي واحترامي لجوزي ول سنِك، لكن للأسف اتأكدت إن الطيب في الزمن ده والبيت ده بالذات بتستغلوه وتدوسوا عليه!
أنا مش هعمل حاجة لحد تاني خلاص، واليوم اللي كنت بجي فيه أخدمكم انتهى!وقبل ما ينطق لساني بحرف أو ألحق أرد عليها، لقيتها قفلت السكة في وشي!قعدت بصة للتليفون وأنا مش مصدقة اللي سمعته، ووشي جاب ألوان.
. وبناتي كانوا قاعدين جمبي مستنيين أقولهم جت، فبصولي بذهول وقالوا:* إيه يا ماما؟ في إيه؟ هي قالتلك إيه؟!بصيتلهم وأنا زوري ناشف من الصدمة وقلت:* البت انفجرت وقالت مش جاية.. وقفت في وشي وقفلت السكة!وهنا بقى أدركت إن الحبل اللي كنت بفرده عشان أروضها بيه.
. اتقطع في إيدي مرة واحدة!أول ما قفلت السكة في وشي، الدم غلى في عروقي ووشي جاب ألوان من الغضب.. إزاي بت زي دي تقف في وشي وتقفل التليفون بالطريقة دي؟!مسكت التليفون بإيدين بترتعش من العصبية، وبناتي طالعين نازلين جمبي يشحنوا فيّ، وزعقت:* والله ما هعديهالها!
بقى البت دي تتطاول عليّ وتتهمني بالاستغلال؟! أنا هعرف جوزها إزاي يربيها من أول وجديد!طلبت رقم ابني بسرعة، وأول ما رد، ما اديتلوش فرصة ينطق ولا يقول “ألو”، وبدأت أصوت وأمثل الدور بنبرة كلها حسرة وغضب:* الحقني يا ابني!
تعالى شوف مراتك اللي اخترتها إزاي بتهين أمك وأخواتك وتصرخ في وشي في التليفون! بقى بكلمها بالذوق أقولها تعالي طلعي معانا بطاطين الشتا، تطول لسانها وتقولي انتوا استغاليين وعايزين خدامة أم بلاش؟! وتقفل السكة في وشي؟! هي دي الأصول اللي اتربت عليها؟
!كنت مستنية منه يسور ويزأر، ويقولي “حاضر يا أمي حقك عليّ وأنا هجيلك أكسر رأسها”.. بس السكوت اللي خيم على الناحية التانية كان يرعب!سمعت تنهيدة طويلة وتقيلة منه، وبعدها رد بصوت هادي أوي.. بس هدوء يرعب، هدوء حد كان كاتم جواه ك كلام كتير وأخيراً جاب أخرة:* خلصتي يا أمي؟
اتسمرت مكاني وقلتله باستنكار:* إيه “خلصتي” دي يا ابني؟! انت مش سامع أنا بقولك إيه؟!رد بصلابة وصراحة صدمتني، وصوته فيه نبرة عتاب وعصرة قلب:* سامع يا أمي.. وحافظ كمان. بصراحة كده؟ مراتي عندها كل الحق في كل كلمة قالتها!
بناتي الشهقة طلعت منهم، وأنا عيني وسعت وصرخت:* إنت بتقول إيه يا ولد؟! انت بتيجي في صفها ضد أمك؟!قال بنبرة حاسمة وقاطعة:* أنا مش باجي في صف حد ضد حد يا أمي، أنا باجي مع الحق!
أنا من أول يوم شفتكم قاعدين وهي تحت رجليكم بتعملكم باديكير ودموعها في عينيها، وأنا قلبي بيتقطع عليها.. كنت شايف الاستغلال بعيني، وشايفكم كل يوم تحملوا عليها في مواعين وأكل وخدمة ونزول وطلوع وكأنها شغالة عندكم مش عروسة جديدة!
كمل وهو بيتنفس بسرعة وبحرقة:* أنا سكتّ كل الفترة دي مش عشان عاجبني الوضع، ولا عشان أنا خايف أو مش راجل! أنا سكتّ عشان كنت بقول لنفسي يمكن هي حابة تجاملكم، يمكن بتعمل كده برضاها وبأصلها عشان تقرب منكم، وما حبّيتش أعمل مشكلة وأبقى أنا اللي بعكر الصفو.
. بس لما لقيت الموضوع زاد عن حده وبقى استغلال صريح ل طيبتها وأصلها، كنت مستني اللحظة اللي هي بنفسها تحط فيها حد للمهزلة دي!وقف ثواني عشان يأخد نفسه، وبعدين كمل بكلمات كانت زي المرزبة على دماغي:* مراتي مش خدامة لحد يا أمي..
ولا هي جاية تتجوزني عشان تخدم أخواتي وتغسل سجاجيد وبطاطين! اللي عايز يغسل حاجته يوديها المغسلة أو يغسلها بإيده.. من النهاردة مراتي مش هتعمل حاجة لحد، وحقها عليّ أنا إن سكتّ من الأول وسبتكم تستغلوها. ويا ريت ما حدش يطلب منها حاجة تاني بعد اذنكم.
وقبل ما ألحق أرد أو أستوعب إن ابني وقفت في وشي عشانها.. سمعت صوت تكة الخط وهو بيبفل السكة!قعدت على الكرسي ومش قادرة آخد نفسي، وبناتي بيبصوا لبعض بذهول وذهول، وأنا حاسة إن القلم اللي أكلته من مراته كان أهون بكتير من القلم اللي أكلته من ابني!
التليفون وقع من إيدي على الكنبة، وساد الصمت في الصالة كأن على رؤوسنا الطير.. بناتي تبادلوا النظرات المذهولة، وواحدة فيهم حطت إيدها على بقها مش مصدقة إن أخوها الوحيد، اللي كنا فاكرينه في جيبنا، يقف الوقفادي قدامنا ويقفل السكة في وشي عشان خاطر مراته!
قعدت مذهولة، صدري يعلو ويهبط من كثرة الغيظ والصدمة.. القلم كان جامد، والض. ربة جَت من المكان اللي ما كنتش أتوهم إنه ييجي منه أبداً. طول العمر بكلمتي، والكل بيعملي ألف حساب، تيجي بت كملت في البيت كام شهر تقلب ابني عليّ وتخليه يشوفني أنا وبناته “استغلاليين”؟
!بنتي الكبيرة قربت مني وهي وشها أحمر من الغضب وقالتلي:* شفتي يا ماما؟ شفتي ابنك الكبير بيبيعنا إزاي عشانها؟! بقى إحنا بقينالوا استغلاليين؟! والله البت دي ساحراله وممشياه على عجين ما يلخبطوش!رديت أنا بصوت مخنوق ومكسور من القهر، بس نبرة التحدي لسة جوايا:* ما عاش ولا كان اللي يقلب ابني عليّ!



