منوعات

جوزي مسافر ج1 حكايات روماني مكرم

وقع الكلمات على ودني كان زي مطرقة حديد نازلة على دماغي تطحنها. الدنيا اتعصبت في وشي، والأوضة اللي كنت شايفاها من شوية جنة وبجهز فيها شنط الفرح، اتحولت في ثانية لقبر ضيق ماليش فيه مخرج.

“طبعاً يا حبيبتي.. إنتي مراتي وحبيبتي ومفيش حد يقدر ياخد مكانك.”

الكلمة كانت بتتعاد في دماغي بصوت صدى صامت.. إبراهيم؟ إبراهيم اللي بقالي سنتين طافحة الدم علشانه؟ إبراهيم اللي كنت بأكل من الجبنة القريش والعيش الناشف عشان أجمع له فلوس المصاريف وأوفر في مصاريف البيت هنا؟ إبراهيم اللي كنت بقعد في المصلحة الحكومية بالساعات كعبي بيتخلع عشان أطلع ورقة تقربني منه خطوة؟

فصلت المكالمة.. إيدي كانت بترتعش لدرجة إن التليفون وقع من إيدي على السرير. فضلت باصة للتليفون وهو مطفي، والشاشة سودا زي الحبل اللي اتقطع بيني وبين حياتي اللي كنت فاكراها حقيقة.

دموعي مانزلتش.. الدموع جفت في عيني من كتر الصدمة. صدري كان بيتنفض بحركات سريعة ومش منتظمة، حاسة بكتلة نار وقفة في زوري، مش عارفة أبلع ولا أتنفس. قمت وقفت على حيل بالعافية، رجلي مش شيلاني. مشيت في الصالة وسط الشنط المفتوحة.. الشنطة الكبيرة اللي اشتريتها مخصوص الأسبوع اللي فات عشان أشيل فيها هدايا إبراهيم.. القمصان الجديدة اللي اخترتها على ذوقه.. البرفان اللي بيحبه.. الدوسيه الأزرق اللي فيه قيد العيلة وشهادة ميلادي الموثقة.

بصيت للدوسيه.. مسكته بإيدي ومزعت الورق اللي فيه من غير ما أحس؟ لا.. وقفت. إيدي اتجمدت على الدوسيه. أنا مش مجنونة.. أنا مش هضيع نفسي في لحظة غضب.

قعدت على الأرض وسط الصالة، بين الشنط والهدوم، وضمت ركبي لصدري. الأفكار كانت بتجري في دماغي زي الخيل الهاشة.

مين دي؟ متجوزها من إمتى؟ إزاي قدر يمثل عليا كل الشهور دي؟ إزاي كان بيكلمني كل يوم بليل يقول لي “يا سمر إنتي وحشاني.. يا سمر البيت من غيرك مالوش طعم”.. وهو بياكل ويشرب وينام مع واحدة تانية؟

الصوت.. الصوت ماكانش غريب!

رجعت بالذاكرة لورا.. الصوت كان فيه نبرة شامية أو مصرية متغربة؟ لا، الصوت كان لهجة هادية بس واثقة.. صوت واحدة مستقرة في بيته، عارفة تفاصيل حياته، عارفة إني بكلمه دلوقتي!

“الهانم بتاعتك لما تيجي هنا هتنساني وتطنشني..”

الكلمة دي بالذات كانت بتدبحني. يعني هي عارفة بوجودي! عارفة إنه متجوز، وعارفة إني بجهز أوراق السفر عشان أروح له، ومع ذلك بتمارس حقها كزوجة وبتقوله “أنا ليا فيك زي ما ليها بالظبط”!

قضيت الليل ده بطوله صاحية.. النور كان مطفي، وأنا قاعدة في وسط الصالة زي الخيال. كل ما عيني تغمض ثانية، أسمع صوته وهو بيطلع من التليفون: “طبعاً يا حبيبتي”. أفتح عيني على وسعها والدموع محبوسة، حاسة إن عقلي بيتجنن.

الساعة جاب ستة الصبح.. الشمس بدأت تطلع وتسلل النور من الشباك، ينور الشنط والهدوم المترمية. المنظر كان بتناقض بيموت: البيت شكله بيت محضر للفرح والسفر، وصاحبة البيت جثه هامدة مكسورة من الداخل.

التليفون رن على الكومودينو.

الصوت هز الأوضة.. كان هو. “إبراهيم”.

قلبي ضرب ضربة جنونية، وجسمي كله قشعر. فضلت باصة للتليفون وهو بيرن.. الرنة الأولى خلصت.. فتح الثانية.. والثالثة.

أخدت نفس طويل جداً، مسحت وشي بإيدي اللي كانت بتموت من البرودة، ومسكت التليفون.

حاولت أظبط صوتي، أضغط على حنجرتي عشان ما تبانش المأساة اللي أنا فيها. فتحت الخط.

* “ألو.. صباح الخير يا سمر.”

صوته كان عادي جداً! دافئ، حنون، خالي من أي أثر للجريمة اللي ارتكبها إمبارح.

بلعت ريقي بالعافية وقلت بصوت هادي، زي الميت:

* “صباح النور يا إبراهيم.”

* “إيه يا حبيبتي، صحيتي؟ صوتك مالك كده؟ متغير ليه؟ إنتي تعبانه؟”

سؤال النفاق ده خرج منه بمنتهى السهولة.. “صوتك مالك؟”!

قلت له وأنا بأكد على كل كلمة:

* “لا.. مفيش. بس ما نمتش كويس إمبارح.. أصل الجو كان مكتوم شوية.”

سكت ثانية، وقال بضحكته المعتادة:

* “معلش يا حبيبتي.. هانت خلاص، أيام وتكوني معايا هنا وفي حضني والتعب ده كله يروح. عملتي إيه؟ نازلة القنصلية النهاردة؟”

في اللحظة دي، كان قدامي طريقين:

إما أصرخ في وشه، أقوله أنت خاين ومنافق، وأسمعه الصوت اللي سمعته إمبارح وأقفل السكة وأطلب الطلاق..

أو ألبس القناع، وألعب الملعوبة اللي لازم تتلعب عشان أعرف الحقيقة كاملة ومضيعش حقي.

لو صرخت دلوقتي، هيقفل عليا، هيغير أرقامه، هيتحامى في غربته، وأنا هفضل هنا في مصر مضحوك عليا، مكسورة، ومحدش هيصدقني أو يقف معايا من غير دليل قاطع.

أنا لازم أروح له! لازم أحط رجلي في بيته بره، وأشوف الست دي بوشي، وأعرف كل حاجة بنفسي!

غيرت نبرة صوتي فوراً، وخليت فيها شوية لهفة مزيفة:

* “أه طبعاً يا إبراهيم.. أنا قائمة أهو ألبس عشان ألحق الدور في القنصلية. خلاص فاضل البصمة والفيزا تتختم، ومش فاضل غير أسبوع وتكون الشنطة مقفولة وأنا عندك.”

سمعت تنهيدة منه.. تنهيدة مش عارفة كانت راحة ولا توتر:

* “ربنا يوفقك يا سمر.. خلصي وكلميني أول ما تخرجي. وتخففي على نفسك يا حبيبتي متضغطيش على روحك.”

* “حاضر يا إبراهيم.. مع السلامة.”

قفلت المكالمة.. وقفت قدام المراية. بصيت لوشي.. كان شاحب، وتحت عيني سواد، بس عيني نفسها كان فيها شرار غريب. الخوف والتعب اللي كانوا فيا إمبارح تحولوا لجمود.

نزلت الشارع.. مشيت وسط الناس وأنا مش حاسة بالزحمة ولا بالحر. دخلت القنصلية، وقفت في الطابور، قدمت الأوراق، بصمت، واستلمت الميعاد النهائي لاستلام الباسبور بالفيزا. كل خطوة كنت بعملها، كنت بحس إنها خطوة نحو كشف المستور.

بعد أسبوعين كاملين.. أسبوعين كنت بعيش فيهم تمثيلية مرعبة. بكلمه كل يوم، أضحك معاه، أطمنه على الشنط، أسمعه كلام الحب المزيف وهو يرد بنفس الحب المزيف.. وأنا في داخلي بغلي، كل كلمة حلوة كان بيقولها كانت بتنزل على قلبي زي مية النار.

جاء يوم السفر.

أمي وإخواتي كانوا معايا في المطارات، يزغرطوا ويبكوا من الفرحة: “مبروك يا سمر.. ربنا يسعدك يا بنتي مع جوزك ويجبر بخاطركم”.

كنت ببص لهم وأنا ببتسم ابتسامة باهتة.. لو يعرفوا أنا مسافرة لإيه! أنا مش مسافرة لبيت الزوجية.. أنا مسافرة لمواجهة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى