
من بعد ما اتجوزنا، جوزي أحمد كان كل يوم بعد ما يرجع من الشغل يدخل المطبخ بنفسه ويطبخ. كان دايمًا يقول إن أكل بره مش مضمون، وإنه مستحيل يسمح ليا أنا وبنتنا ناكل أكل مش عارف معمول إزاي.
وكان مُصر إنه بنفسه يعمل لنا أكل صحي ومتكامل.
خمس سنين كاملة…
مهما كان تعبان، مهما كان الجو حر أو برد، مهما رجع متأخر من الشغل…
عمره ما قطع العادة دي.
لكن كان فيه حاجة واحدة غريبة جدًا.
أحمد نفسه عمره ما كان بياكل من الأكل اللي بيعمله.
كل مرة كان عنده حجة مختلفة.
مرة يقول: أنا شبعت من ريحة الأكل وأنا بطبخ.
ومرة: أنا أكلت في الشغل.
ومرة تانية: اليومين دول بقلل سكريات ونشويات.
وأنا…
كنت بصدقه.
ماكانش عندي أي سبب يخليني أشك فيه أصلًا.
لحد اليوم اللي صاحبتي المقربة منى جت تزورني وتاكل معانا.
منى كانت دكتورة تعمل في مجال الفحص المخبري والتحليلات.
أول ما داقت معلقة واحدة من الشوربة…
وشها اتغير فجأة.
قامت من على السفرة باستئذان، وبعد دقايق خرجت ووشها باين عليه القلق الشديد.
قربت ناحيتي، وراحت ماسكة الطبق بحذر وبعَدته عن إيدي بهدوء.
وقالت بصوت منخفض ومتحفظ: سارة… من الأفضل ما تكليش من الأكل ده تاني!
1
في اللحظة اللي منى بعدت فيها الطبق، أنا فضلت واقفة مكاني مش فاهمة أي حاجة.
منى دقيقة جدا بحكم شغلها العلمي والمخبري، وعادةً ما بتبtaز بالهدوء والثبات في أشد المواقف.
لكن دلوقتي…
منى كانت واقفة في بيتي وملامحها بتكسوها حيرة بالغة وقلق واضح.
قلت وأنا بقوم عشان أقرب منها: منى… مالك؟ إنتِ كويسة؟
لكنها فضت مكانها وبصت ل بنتي ملك اللي عندها أربع سنين، وبعدين بصتلي.
شفايفها كانت بتترعش كأنها عايزة تقول حاجة ومش عارفة تبدأ منين.
فضلت باصة ناحية حلة الشوربة اللي لسه البخار طالع منها.
وبصوت متوتر سألت: الشوربة دي… مين اللي عاملها؟
قلت باستغراب: أحمد طبعًا. هو مين غيره؟ عملها الصبح قبل ما ينزل، وقال لي لما يرجع بالليل هيعمل لنا أكل تاني.
وش منى زاد قلق.
بصتلي وقالت: الشوربة اللي أحمد بيعملها دي… إنتِ وملك بتشربوها بقالكم قد إيه؟
قلت: أكتر من خمس سنين تقريبًا. بيعملها كل يوم وبيقول إنها مفيدة ومغذية.
بلعت منى ريقها وفتحت بقها كأنها هتقول تفسير علمي، وبعدين سكتت.
وفجأة…
راحت ناحية السفرة، خدت طبق ملك، ومشت بيه على المطبخ بهدوء.
وفرغت الشوربة بحرص، من غير أي دراما، في الحوض.
صرخت فيها باستغراب: منى! إنتِ بتعملي إيه؟!
لكنها التفتت لي وقالت بصوت هادئ لكن حازم: ماتاكليش منها تاني.
وسكتت ثانية قبل ما تضيف: من النهارده… أتمنى ولا نقطة واحدة من الشوربة دي تدخل بوقك إنتِ أو ملك!
فضلت باصة لها: ليه؟! يا منى فيه إيه؟ فهّطيني!
قربت مني وقالت بصوت مبحوح: أنا مش هقدر أقول لك كل التفاصيل دلوقتي…
لفت ناحيتي ببطء وقالت: يا سارة، خدي ملك وامشوا من البيت حالًا. روحوا اقعدوا كام يوم عند أي حد من أهلك.
بصيت لها بصدمة، فكملت: وما تقابليش أحمد دلوقتي… واستني مني اتصال.
أنا عمري ما شفت منى بالحالة دي من الجدية والحرص.
قلت بسرعة: طب على الأقل قوليلي إيه اللي لفت نظرك في الشوربة! إنتِ خوفتيني!
منى بصتلي بعيون مليانة رغبة في حمايتي، وقالت: بعدين هقول لك كل حاجة، بس صدقيني دلوقتي وأرجوكِ اسمعي كلامي.
وقبل ما ألحق أسألها تاني، قالت: أنا لازم أمشي الشغل فورًا. فاكرة كلامي كويس، النهارده بالليل ما تفضليش هنا، وخدي ملك وامشي.
وبعدها خرجت بهدوء وقفلت الباب وراها.
سابتني واقفة في الصالة، والدنيا كلها أسئلة حواليا.
2
نزلت لمستوى بنتي وحضنتها بحنان.
قالت ملك ببراءة: ماما… طنط منى كانت مستعجلة ليه؟
مسحت على شعرها وقلت: مفيش حاجة يا حبيبتي… طنط منى بس وراها شغل ضروري.
شلت ملك، لكن عيني غصب عني راحت ناحية المطبخ.
حلة الفخار كانت لسه فوق البوتاجاز والنار مطفية.
ريحتها اللي كنت بحس معها بالأمان خمس سنين كاملة… بقت دلوقتي تثير جوايا علامات استفهام غريبة وعلامات تعجب مالهاش آخر.
دخلت المطبخ وفتحت الدولاب اللي تحت الرخامة.
وسط زجاجات الصوص والبهارات المعتادة، لفت نظري علبة صغيرة من غير أي اسم أو ملصق تعريف.
فتحتها وشميتها بحذر؛ كانت ريحتها غريبة، تشبه أعشاب غير مألوفة ومركبات غير واضحة.
صورت العلبة بالموبايل وبعت الصورة لمنى مع رسالة استفسار.
استنيت… مفيش رد.
اتصلت بيها مرتين.. تلاتة.. مفيش أي إجابة.
من الصالة نادت ملك وهي جعانة، طلبت أكل سريع دليفري، لكن قلبي كان مشغول برقم منى اللي ما بيجوبش.
وفجأة…
الموبايل نور برسايل نصية من منى: “خدي ملك وامشوا بسرعة من البيت.. الحكاية أكبر بكتير وفيها أمور غامضة تخص أحمد!”
فضلت باصة للشاشة وقلبي بيدق بسرعة.
وقبل ما أستوعب، رن الموبايل برقم “أحمد”.
فضلت باصة لاسمه على الشاشة لحظات طويلة، وبعدين جاني صوته الهادئ والحنون كالعادة:




