
عدت الأيام بسرعة زي السحاب، وبقت الشقة اللي كانت زمان مطفية ومحبوسة من الخوف، عبارة عن خلية من الفرحة والبهجة. كل يوم كان بيمر، كان بيقربنا من ليلة العمر اللي هتتوج فيها شهد عروسة للنقيب أحمد.
جهزنا كل حاجة، واشترينا العفش اللي كان ينور العين، وأحمد كان واقف معانا في كل خطوة، كأنه واحد مننا، بيمسح بجوده وحنيته كل سنين المر والعذاب اللي شفناهم على إيد حسين وابنه.
لكن في الناحية الثانية، تحت في الدور الأرضي والمحلات، كان الجو عامل زي المرجل اللي بيفور بالغضب. حسين وسيد كانوا حاسين إن السيطرة راحت من إيدهم للأبد، خصوصًا بعد ما وصلهم إعلان المحكمة بتعيين حارس قضائي على المحلات وحظر التصرف في بيت العيلة.
الإهانة كانت كبيرة، والغضب كان بيزيد يوم بعد يوم.
قبل الفرح بيومين، وفي نص الليل، كانت الساعة مديّة اتنين صباحًا. الشارع كان هادي، والعمارة كلها تقريبًا ساكتة.
كنت قاعدة أنا وشهد بنلم باقي الهدوم في الشنط، وفجأة سمعنا حركة غريبة تحت في مدخل العمارة. مش صوت خطوات عادية، ده صوت همس وكركبة خفيفة، زي ما يكون حد بيسحب حاجة تقيلة.
قمت ببطء وجسمي قشعر. شهد بصتلي بخوف وقالت:
“فيه إيه يا ماما؟ أنتِ سامعة الصوت ده؟”
رديت بحذر وأنا بقرب من الباب:
“خليكي مكانك يا شهد، مش هفتح الباب، بس هبص من السحّارة.”
قربت عيني من العين السحرية، وفي الأول مكنتش شايفة غير ضلمة السلم، لكن فجأة ظهر قدامي مشهد خلاني أتجمد مكاني.
سيد ابن حسين كان واقف على السلم في الضلمة، ماسك في إيده جردل كبير، وريحه قوية بدأت توصل لنا. وحسين أبوه كان واقف على أول درجة تحت، ومعاه وسيلة لإشعال النار، وعينيه مليانة غضب.
سيد كان بيهمس لأبوه:
“يا أبا، كده إحنا هنخوفهم ويبعدوا عننا. مش هسيبها تروح للضابط وتفرح بحياتها وأنا واقف أتفرج.”
حسين رد عليه بنبرة قاسية:
“اعمل اللي اتفقنا عليه. خليهم يعرفوا إن اللعب معانا مش سهل.”
قلبي وقف من الرعب. شهد ورايا سمعت الكلام، وملامحها اتغيرت من الخوف.
لو النار وصلت لباب الشقة، الوضع هيبقى خطير جدًا، وممكن منلاقيش فرصة نخرج.
في أقل من ثانية، مسكت التليفون ويدي بتترعش، وطلبت رقم أحمد.
أحمد رد من أول رنة:
“ألو.. يا أمي؟ فيه حاجة؟ شهد كويسة؟”
صوته طلع مني بصعوبة:
“الحقنا يا أحمد! حسين وسيد بيحاولوا يولعوا في باب الشقة! إحنا محاصرين!”
أحمد رد بسرعة:
“ابعدوا عن الباب فورًا، وافتحوا شباك البلكونة، وأنا جاي لكم حالًا. اتصلي بالطوارئ فورًا!”
في اللحظة دي بدأ الدخان يدخل من تحت الباب، وبدأنا نحس بالخطر.
جريت جبت أغطية مبلولة بالمية وحطيتها عند عتبة الباب عشان أقلل دخول الدخان، وأنا بصرخ من الشباك:
“الحقونا يا ناس! ساعدونا!”
الجيران بدأوا يصحوا، والأبواب بدأت تتفتح، وصوت الاستغاثات ملأ الشارع.
وفجأة!
صوت سيارة شرطة وصل للشارع، وبعد لحظات نزل أحمد ومعاه قوة من رجال الشرطة.
أحمد بص فوق وشاف الدخان، وجري على مدخل العمارة.
سيد حاول يمنعه، لكن رجال الشرطة سيطروا عليه بسرعة، وتم ضبط حسين كمان.
أحمد صعد السلم بسرعة، وأخذ يساعد في إبعاد الخطر عن مدخل الشقة، ثم نادى بصوت مرتفع:
“شهد! يا أمي! أنتم كويسين؟”
فتحت له الباب بعد ما هدأ الوضع، ودخل بسرعة.
أول ما شافنا واقفين في آخر الصالة وبنحاول ناخد نفسنا، جرى علينا وهو بيطمن علينا:
“أنتِ كويسة يا شهد؟ حصل لك حاجة؟”
شهد كانت بتعيط من الخوف:
“كنت خايفة يا أحمد.. كانوا عايزين يأذونا.”
أحمد طمنها وقال:
“اهدي، الحمد لله إنكم بخير. من النهارده الموضوع انتهى، وكل حاجة هتمشي بالقانون.”
نزلنا الشارع، ووصلت سيارات الإطفاء وتعاملت مع آثار الحريق، والحمد لله تم إنقاذ الموقف قبل ما ينتشر الضرر في الشقة.
الشارع كله كان واقف يتابع، وحسين وسيد تم اقتيادهم للتحقيق، وكل اللي حصل اتوثق رسميًا.
أحمد وقف قدامهم وقال بحزم:
“اللي حصل ده له حساب بالقانون، ومحدش فوق القانون. والحقوق هترجع لأصحابها بالطريق الرسمي.”
حسين كان ساكت ومش قادر يرفع عينه، وسيد كان في حالة انهيار بعد ما أدرك حجم اللي حصل.
بعد أسبوعين…
المكان بدأ يرجع لطبيعته. أحمد جاب عمال ورمم الشقة، ورجعت كأنها جديدة.
وقضايا الورث اتحركت رسميًا، وصدر الحكم بتمكيننا من حقوقنا في المحلات والأموال المستحقة.
وفي ليلة الفرح…
كانت القاعة كبيرة وبتنور بالنور الأبيض. شهد كانت لابسة الفستان الأبيض الطويل، وأنا قاعدة جنبها وببكي من الفرحة، والناس كلها بتبارك وتهني.
أحمد كان واقف جنبها ببدلته الأنيقة، ماسك إيدها بحب وفخر.
قربت منهم ومسكت إيد أحمد وإيد شهد وحطيتهم في بعض:
“ربنا يحفظكم لبعض يا ابني.. أنت مش بس جوز بنتي، أنت الراجل اللي ربنا بعته يرجع لنا حقنا ويرد لنا كرامتنا.”
أحمد ابتسم وباس رأسي وقال:
“ده حقي وواجبي يا أمي.. وشهد دي أغلى حاجة عندي.”
شهد بصت لأحمد بابتسامة صافية، مفيهاش أي أثر للخوف اللي عاشته زمان، وبصت للمستقبل اللي بدأ يفتح أبوابه قدامها بحياة جديدة مليانة أمل ونجاح.
مرت سنتين على ليلة الفرح اللي كانت حديث المنطقة كلها.
الشقة القديمة اترممت وبقت معززة ومكرمة، والمحلات اللي تحت العمارة بقى إيجارها بيدخل في حسابي وحساب شهد وأختها تحت إشراف المحكمة ورجال القانون.
حسين وابنه سيد قضوا العقوبة اللي صدرت بحقهم بسبب اللي حصل، وحماتي قعدت في شقتها تحت، بعد ما فقدت السيطرة اللي كانت بتحاول تفرضها علينا.
شهد كانت عايشة مع أحمد في شقتهم الجديدة في منطقة هادية. حياتهم كانت مستقرة، قائمة على الاحترام والمودة.
أحمد كان بيشجعها على دراستها، وهي كانت بتدعمه في شغله.
وفي يوم من أيام الشتاء الهادية، كانت شهد واقفة في صالة شقتها بتجهز أوراق رسالة الدكتوراه اللي قربت تناقشها.
فجأة، حست بدوخة شديدة، وجسمها اتهز، والورق وقع من إيدها على الأرض.
مسكت في كرسي بالعافية وهي بتحاول تستعيد توازنها.
في نفس اللحظة، دخل أحمد من باب الشقة. أول ما شافها واقفة ساندة على الكرسي ووشها شاحب، جرى عليها.
“شهد! مالك يا حبيبتي؟ فيه إيه؟”
قالت بصوت خافت:
“مش عارفة يا أحمد.. دوخة غريبة مسكتني فجأة.”
أحمد ساعدها تقعد، وجاب لها مية، واتصل بيا فورًا:
“يا أمي، تعالي بسرعة. شهد تعبانة.”
جيت جري، وأول ما دخلت وشفت منظر شهد وأحمد واقف جنبها، ابتسمت ابتسامة أم بدأت تفهم إن فيه حاجة مختلفة.
طلبت من أحمد يتصل بالطبيبة.
وبعد نص ساعة، خرجت الطبيبة من أوضة شهد وهي بتبتسم.
أحمد كان واقف قدام الباب بقلق شديد.
قالت الطبيبة:
“مبروك يا سيادة النقيب.. الدكتورة شهد حامل، وفي الشهر الثاني كمان. لازم تهتم بغذائها وتقلل المجهود الفترة الجاية.”
أحمد وقف مذهول من الفرحة، وبصلي وهو مش مصدق.
دخل الأوضة بسرعة، ومسك إيد شهد.
“حقيقة يا شهد؟ هبقى أب؟”
شهد ابتسمت وقالت:
“الحمد لله يا أحمد.. ربنا بيعوضنا عن كل الوجع اللي شفناه زمان.”
الفرحة ملأت البيت، والخبر وصل لكل الناس.
لكن في مكان آخر، كان حسين لسه شايل في قلبه غضب كبير.
في السجن، وصله الخبر من أحد معارف المنطقة إن شهد بقت دكتورة، وإنها حامل من أحمد، وإن حياتهم مستقرة.
بدل ما يفكر في تصحيح أخطائه، بدأ يخطط للانتقام مرة أخرى.
اتفق مع شخص من معارفه اسمه زكي، وطلب منه مراقبة تحركات شهد ومحاولة تخويفها وإفساد فرحتها.
بدأ زكي يراقب المنطقة، ويحاول يعرف مواعيد خروج شهد ودخولها.
وفي يوم، كان أحمد عنده مهمة خارجية، وبلغ شهد إنه ممكن يتأخر.
شهد نزلت الجامعة عشان تراجع آخر ترتيبات مناقشة الدكتوراه.
ركبت العربية مع السائق اللي أحمد كان موصيه يهتم بيها.
العربية مشيت في شارع رئيسي، وفجأة ظهرت سيارة قطعت الطريق عليهم.
وبعد لحظات، نزل منها عدد من الأشخاص وحاولوا الاقتراب من السيارة.
السائق حاول يتحرك بعيد عنهم، لكن الطريق اتقفل من الناحيتين.
شهد خافت وحطت إيدها على بطنها وقالت:
“يا رب احميني واحمي اللي في بطني.”
وفي اللحظة اللي كان الموقف فيها بيتصاعد، ظهر صوت سيارة شرطة.
سيارة تابعة للشرطة دخلت الشارع، ونزل منها أحمد بنفسه.
كان أحمد قد علم بوجود تحركات مريبة حول شهد، فرتب لمتابعة الأمر والتأكد من سلامتها.
أول ما شاف الأشخاص بيحاولوا الاقتراب من سيارة زوجته، أمرهم بالتوقف.
رجال الشرطة سيطروا على الموقف، وتم ضبط زكي ومن معه.
أحمد جرى على عربية شهد، وفتح الباب واطمن عليها.
“أنتِ كويسة يا شهد؟”
شهد كانت بتعيط:
“كنت خايفة على اللي في بطني.”
طمنها أحمد:
“اهدي يا عمري، الحمد لله إنك بخير. محدش هيقدر يأذيك، وكل شيء هيمشي بالقانون.”
أحمد أخذ شهد للمستشفى للاطمئنان عليها، والطبيبة أكدت إن الحمل بخير والحمد لله.
وفي القسم، تم التحقيق مع زكي، ومع ظهور الأدلة، اتضح ارتباط ما حدث بخطة حسين.
فتحت النيابة قضية جديدة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المتسببين.
وبعد أشهر قليلة…
وقفت شهد في القاعة الكبرى بالجامعة، لابسة الرداء الأسود والقبعة الخاصة بالدكتوراه، وبطنها ظاهرة مع اقتراب موعد الولادة.
كان أحمد قاعد في الصف الأول، وجنبه أنا وأخت شهد، وعينيه مليانة فخر.
رئيس لجنة المناقشة أعلن:
“قررت اللجنة منح الباحثة شهد درجة الدكتوراه، مع التوصية بالطبع والنشر.”
القاعة امتلأت بالتصفيق.
شهد رفعت رأسها، وبصت لأحمد وأنا واقفة جنبها بدموع الفرحة.
أحمد طلع على المنصة، ومسك إيد شهد وقال:
“مبروك يا دكتورة شهد.. رفعتي راسي، وطلعتي من وسط كل الظروف الصعبة أقوى من أي وقت فات.”
شهد ابتسمت وحطت إيدها على بطنها وقالت:
“بفضل ربنا، وبفضل أمي اللي وقفت جنبي، وبفضل أحمد اللي شجعني أكمل طريقي.”
وسط التصفيق والفرحة، كانت شهد بتعيش أجمل لحظات حياتها.
لكن موعد الولادة كان قرب، والقدر كان مخبي للعيلة مفاجأة جديدة، هتغير حياتهم كلهم في ليلة الولادة…
#الكاتب_رومانى_مكرم_




