منوعات

المربيه والبنات بقلم انجي الخطيب

ياسين عيونه اتسعت بصدمة حقيقية لأول مرة من بداية اليوم، خطى ناحيتها وهو بيجز على سنانه:
— إنتِ… إنتِ السر أخت “فريدة”؟
البنت ضحكت بصوت أطول، وقربت خطوتين بثبات مرعب:
— شاطر يا ياسين بيه… كبرت وعجزت وبقيت تنسى الوشوش، بس أنا مانيسيتش… مانيسيتش اليوم اللي مرتك اتقتلت فيه في نفس القاعة دي، ولا نسيت مين اللي مسك السكينة، ومين اللي لبّس التهمة لغيره وشرد عيلة كاملة عشان يحمي نفسه!
مريم وباقي البنات بصوا لبعض في حالة ذهول وتشتت كامل، الكلام كان كبير ومرعب وأكبر بكتير من مجرد وظيفة مربية أو اختبار للتعري.
مريم صرخت بصوت مخنوق:
— إحنا ذنبنا إيه في القرف ده كله؟! افتحوا الزفت ده وخرجونا من هنا!
البنت لفت لمريم وقالت وهي بتبص لها برحمة غريبة:
— إنتوا مالكوش ذنب يا مريم… إنتوا بس كنتوا الستار، ياسين كان عاوز يجمع أكبر عدد من البنات بشروط مهينة، عشان يجبر اللي داخلة وبدور على حاجة معينة إنها تكشف نفسها… كان فاكر إن الانتقام هييجي بقلة أدب وبشكل مكشوف.
وبعدين لفت لياسين تاني، وقالت وهي بتشاور على الباب المقفول بالمفتاح:
— بنتك الصغار مش ساكتة عشان خايفة يا ياسين… بنتك ساكتة عشان هي الوحيدة اللي شافتك وأنت بتخنق أمها في المكتب ده… والنهارده، الحقيقة هتنطق، حتى لو بأيد بنتك نفسها!
في نفس اللحظة، سمعوا صوت خبط منتظم وقوي على الباب المقفول بالمفتاح من بره… خبط بطيء، زي دقات الساعة… وبعدها صوت طفلة صغيرة بتتكلم من ورا الباب بصوت جاف وبارد:
— بابا… افتح الباب… أنا جيبت باقي الورق.
الصمت نزل على القاعة زي الجبل، وجمد الدم في عروق كل الموجدين. البنات على الأرض اتسمروا مكانهم، وحاتم إيده الممسكة بالمسدس بدأت تترعش وهو بيبص للباب بذهول مش مصدق اللي بيسمعه.
صوت الطفلة من ورا الباب كرر النداء ببرود أشد:
— بابا… افتح، المفتاح معايا.
ياسين وشه اتقلب أصفر زي الميتين، نظرة الثقة والسيطرة اللي كانت في عينيه اختفت تماماً وحل مكانها رعب حقيقي، بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوم وطالع بالظبط كأنه بيغرق:
— فريدة… إنتِ… إنتِ جيتي هنا إزاي؟ مين طلعك من أوضتك؟
سكتت الطفلة ثواني، وبعدها اتسمع صوت حديد المفتاح وهو بيلف في الكالون. تك… تك.
الباب اتفتح ببطء شديد، وظهرت واقفة على العتبة طفلة عندها حوالي تسع سنين، لابسية فستان أبيض عليه بقع تراب قديمة، شعرها نازل على وشها، وفي إيدها الصغيرة ماسكة ملف أوراق أسود سميك.
جنبها كان واقف راجل عجوز بشعر أبيض كاثيف ولابس جلابية بلدي سودة، إيده على كتف الطفلة بيهديها، وفي إيده التانية ماسك كشاف إضاءة قوي.
البنت اللي قالت إنها أخت فريدة ابتسمت ابتسامة انتصار وشاورت للراجل العجوز وقالت:
— متأخرتش يا عم حامد… في وقتك بالظبط.
حاتم صرخ بذهول وهو بيبص للعجوز:
— عم حامد؟! إنت مش أتردت من القصر من سنتين وممنوع تعتب خطوة هنا؟!
العجوز بص له بنظرة ثقيلة ومهيبة وقال بصوت جاف زي صحراء:
— اتطردت عشان شوفت اللي ما يصحش أشفه يا حاتم… وعشان ياسين بيه كان فاكر إن السكوت بيتباع ويشتري بالفلوس. بس الصبية الصغيرة دي هي اللي جابتني من بيتي بنفسها الصبح… وقالتلي كفاية تمثيل.
مريم كانت واقفة مش فاهمة حاجة، لكن عينها جعت على الملف اللي في إيد البنت الصغيرة.
ياسين أخد خطوة وسيعة ناحية بنته وقال وهو بيمد إيده بلهفة ملغومة بخوف:
— فريدة يا حبيبتي… هاتي الملف ده، تعالي هنا وماتسمعيش كلام حد من دول… دول جايين يئذوكي ويئذوا بابا!
الطفلة رفعت رأسها ببطء، ولأول مرة من تلات سنين، بصلته في عينيه مباشرة. ماكانش في عينها أي دمعة، ولا أي خوف… كان فيها نضج مرعب أكبر من سنها بكثير.
رفعت إيدها بالملف وقالت بصوت هادي، واضح، وكل كلمة فيه طالعة زي الرصاصة:
— أنت مش بابا… أنت الراجل اللي موت أمي… وأنا مش ساكتة عشان خايفة منك يا ياسين… أنا كنت ساكتة لحد ما أكبر وأفهم الورق ده فيه إيه.
الملف وقع من إيد الطفلة على الأرض، والأوراق اتنطرت بين جزم الموجدين.
مريم بصلت على أقرب ورقة تحت رجليها… كانت تقرير طبي شرعي رسمي، ومكتوب فيه بخط عريض وفاضح: “وفاة المجني عليها نتيجة خنق يدوي متنسق… والعيّنات المأخوذة من تحت أظافرها تطابق الحمض النووي للزوج: ياسين حسان”.
القاعة كلها شهقت، والمشرف معتز وقع على ركبه وهو بيبص لياسين بذهول حقيقي.
ياسين بصل للأوراق على الأرض، وبعدها بص للطفلة، وملامح وشه تحولت من رعب لشر ملوش حدود. ضحك ضحكة مجنونة مكتومة، وطلع من جيب بدلتهم الداخلية جهاز صغير وشكله غريب، وضغط على زرار فيه بسرعة.
في نفس اللحظة، اتسمع صوت أجهزة الإنذار بتصرخ في القصر كله، وأبواب الحديد بتاعة الشبابيك بدأت تنزل وتقفل المكان بالكامل زي السجن.
ياسين بص للجميع وبابتسامة شفافة ومريضة قال:
— فاكرين إنكم حاصرتوني؟ القصر ده ملوش غير مخرج واحد تحت الأرض… ومحدش هيخرج منه حي يشهد عليا.

الشبك الحديد نزل على الشبابيك بصوت يرعب، زي أقفاص الوحوش لما تتقفل على فريستها. الضلمة والأنوار الحمرا بتاعة إنذار الحريق بدأت تضرب في وشوشهم، والصوت السرينة المزعج طرش أذان الموجدين. البنات بدأوا يصرخوا بكل قوتهم، وجريوا على الأبواب المصفحة بيخبطوا عليها بأيديهم لحد ما أيديهم أتسحلت دم.
حاتم جرى على ياسين وبص له برعب وقال بصوت عالي وسط الضجة:
— أنت بتعمل إيه يا ياسين بيه؟! أنت هتموتنا كلنا هنا ولا إيه؟! افتح الزفت ده!
ياسين زقه بإيد واحدة بقوة خلت حاتم يترمي على الأرض، وبص له بنظرة مجنونة كأنه شخص تاني خالص، وقال وهو بيضحك بعلو صوته:
— اللي يدخل قصر ياسين حسان ويفتكر إنه يقدر يخرج منه بسره… يبقى مغفل! القصر ده هيولع باللي فيه، والنيابة لما تيجي هتقول ماس كهربائي في مسابقة شغل… ومحدش هيعيش عشان يكذبني!
مريم بصت حولين نفسها في حالة ذهول، النيران بدأت بالفعل تطلع من التكييفات المركزية بعد ما ياسين شغل النظام الآلي  الذاتي، والدخان الأسود بدأ يملى السقف وينزل ببطء  النفس.
عم حامد العجوز حضن الطفلة صغيرة بضهر ، وجري بيها على حيطة بعيدة، في حين إن أخت فريدة سحبت سكينة صغيرة كانت مخبياها في جيبها وجريت بشرس على ياسين وهي بتصرخ:
— مش هتموت قبل ما تاخد تمن اللي عملته يا مجرم!
ياسين لمحها، مسك إيدها في الهواء وعصر معصمها لحد ما السكينة وقعت، وضربها بكفه على وشها وقعها على الأرض بين الأوراق المتقطعة.
في اللحظة دي، مريم أخدت بالها إن المشرف معتز اللي كان ينزف على الأرض، كان بيزحف ببطء ناحية جثة حاتم أو ناحية الدفتر الأسود الصغير اللي وقع منه في الأول. مريم قريت العنوان المكتوب على ظهر الدفتر تحت إضاءة الإنذار الحمرا: “شفرة الطوارئ – المخرج الخلفي”.
مريم ما فكرتش ثانية، جرت بجرأة ومن غير ما حد يحس بيها، ونزلت على ركبها وسط الدخان، وسحبت الدفتر من جنب إيد معتز اللي كان غايب عن الوعي تقريباً. فتحت الدفتر بإيد بتترعش وهي بتسعل من الدخان اللي كاتم نفسها.
كان مكتوب بخط إيد صغير: “لوحة تحكم السرداب… خلف اللوحة الزيتية الكبيرة في صالة العرض”.
مريم رفعت رأسها، اللوحة الزيتية للست “فريدة” كانت متعلقة على الحيطة الرئيسية في القاعة!
صوت ياسين كان بيقرب، وهو بيضحك وسط الدخان وبيتحرك ناحية الباب الخشب المصفح عشان يهرب لوحده من فتحة التهوية الشخصية بتاعته.
مريم صرخت بعلو صوتها وسط الخوف والتراب:
— عم حامد! اللوحة! الشفرة ورا اللوحة بسرعة!
ياسين اتسمر مكانه لما سمعها، ولف راسه بسرعة وشرس، وعينيه أتقابلت مع عينين مريم… وقبل ما يتحرك خطوة واحدة ناحيتها، البنت الصغيرة فريدة جرت من ورا عم حامد، ومسكت في رجل ياسين بكل قوتها وهي بتصرخ:
— مش هتأذي حد تاني يا بابا!
ياسين حاول يزقها، لكن عم حامد وأخت فريدة هجموا عليه في نفس اللحظة وثبتوه على الأرض، في حين إن مريم جرت على اللوحة، زقتها بقوة لحد ما أتقطعت من الحيطة، وظهر وراها تابلت أسود مصفح بيطلب كلمة سر مكونة من 4 أرقام.
مريم بصت للطفلة وهي بتصرخ وتعيط وسط الدخان:
— فريدة! الباسورد إيه؟! أمك سابتلك إيه؟!
الطفلة وهي ماسكة في رجل ياسين صرخت بصوت مخنوق من العياط والدخان:
— تاريخ ميلادي… تاريخ اليوم اللي اتقفلت فيه سنتين… 1 2 0 4!
مريم صوابعها المترعشة ضربت الأرقام بسرعة على الشاشة: 1.. 2.. 0.. 4.
الشاشة أضائت باللون الأخضر، وصوت هيدروليكي ضخم هز القاعة كلها… الحيطة اللي جنب اللوحة اتفتحت ببطء كاشفة عن سرداب واسع ونازل لأسفل القصر والظلام جواه، والهواء النظيف بدأ يدخل منه للقاعة.
البنات بدأوا يجروا بنهت وصريخ ناحية السرداب، وعم حامد سحب الطفلة وجري بيها لجوه، وأخت فريدة بصت لياسين اللي كان بيحاول يقوم وهو بيسعل بعنف من الدخان اللي غطى القاعة بالكامل.
مريم وقفت عند مدخل السرداب، بصت لياسين للمرة الأخيرة وقالت:
— القصر اللي بنيته على الدم… هيروح في الدم يا ياسين.
ودخلت السرداب، والباب الحديدي اتطربق وراهم بضغط هيدروليكي، وسابوا ياسين جوه القاعة المقفولة، وسط النار والدخان وأوراق جريمته اللي كانت بتتحرق حوليه واحدة ورا التانية.

السرداب كان ضيق وضلمة، وهوا بارد وطالع بريحة رطوبة وطين بيضرب في وشوشهم مع كل خطوة بيجروها. صوت السدادات الهيدروليكية المتقفلة وراهم كان عامل زي صوت قفل القبر، لكنه في نفس الوقت كان صوت النجاة الوحيد.
البنات كانوا بيجروا ورا بعض بنهت وصوات مكتوم، عم حامد ماسك إيد الطفلة فريدة وقابض عليها كأنه ماسك في روحه، وأخت فريدة كانت وراهم مباشرة، ومريم بتأمن طريقهم في الآخر، رجليهم بتغوص في المية الراكدة اللي مغطية أرضية السرداب.
من ورا الحوائط الخرسانية السميكة، اتسمع صوت مكتوم… مكتوم بس هز الأرض تحت رجليهم:
صوت انفجار مكتوم، وراه صوت تكسير خرسانة وسقف القصر وهو بيبهبط وبيتدمر فوق القاعة الرئيسية.
مريم وقفت ثانية واحدة، لفت ضهرها وبصت ناحية الباب المقفول. الدخان الأسود كان بدأ يتسرب من تحت أطراف الحديد… عرفت إن القصر خلاص بقى رماد، وأن ياسين وكل أسراره اتدفنوا تحت الركام.
عم حامد صرخ فيها بصوت ممزوج بالخوف والأمل:
— يا مريم! تعالي يا بنتي ما تقفيش! السرداب ده ممتد لحد السور الخارجي على الترعة!
جريت مريم وراهم بسرعة، وبعد حوالي خمس دقايق من الجري المتواصل في الضلمة، لقت النور المباشر بيطلع من نهاية الممر.
خرجوا واحد ورا التاني من الفتحة المصنوعة بين شجر كثيف ورا السور الخلفي للقصر. أول ما رجلوهم لمست الأرض الترابية البرانية، البنات كلهم أترموا على الأرض بيعيطوا، وبياخدوا نفسهم بلهفة كأنهم بيتولدوا من جديد.
السما كانت مغيمة، وصوت عربيات الإسعاف والمطافي جاي من بعيد جداً، بيقرب من البوابة الرئيسية للقصر اللي كانت العافية والنار طالعين منها على هيئة عمود دخان أسود مهول مغطي السما.
مريم قعدت على الأرض، حاطة إيدها على ركبتها وبتنهد بصوت طالع بالعافية. بصت لفريدة الصغيره اللي كانت قاعدة جنب عم حامد، الهدوء كان رجع لوشها، بس في عينيها نظرة استراحة… نظرة طفلة أخيرًا ارتاحت من سر كان خنقها تلات سنين.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى