
كنت ببعت لأمي كل شهر 50 ألف جنيه، ولما قلتلها إن أهل مراتي جايين يسلموا عليها جابتلهم عيش بايت وجبنة قديمة، من وقتها مكلمتهاش نص كلمة بس لما ماتت عرفت الحقيقة اللي كسرت ضهري وعرفت بتودي كل الفلوس دي فين! !!!
أبويا الله يرحمه مات وأنا لسه شاب صغير، ومن وقتها مبقاش ليا في الدنيا دي غير أمي، ست الكل روحية. لما جالي عرض شغل برة البلد، فرصة عمر قلبت حياتي كلها، أول حاجة فكرت فيها هي أمي. عرضت عليها تيجي معايا تسافر ونبدأ حياة جديدة، خصوصاً إني مكنتش متخيل أبداً أسيبها لوحدها في البيت القديم لوحدها وأسافر. بس هي رفضت بإصرار غريب وقالتلي يا ابني، أنا اتجوزت في البيت ده، وربيتك فيه، ومش هسيب بيت جوزي وذكرياته لحد ما أموت. سافر أنت، وركز في مستقبلك، وأنا مرتاحة هنا.
وفعلاً سافرت وربنا فتحها عليا بطريقة مكنتش أتخيلها. الشغل مشي، والدخل كبر، وبقيت عايش عيشة كويسة جداً. ومن أول ما دخلي اتححسن بقيت أبعت لها كل شهر خمسين ألف جنيه عشان تشتري كل اللي نفسها فيه.
أمي طول عمرها ست بسيطة بل وكنت من شدة حرصها أتهمها دايماً بالبخل، وكنت عارف إنها مش هتصرف نص المبلغ اللي ببعته بس كنت أقول خليهم في حسابها عشان تطمن وتجيب اللي عايزاه.
كنت أكلمها في التليفون أقول لها يا أمي اصرفي ومتستخسريش في نفسك حاجة، ولو عوزتي أكتر ابعتيلي فوراً. وكانت دايماً ترد عليا يا ابني ده كتير قوي، ربنا يباركلك ويحفظك.
ومرت الأيام واتعرفت على واحدة أجنبية واتجوزتها برة. لما أمي عرفت زعلت أوي لأن كان نفسها تحضر فرح ابنها الوحيد.
كلمتها وفهمتها إن كل حاجة جت فجأة وطيّبت خاطرها، وهي رغم زعلها باركتلي وسكتت زي عوايدها.
عدت سنتين بحالهم، وخلال السنين دي كنت مشغول في حياتي وجوازي وشغلي، وكنت دايماً أعتذر لها لأني مقصر في السؤال عنها وكنت دايماً أسألها وأطمن منها إن الفلوس اللي ببعتهالها مكفياها ومخلياها في أحسن حال.
لحد ما في يوم قررت إني أخيراً نازل في إجازة وهشوفها، كلمتها وقلتلها يا أمي، أنا جاي ومعايا مراتي وأهلها.. طلبوا يجوا يزوروا مصر ويسلموا عليكي لأول مرة.
أمي طارت من الفرحة، حسيت بصوتها بيترعش من اللهفة والشوق. نزلت من المطار ومعايا حمايا وحماتي ومراتي، وأنا طاير من السعادة، إني هشوف أمي وأحضنها وأكل لقمة من إيديها بعد زمن.
وصلنا البيت، وأول ما دخلت، جريت عليا حضنتني بحب الدنيا كله، وبقت تبكي في حضني من كتر الشوق واللهفة. وبعدين سلمت على مراتي وأهلها بحفاوة.
كل حاجة كانت تمام لحد ما جه معاد الغداء.
دخلت المطبخ وخرجت بصينية، وحطتها على السفرة قدامنا.. وهنا كانت الصدمة.
بصيت لقيت طبق واحد محطوط، وفيه جبنة قديمة ناشفة ومشرطة، وجنبها عيش بايت وناشف!
الكل بصل لبعضه في ذهول تام. حمايا وحماتي فتحوا عيونهم باستغراب، مراتي بصتلي كأنها بتسألني إيه ده؟
حاولوا يمدوا إيدهم، بس الجبن القديمة كانت مالحة ومقدروش ياکلوها، سابوا اللقمة وسكتوا تماماً من باب الذوق، بس الكسفة كانت مالية الوشوش.
أنا حسيت بإهانة كبيرة إزاي؟! أمي اللي ببعتلها كل شهر خمسين ألف جنيه.. أمي اللي المفروض تدبح لنا خروف.. تحط عيش بايت وجبنة قديمة لضيوفي الأجانب اللي جايين من آخر الدنيا عشان يشوفوها ويسلموا على أهلي؟!
حسيت إن دمي بيغلي وتكسفت كسفة عمر ما حد اتكسفها.
قعدت دقايق باصص للطبق وباصص لها بصدمة، وهي كانت موطية راسها بكسوف وساكتة خالص معرفتش تنطق بكلمة.
بعد ساعتين، مراتي وأهلها حسوا بالجو المشحون وقالوا إنهم لازم يمشوا.
نزلتهم وركبتهم العربية، وطلبت منهم يستنوني دقايق، وطلعت على الشقة والشرار طالع من عيني.
دخلت عليها وقفلت الباب ورايا، وصوت عصبيتي ملا البيت:
إيه اللي عملتيه ده؟! إيه الغداء ده؟! إزاي تكسفيني كده قدام مراتي وأهلها؟!
قالتلي بصوت مكسور وبحرج شديد:
الموجود يا ابني.. مكنش فيه نصيب..
زعقت فيها بصوت عالي وأنا فاقد أعصابي:
الموجود إزاي؟! هو أنا مقصر معاكي في مليم؟! مش ببعتلك كل شهر خمسين ألف جنيه؟ إزاي الفلوس دي كلها متكفيكيش؟! ليه مقولتليش إنك محتاجة أكتر من كده؟! ليه ساكتة؟
بصتلي بتردد وقالت وصوتها بيتنفض:
لا.. مش عايزة أكتر.. وبعدين.. أنا ست كبيرة، وعلى قد حالي، وده اللي قدرت أعمله.. والمصاريف الزيادة ملهوش لزمة.
الكلمتين دول خنقوني أكتر، حسيت إنها قاعدة على حرصها القديم اللي كنت بسميه بخل وطمع، زعلت منها بغباء وقلت لها بقسوة:
أنت قصدتي تكسفيني وبس! أنت حبك للبخل والفلوس عاميك لدرجة إنك تبهدلي ابنك الوحيد قدام نسايبه! أنا غلطان إني جيت مصر أساساً!
قلت كلمتي وسبتها ونزلت، وهي فضلت تنادي عليا في الشارع: يا ابني.. استنى يا ابني، بس أنا مردتش ولا حتى التفت ورايا.
ومن اللحظة دي، قطعت علاقتي بيها نهائياً. رفضت أكلمها، رفضت أرد على مكالماتها، بل وصل بيا الجحود لدرجة إني شلت الشريحة اللي كانت بكلمني عليها أصلاً عشان مسمعش صوتها وعشان أعاقبها!
وانغمست في شغلي، ونسيتها، وعشت حياتي برة وسط النجاحات والفلوس، وكأنها مبقتش موجودة في دنيتي.
لحد ما عدت سنة بحالها.. سنة كاملة بدون حتى كلمة سلام. وفي يوم، جالي اتصال مفاجئ من واحد صاحبي مكلمنيش من سنين، وبصوت حزين قال لي:
البقاء لله يا علي.. أمك توفيت.. انزل عشان تلحق الجنازة.
نزلت مصر بسرعة وقلبي بيتقطع، بس للأسف، لما وصلت كانت الدفنة خلصت وخلص كل حاجة. طلعت جري على المقابر، وقعدت عند قبرها ووجعت قلبي وقلت:
ليه يا أمي.. ليه عملتي بينا كل البعد ده.. عشان بخلك وحبك للفلوس؟! ليه حرمتيني منك ومن رضاكي؟!
وأنا قاعد مهموم، بقيت باصص للقبر ومش مصدق إنها راحت.. حسيت بحد بيقرب مني. رفعت عيني، لقيت راجل كبير في السن، أول مرة في حياتي أشوفه.
وقف قدامي، وبصلي نظرة غريبة وقال لي بهدوء: البقاء لله يا علي؟
وفي اللحظة دي، اكتشفت الحقيقة اللي كسرت ضهري للأبد.. عرفت أمي عملت كده ليه وكانت بتودي الفلوس فين وياريتني مت قبل ما أعرف!!!
وقفت قدام الراجل الكبير وأنا بمسح دموعي، وقلتله بصوت مبحوح: حضرتك مين؟ وعرفتني منين؟
بصلي بحزن وقال: أنا اسمي عم رجب، كنت جار أمك الله يرحمها أكتر من تلاتين سنة، وكنت آخر واحد معاها قبل ما تموت.
بس قبل ما أمشي من هنا، لازم أقولك على أمانة شالتها أمك في رقبتها، وكانت كل يوم بتدعي ربنا إنك تعرف حقيقتها قبل ما تموت.
بصيتله باستغراب وقلبي بدأ يدق بسرعة، وقلتله: أمانة إيه؟ وأمي كانت مخبية عني إيه؟!
طلع من جيبه ظرف بني قديم، أطرافه كانت متنية من كتر ما اتفتح واتقفل، ومدهولي وقال: أمك سابتلك الظرف ده، وقالتلي لو علي جه يوم ووقف عند قبرها، أديهوله. قالتلي إنك هتيجي، حتى لو اتأخرت، وإن قلبك مش هيستحمل الحقيقة، بس لازم تعرفها.
مسكت الظرف وإيدي بتترعش، وفتحته بسرعة، لقيت جواه جواب بخط أمي، ومعاه شوية إيصالات تحويلات بنكية وأوراق قديمة.
فتحت الجواب، وأول كلمة شفتها كانت:
ابني وحبيبي علي…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




