منوعات

المربيه والبنات بقلم انجي الخطيب

أخت فريدة قربت من مريم، وقفت قدامها ومدت إيدها بسلسلة فضة صغيرة كان فيها مفتاح قديم.
مريم رفعت رأسها واستغربت:
— إيه ده؟
أخت فريدة ابتسمت ابتسامة تعبانة بس مليانة راحة وقالت بالعامية:
— ده مفتاح الخزنة الصغير اللي في مكتب ياسين تحت الأرض… المفتاح ده كان معايا من قبل ما أدخل القصر أساساً. ياسين كان فاكر إن كل حاجة اتحرقت، بس الخزنة دي مصفحة ضد النار… وفيها كل الأوراق والدفاتر اللي بتكشف شبكة غسيل الأموال والناس الكبار اللي كانوا معاه.
مريم بلعت ريقها وقالت:
— وليه بتديهولي أنا؟
ردت البنت وهي بتبص لفريدة وعم حامد:
— عشان أنتِ الوحيدة اللي ما خفتيش، ولأن البلاغ اللي هيتقدم للنيابة لازم يتقدم باسم حد مالوش أي مصلحة ولا خصومة… حد كان جاي يدور على شغل وبس، وشهد على الحقيقة كاملة.
صوت سرينات الشرطة قرب جداً، والأنوار الحمرا والأزرق بدأت تنور الشجر حواليهم.
مريم مسكت المفتاح في إيدها، وضغطت عليه بقوة. بصت للدخان اللي طالع من القصر، وبعدها بصت للبنات وللطفلة، وقالت بصوت هادي وثابت لأول مرة من بداية اليوم:
— الوظيفة كانت كابوس… بس الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.

العربيات بتاعة الشرطة والإسعاف وقفت على بعد أمتار منهم، وصوت الفرامل عمل صرير حاد على التراب. الضباط والعساكر نزلوا بسرعة، أسلحتهم مرفوعة والأنوار الكشافة بتضرب في وشوشهم وهي بتمسح المكان.
واحد من الضباط صرخ وهو بيقرب بخطوات سريعة:
— محدش يتحرك! حطوا إيديكم فوق راسكم!
عم حامد رفع إيده ببطء وهو بيحضن فريدة بجسمه عشان يحميها، والبنات اترموا على الأرض من الخوف، لكن مريم وقفت بثبات، إيدها المقفولة على المفتاح نزلت جنبها، وبصت للضابط بكل هدوء وقالت بصوت واضح وسط صوت السرينات:
— نزلوا سلاحكم… الميتين جوة القصر، واللي واقفين قدامكم دول الضحايا والشاهدين على كل حاجة.
الضابط قرب منها، عينيه جابهم من فوق لتحت، ولمح الدخان المهول اللي مغطي السما ورا السور، ووشوش البنات المليانة بتراب ودخان وشحوب الرعب. نزل سلاحه وبص لمريم بدهشة:
— أنتوا مين؟ وإيه اللي حصل جوة؟ والقصر ده بيولع كده إزاي؟!
مريم قربت منه خطوة، وفتحت كف إيدها اللي كان معلم فيه المفتاح الفضة من كتر الضغط عليه. حطت المفتاح في إيد الضابط، وقالت بالنص بالعامية المصرية وبكل قوة:
— اللي جوة تحت الردم ده ياسين حسان… الراجل اللي كان فاكر إن فلوسه ونفوذه هيحموه من دم مراته اللي قتلها من تلات سنين. المفتاح ده بتاع خزنة مصفحة تحت الأرض في القصر، فيها الدفاتر والأوراق اللي بتكشف كل شبكته وكل اسم كبير كان بيحميه.
الضابط اتصدم، وبص للمفتاح وبعدها بص لعم حامد والطفلة.
فريدة الصغيرة رفعت راسها للضابط، وقالت بصوت هادي كأنه جاي من عالم تاني:
— عمو… بابا هو اللي ولع في القصر عشان يداري جريمته… بس الأوراق اللي بتثبت إنه قتل أمي موجودة معايا ومع مريم.
الضابط وقف مذهول مش عارف يستوعب حجم الكارثة اللي اتفتحت قدامه في لحظة. لف للعساكر وزعق بسرعة:
— اطلبوا الدعم فوراً! وهاتوا بطاطين ومية للبنات دول ونقلوهم على المستشفى تحت حراسة مشددة! واطلبوا فرق الحماية المدنية والنيابة العامة فوراً لمعاينة الموقع!
خلال دقائق، المكان اتقلب خلية نخل. الإسعاف بدأت تعالج البنات وتهديهم، وأخت فريدة كانت قاعدة جنب الطفلة وعم حامد، بيبصوا للقصر اللي كانت النار بدأت تأكل أطرافه الخارجية والسقف بيقع حتة حتة، كأن الجبل اللي كان كاتم على أنفاسهم بيتفتت قدام عينيهم.
مريم كانت واقفة جنب عربية الإسعاف، حاطة بطانية على كتفها وبتبص للسما المليانة بدخان أسود.
الضابط قرب منها تاني ومسك أجندة صغيرة وقلم:
— اسمك إيه بالكامل يا أنسة؟
مريم بصت له، ابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة تعب وراحة في نفس الوقت، وقالت:
— اسمي مريم… مريم اللي كانت جاية الصبح عشان تقدم على شغل مربية، وطالعة دلوقتي وهي مسقطة إمبراطورية فساد كاملة.
وبصت للشمس اللي كانت بدأت تغرب وتختفي ورا عمود الدخان، وعرفت إن الكابوس انتهى أخيرًا، وإن الحق اللي كان مدفون تحت حوائط القصر… خرج للنور وما حدش هيقدر يداريه تاني.

عدت ستة أشهر على ليلة حريق القصر.
في قاعة المحكمة المزدحمة، كانت الجلسة الأخيرة لفض القضايا المتعلقة بإمبراطورية “ياسين حسان”. التحقيقات والطب الشرعي أثبتوا وجود جثته تحت ركام القصر بعد التحفظ على موقع الحريق، والأوراق اللي اتسحبت من الخزنة المصفحة حسمت القضية تمامًا، وكشفت كل الأطراف المشاركة في الجريمة وفي التستر عليها طول السنين اللي فاتت.
مريم كانت قاعدة في الصفوف الأولى، لابسة طقم بسيط وملامحها أخيرًا هادية ورايقة، من غير أي أثر للخوف اللي كان مسيطر عليها في الليلة دي.
جنبها كانت قاعدة الطفلة فريدة، لابسة فستان ملون ومبتسمة وهي ماسكة في إيد خالتها (أخت أمها). فريدة بدأت تتعافى، ورجعت تتكلم وتعيش حياتها كطفلة طبيعية بعد ما الكابوس اللي كان خنق أنفاسها انتهى تمامًا، وبقت تحت رعاية خالتها وعم حامد اللي اتصرف له مكافأة وتكريم من النيابة على موقفه الشجاع.
القاضي ضرب بالمطرقة على الطاولة، وقال بصوت جهوري:
— حكمت المحكمة بإغلاق القضية تمامًا، وانقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم ياسين حسان، مع مصادرة كافة أملاكه لصالح الدولة وتكفل الرعاية الكاملة لابنته فريدة.
القاعة ضجت بصوت الارتياح، والحاضرين بدأوا يخرجوا ببطء.
وقفت مريم، وبصت لفريدة وخالتها، وقربت منهم. فريدة حضنت مريم بقوة وقالت لها بصوت ناعم:
— شكراً يا مريم… عشان ما خفتيش.
مريم ابتسمت وهي بتمسح على شعر فريدة:
— الحق هو اللي ما بيخافش يا فريدة… إنتِ دلوقتي أمان، وده كل اللي كان يهمنا.
تلفون مريم رن في جيبها، رفعت السماعة وردت بابتسامة:
— أيوة يا حضرة الضابط… جاهزة، شغل المدرسة الجديدة هيستلموا الأوراق النهاردة.
قفلت المكالمة وبصت لورا، للقاعة اللي كانت نهاية القصة المرعبة وبداية حياة جديدة. خرجت مريم من باب المحكمة، والهواء النظيف ضرب في وشها مع شمس النهار، مشيت بثبات في الشارع وهي عارفة إن الصفحة القديمة اتطوت بالكامل، وأن العدالة مهما اتأخرت أو اندفنت تحت الردم… لازم تطلع للنور.

تمت

حكايات انجى الخطيب

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى