
ما ردش عليا، مد إيده وطفى النور. الأوضة بقت ضلمة، وسامعة صوت تقلبه على السرير كل شوية، وأنا قاعدة مبصصة في السقف وعيني مش قادرة تغمض.
إحنا متجوزين بقالنا سنة ونصف. دي كانت جوازتي الأولى، بس توفيق كان متجوز قبلي ومطلق ومعاه ولد. أمي زمان كانت معترضة تماماً على الجوازة دي، وقالت لي: “يا بنتي، راجل مطلق ومعاه عيل، حياتك معاه هتبقى كلها دربكة ومشاكل مع مراته القديمة وأهله”. بس أنا ركبت رأسي وما سمعتش الكلام، وقلت لها توفيق بيحبني، ومش هيسمح لأي حد يظلمني. أمي ساعتها اتنهدت وقالت: “قبل الجواز كله بيفرش الأرض رمل وورد ويقول كلام حلو.. العبرة باللي بعد كده”.
النهاردة بس، وأنا بفتكر كلام أمي، حسيت كأن حد ماسك قلبي بيعصره.
في اليوم الحداشر من الولادة، أخته الكبيرة مجيدة جت تزورنا. شالت التوأم وطلعت بيهم الصالة تقلب فيهم، وبعد ما بصت فيهم حبة حلوين، ضحكت وقالت:
إيه يا سارة، شكل العيلين طالعين لأهلك أنتِ ولا إيه؟ الشبه كله هناك!
ابتسمت مجاملة وما ردتش، فهي حمحمت وقالت:
سارة.. أنتِ عارفة توفيق ودماغه، ما تعملي حاجة تريحي بيها سِرّه وتخلصينا؟
أعمل إيه يعني يا مجيدة؟
اعملي التحليل ده اللي بيقولوا عليه واقطعي العرق وسيحي دمه، عشان توفيق يرتاح وما يفكرش كده تاني.
تحليل إيه؟
يعني.. تحليل البصمة الوراثية ده.. ال DNA.
تنحت ومش مصدقة:
أنتِ عايزاني أخد عيال لسه كملوش شهر أعملهم تحليل إثبات نسب؟!
أنا مش بقصد حاجة وحشة، بس أخويا دماغه تروق..
مين اللي قالك تعالي قوليلي الكلمتين دول يا مجيدة؟
سكتت وما ردتش. بصيت على الصالة بره.. توفيق قاعد حاطط رجل على رجل ومكبر صوت التلفزيون على الآخر، بس أنا عارفة كويس إنه سامع كل كلمة.
زقيت الباب وندهت:
توفيق!
تظاهر إنه مش سامع.
توفيق! بصلي هنا!
بصلي أخيرًا:
أنت اللي زاقق أختك تقولي أروح أعمل تحليل للعيال، للدرجادي اتجننت خلاص؟
رد ببرود: لا مقولتلهاش حاجة، ولو إن مفيهاش حاجة يعني!
بصيت للراجل اللي اخترته بنفسي وفضلته على الكل، وما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده:
أنت شاكك إن عيالي مش من صلبك؟ طب وأنت إيه اللي يضمنلك إن الولد اللي من مراتك القديمة يطلع ابنك أنت أصلاً؟!
الأوضة كلها سكتت فجأة، والصمت بقى بيكفي للسكين. توفيق وشّه أحمر من الغل، وقرر ياخد التلات عيال يعملهم تحليل DNA عشان يقطع الشك باليقين.
بس لما النتيجة طلعت، والدكتور دوبك قال أول جملة.. وش توفيق اصفرّ. وقف مذهول ومش مصدق نفسه يجي عشر ثواني، وبعدها رجليه شالته بالعافية ووقع على الكرسي كأنه جبل وانهد من الصدمة!
الدكتور بص لتوفيق وهو بيقلب في ورق التحاليل، وبعدها رفع عينه وقاله:
أستاذ توفيق، أنا عارف إن النتيجة ممكن تكون صعبة عليك، بس لازم تسمعني للآخر وتفهم إن التحليل ده واضح ومفيهوش أي مجال للشك.
توفيق بلع ريقه بالعافية وقاله: يعني إيه يا دكتور؟ انطق! العيال ولادي ولا لأ؟
الدكتور بص في الورق تاني وقال: التوأم اللي حضرتك جايبهم، النتيجة بتأكد إنهم أولادك بنسبة تفوق 99.9%، ومفيش أي مشكلة في إثبات النسب.
توفيق خد نفس طويل، بس قبل ما يفرح أو حتى يتكلم، الدكتور كمل كلامه:
أما بالنسبة للطفل التالت، يوسف، ابن حضرتك من زواجك الأول، فالنتيجة بتقول إن مفيش تطابق أَبُوة بينك وبينه.
في اللحظة دي، توفيق حس إن الأرض بتلف بيه، والورق وقع من إيده، وبص للدكتور كأنه مش فاهم اللغة اللي بيتكلم بيها.
إيه؟! إنت بتقول إيه يا دكتور؟! أعِد التحليل! أكيد فيه غلط!
الدكتور رد بهدوء: إحنا راجعنا العينات والإجراءات، لكن لو عندك شك، ممكن تعمل تحليل تأكيدي في معمل معتمد تاني.
توفيق رجع بضهره لورا، وحط إيده على راسه، وفجأة رجليه ما شالتوش، فوقع على الكرسي اللي وراه، وفضل باصص قدامه من غير ما ينطق. أما أنا، فكنت قاعدة في البيت، حاضنة واحد من التوأم، والتاني نايم جنبي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



