روايات وقصص

خطبت ابني لبنت اخويا 2

بقلم زهره الربيع

وقف كارم في ظلام الشارع تحت العمارة، وجسمه بيترعش من كم الصدمات اللي أكلها فوق. كانت دقات قلبه طالعة في أذنيه من شدة التوتر والذهول، ولما قربوا منه الشخصين الضخام، حاول يرجع لورا بخوف وبلع ريقه بصعوبة وقام قال بصوت متهدج: “أنتم مين؟! وعايزين مني إيه؟!”

 

واحد منهم بصل بابتسامة حادة، وشاور للثاني، وفي ثواني معدودة مسكوه من ذراعيه بإحكام شلت حركة جسمه، وفتحوا باب العربية السوداء وزقوه براحة جواها، ودخلوا وراه وقفلت الأبواب. العربية اتحركت بسرعة وسط شوارع المدينة الهادية.

كارم كان بينهج، وحاسس إن أنفاسه بتروح، بص للشخص اللي قاعد جنبه وقال بدموع محبوسة:
“أنتم واخديني ليه؟ أنا معملتش حاجة! نورهان اللي ورا الموضوع ده؟ ولا عمي؟”

الراجل اللي بيسوق بص له في المراية وقال بنبرة حادة وصوت رخيم:
“نورهان وعمك؟! أنت لسة عايش في مراهقتك يا بني؟ أنت فاكر إن اللعبة اللي اتلعبت عليك فوق في الشقة كانت مجرد حكاية عائلية وخلصت بالكلمتين اللي سمعتهم؟! أنت فاكر القضايا والفلوس اللي اتدفعت عشان تخرج من مصيبتك القديمة راحت لحالها؟”

كارم اتسمر مكانه، والدم هرب من عروقه… القصة القديمة! قصة المشكلة الكبيرة اللي كان فاكر إنها اتقفلت لما عمو سالم دفع الفلوس!

الراجل اللي قاعد جنبه طلع ملف أسود وحطه على ركبة كارم، وقال ببرود:
“الفلوس اللي عمك دفعها للناس عشان يتنازلوا عن القضية… الفلوس دي ما كانتش ملك عمك أصلاً! عمك استلف المبلغ ده كله بشيكات وأوراق رسمية من المعلم ‘صابر الدالي’… تاجر معروف في السوق. وعمك كتب على نفسه إن لو المبلغ ده مردش في خلال أربع سنين، أو لو أنت طلعت سبت الشغل، الشيكات دي هتروح للجهات الرسمية وعمك هو اللي هيتحمل المسؤولية بدالك!”

زلزال هز كيان كارم… رأسه بتلف ومش قادر يستوعب كمية التضحية اللي عمو سالم ضحى بيها عشانه، وفي نفس الوقت حجم الكارثة اللي هو حط العيلة فيها!

كمل الراجل كلامه وقال:
“والأربع سنين انتهت النهاردة! المعلم صابر كان مستني يعرف هل أنت هتتعدل وتصون أهلك وتشتغل وتسدد الدين، ولا هتضيع عمك؟ ولما عرف إنك دخلت النهاردة وكسرت كلمة أهلك، المعلم قرر يتدخل… الأوراق هتتقدم بكرة الصبح للجهات المختصة، وعمك سالم هيتجاب من وسط خطوبة بنته!”

كارم صرخ بصوت هيستيري وهو بيخبط بإيده على الكرسي:
“لأ! لأ إلا عمي! عمي مالوش دعوة… أنا السبب، خدوني أنا! حاسبوني أنا بداله!”

الراجل ضحك وقال بنبرة قاطعة:
“الحساب بالأوراق والقوانين يا شاطر، وعمك هو اللي كاتب على نفسه عشان يحميك. قدامك 24 ساعة بس… يا إما تجيب المبلغ وتخلص الدين، يا إما بكرة عمك هيكون في موقف قانوني صعب بسببك!”

العربية وقفت فجأة في مكان هادئ على أطراف المدينة، الباب اتفتح والراجل طلب من كارم ينزل، فوقف كارم ونبرة التحدي بدأت تظهر في عيونه.

كارم بقى صامت على الأرض، وبقى يحس بندم عميق عمره ما حس بيه قبل كده… افتكر وقفة عمو سالم وهو بيكتم وجعه عشان يستر عليه قدام الناس. امسح دموعه، وقام وقف، وعينيه اتحولت لنظرة تانية خالص… نظرة واحد أدرك إن حياته القديمة انتهت، وإن قدامه فرصة أخيرة عشان يثبت إنه راجل ويشيل المسؤولية.

طلع تليفونه، وفجأة… جاله إشعار برقم غريب على الواتساب، مسج بصوت نورهان!

فتح الصوت بلهفة، وسمع نورهان بتقول بصوت هادي:
“كارم… لو عايز تعرف الحقيقة ورا صابر الدالي، ومين اللي زقه على عمك من أربع سنين، ومين اللي أدى له الشيكات النهاردة بالذات عشان يدمر عيلتكم… تعالالي الشقة فوراً، بس بشرط… أوعى تقول لأبوك ولا لعمك حرف واحد، عشان نقدر نحل المشكلة بهدوء قبل ما تتفاقم!”

ركب كارم أول تكسي قابله وقال للسائق بتصميم:
“اطلع على العنوان ده بأقصى سرعة…”

وصل التاكسي قدام العمارة اللي فيها شقة نورهان. نزل كارم وطلع السلالم بسرعة لحد ما وقف قدام الباب وضغط على الجرس.

أول ما ضغط، الباب اتفتح مباشرة، وكانت نورهان واقفة وبصاله بتوتر واضح على ملامحها. قالت بصوت واطي:
“ادخل بسرعة يا كارم، واقفل الباب ورالك…”

دخل كارم وبص لها بغضب وقال:
“نورهان! اخلصي وقولي لي في إيه؟! مين صابر الدالي ده؟ ومين اللي ورا الشيكات دي؟!”

نورهان قعدت على الكنبة وهي بتمسك إيديها اللي بترتعش، وقالت:
“كارم… القصة أكبر بكثير. أنا فعلاً صاحبة علياء، وفعلاً اتفقت معاها نختبرك لما لقينا أسلوبك مستهتر… بس اللي ما كنتش أعرفه، إن في حد تاني كان مستني اللحظة دي عشان يضرب ضربته للعيلة كلها!”

كارم قرب منها بحزم ومسك كتفها وقال:
“مين يا نورهان؟! انطقي!”

نورهان بلعت ريقها وقالت:
“خالك… ‘ممدوح’!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى