
> “بإسم الشعب.. وبحضور المتهم مروان.. حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، بإعدام المتهم شنقاً حتي ، لتثبت في العمد مع سبق الإصرار والترصد!”
>
سقوط الستار وبداية السلام
أول ما سُمِع حكم الإعدام، أمه صرخت صرخة رعب وملت القاعة عياط، ووقعت مغشيًا عليها. أما مروان، فوقع على ركبه جوه القفص، وتهدمت كل أحلامه واختفت كل ألاعيبه في ثوانٍ معدودة.
أما أنا؟ فوقفت مكانى، بصيت للسماء، ودموع الفرح والراحة نزلت على خدودي. حسيت إن روح ريهام :
— “ارتاحي يا حبيبتي.. حقك رجع، وعشماوي جاب لك تارك.. نومي قريرة العين يا عروسة الجنة.”
الجزء الرابع:
محاولات الابتزاز والضغط
في الأسابيع التي سبقت جلسة النطق بالحكم النهائي، تعرضت لضغوط مرعبة. أسرار وعائلات كثيرة تدخلت، وكانوا يأتوني إلى المنزل يترجوني للتنازل:
— “يا أم ريهام، ابني ضاع.. ارحميه واقبلي الدية، البنت ماتت ولن تعود!”
لكن في كل مرة كانت تفتح لي الباب، كنت أنظر لعينها وأتذكر وجه ابنتي في الكفن، وبؤها الخالي من الأسنان، وكيف غدر بها هذا الحقير ليلة عُرسها. كنت أطردهم بكل قوة وأقول لهم بصوت يعلوه الغضب:
— “دم بنتي ليس له ثمن بكل أموال الأرض! ابنكم لم يرحمها وهي عروسة، ولن أرحمه أمام قاضي العادلين!”
خطة الدفاع المضادة
في المقابل، كان فريق الدفاع عن مروان يحاول التشبث بأي قشة. دفعوا بتقرير طبي مزور مفاده أن ريهام كانت تعاني من أمراض مزمنة في القلب، وأن الوفاة طبيعية تماماً، وأن الكدمات في فمها حدثت نتيجة سقوطها المفاجئ على الأرض من شدة الإغماء!
لكن محامينا المخلص لم يترك لهم فرصة لالتقاط الأنفاس. استعان بشهادة شهود عيان لم نكن نتوقعهم من الأساس:
* طبيبة الطوارئ المناوبة التي استقبلت الحالة في المستشفى، والتي أكدت في شهادتها المكتوبة والشفوية أمام القاضي أن الحالة كانت تظهر عليها علامات واضحة والتسمم الكيميائي البطيء، وأن الكدمات الموجودة حول الفك واللثة كانت نتيجة صراع وعنف
* صديقة مقربة لريهام، والتي قدمت رسائل صوتية عبر تطبيق الواتساب أرسلتها لها ريهام قبل بساعات قليلة، تقول فيها بصوت مخنوق ومرعوب: “الحقي يا هدى.. مروان طلع متجوز عليا قبل كده، عشان أسكت.. أنا خايفة منه ومش عارفة أعمل إيه!”
هذه الرسائل الصوتية وحدها كانت بمثابة “القاضية” التي نسفت كل دفوعات محامي مروان، وحطمت حججه تماماً أمام منصة القضاء.
ليلة النطق بالحكم، لم أنم دقيقة واحدة. كنت جالسة في صالتي المظلمة، ممسكة بصورة ريهام بفستانها الأبيض، أدعو الله طوال الليل أن ينصرني، وأن يبرد حرقة قلبي وقلب أم مكلومة لم تتبقَ لها في الوجود غير ابنتها. هدى (صديقتي وجارتي الوفية) كانت تقف إلى جواري، تحضر لي كوب الشاي وتمسح دموعي وهي تقول:
— “اطمئني يا طنط.. ربنا حق، وحق ريهام لن يضيع أبداً.”
صباح المحكمة المشهود
في صباح اليوم التالي، توجهت إلى محكمة الجنايات وسط حراسة أمنية مشددة. القاعة كانت تضج بالبشر؛ صحفيون، محامون، فضوليون، وأهل المتهم الذين كانوا يحاولون إخفاء وجوههم من نظرات الاحتقار التي كانت تلاحقهم من كل الحاضرين.
دخل مروان من باب القفص، وكان شكله قد تغير تماماً؛ فقد وزنًا كبيرًا، وشعره منكوش، وعيونه غائرة في وجهه من شدة الرعب وقلة النوم. لم يعد ذلك الشاب الأنيق المبتسم الذي خدعنا طوال سنة الخطوبة، بل أصبح شبحاً إنسانياً مطروداً من رحمة الله والناس.
وعندما دخل القاضي الجليل منصته، وساد الصمت التام في القاعة كأنها قبة خاوية، بدأ تلاوة حيثيات الحكم بصوت عميق ومهيب:
— “بعد استعراض الأوراق، وسماع الشهود، ومطالعة تقارير الطب الشرعي، واستماع المرافعة، ثبت للمحكمة وبما لا يدع مجالاً للشك، أن المتهم مروان (..) قد بيت النية وعقد العزم على التخلص من زوجته المجني عليها ريهام ليلة زفافهما، بعد أن افتضح أمره وكشف سره الدفين في الزواج السري والنصب، فقدم لها السم الحارق واستخدم العنف الجسدي لأسكاتها.. وحيث إن الجريمة هزت الضمير الإنساني واستوجبت أقصى عقوبة… حكمت المحكمة حضورياً بالإعدام شنقاً حتى الموت!”
الجزء السادس: ما بعد العاصفة.. والوفاء بالعهد
الصرخة التي أطلقتها أم مروان داخل قاعة المحكمة بعد سماع الحكم، هزت الجدران، وانهارت على الأرض مغشياً عليها، بينما أسرع الحراس لإخراجها. أما مروان، فوقع على ركبتيه داخل القفص، وجهه بين يديه وهو يبكي أما أنا؟ فلم أصرخ، ولم أزغرد، بل نزلت دمعة حارة ساخنة على خدي، ورفعت يدي إلى السماء وأنا أقول بصوت هامس يملؤه اليقين:
— “الحمد لله.. الحمد لله الذي أظهر الحق ونصر المظلومين. ارتاحي في قبرك يا ريهام، تاركِ عاد، وحقك رجع كامل غير منقوص.”
صفحة جديدة وذكرى خالدة
مرت الشهور بعد الحكم، وتم تأييد الحكم في درجات التقاضي العليا، ليعاقب المجرم بما اقترفت يداه. أنا اليوم عشت حياتي بهدوء وثبات؛ أنشأت “دار رعاية أطفال أيتام” وأسميتها على اسم ابنتي “دار ريهام للخير”، لكي يكون ثواب كل عمل صالح يصل إلى قبرها ويزيد من نورها.
هدى وأولادها أصبحوا عائلتي الحقيقية، يملؤون عليّ البيت حركةً وضَحِكًا. وفي كل ليلة، قبل أن أنام، أنظر إلى صورة ريهام وهي بفستانها الأبيض، وأبتسم لها وأنا أقول:
— “تصبحين على جنة يا ضحكة عمري.. أمك لم تخذل أبداً.”




