روايات وقصص

بنت سلفتي 2

روماني مكرم

جيهان نزلت على الأرض، وقعدت تحت رجلي نور وسيف، وجسدها يرتعش بالكامل من أثر الرعب والانفعال. رفعت يديها للسماء وقالت بصوت مكسور مليء بالدموع: “يا رب.. يا رب أنت العالم إني ما أردت إلا الخير، أنت العالم إني حميت البنت دي من الهلاك والضياع، لا تجعل شرهم يغلب حقي، ولا تحرمني من نور اللي كبرت على عيني وسهرت عليها الليالي.”

سيف نزل على ركبتيه وأمسك برأس أمه وقبل يدها بقوة: “اهدي يا أمي، اهدي يا حبيبتي.. والله العظيم ما في قوة على الأرض تقدر تاخد نور مننا. الفتوى معانا، والشرع معانا، وأنا مش هستنى لمّا يرفعوا قضايا ولا يعملوا تلعيب.. إحنا نكتب الكتاب فوراً!”

مقالات ذات صلة

نور رفعت رأسها ووجهها شاحب كالموتى، ودموعها تسيل على خدودها كالشلال، وقالت بنبرة مرعوبة: “سيف.. أنا خايفة عليك! نجوى ست شريرة وأخوها مسجل خطر، ممكن يؤذوك أو يعملوا لك حاجة في كليتك أو طريقك! أنا خايفة البيت ده يتخرب بسببي، يمكن لو مشيت معاهم…”

جيهان قطعت كلامها بفزعة وضمتها لصدرها بقوة: “تسكتي خالص يا نور! ما تقوليش الكلمة دي تاني لو على جثتي! أنتِ بنتي يا نور، مش بس عشان رضعتك، عشان تربيتي وعرقي ودموعي اللي نزلوا عليكِ وأنتِ لحمة حمرا. نجوى عاوزة تاخدك عشان تجوزك لأخوها الصايع عشان يكسروا عيننا ويستفادوا منك، إنما يمين بالله لو أطبقت السما على الأرض مش هتاخدي غير سيف ولا هتعيشي غير هنا!”

مرت الأيام التالية ببطء شديد كأنها سنوات من العذاب. سيف لم يضيع وقتاً؛ أخذ فتوى دار الإفتاء الرسمية المكتوبة والمختومة بختم النسر، وذهب بها إلى المحامي الأستاذ عبد العزيز، رجل كاهل خبرة في قضايا الأحوال الشخصية وكان صديقاً لوالده المرحوم.

جلس سيف وجيهان في مكتب المحامي، وعرضا عليه الورقة والقصة بالكامل. المحامي قرأ الفتوى بتمعن، ثم وضع النظارة على الطاولة وهز رأسه بجدية: “يا أم سيف.. الفتوى دي أقوى  في أيدينا من الناحية الشرعية. طالما الرضاع لم يكتمل خمس رضعات مشبعات، فالزواج حلال شرعاً بنص القانون والشرع. لكن القضية مش قضية رضاع بس.. أبو البنت سامح هو الولي الشرعي، ولو حابب يرفع قضية لإلزام البنت بالعيش معاه باعتباره الأب، ممكن يستغل مسألة إنها لسه طالبة وفي سن رعاية.”

جيهان قامت وقفت بحدّة وقالت للمحامي: “أبوها ده بايعها يا أستاذ! أبوها سابها من يوم ما اتولدت وما صرفش عليها مليم، ولا يعرف دخلت مدرسة إزاي ولا كلية إزاي! أنا اللي معايا الإيصالات والشهادات وروشتات الأطباء من يوم ما كانت طفلة! هو فاكر إنه يقدر يفتكرها لما تكبر ويستغلها؟!”

رد المحامي بابتسامة طمأنينة: “اهدي يا حاجّة جيهان.. الحل السريع والوحيد اللي يقطع رقبة نجوى وسامح ويقفل الباب ده للأبد، هو إننا نعمل عقد قران رسمي بسرعة. طالما نور كملت السن القانوني للزواج، وهي آنسة رشيدة وفي كلية، وتقدر تعقد قرانها، ونستند لفتوى الإفتاء وعدم وجود مانع شرعي. وبما إن سامح متعنت ويرفض التزويج بدون سبب شرعي ومصلحة البنت في الزواج من ابن عمها الكفء، نقدر نرفعه للمحكمة أو نعقد القران بولاية القاضي أو باستشارة عمها الثاني اللي موافق!”

سمع سيف الكلام وارتفعت روح المعنوية في صدره، وقال بحماس: “عمنا الكبير الحاج متولي موافق ومرحب جداً، وهو اللي هيبصم كولي ومجلس العقد هيكون عنده في البيت!”

بالفعل، تم الاتفاق على عقد القران في سرية تامة وبسرعة شديدة في منزل العم متولي. جيهان كانت تجهز نور وتلبسها فستان أبيض بسيط، وعيناها تدثرها بالدعوات والآيات القرأنية. نور كانت ترتجف بين الفرح والخوف، تتطلع في المرآة وتشوف نفسها عروسة لسيف، الرجل الوحيد الذي حماها ورعاها وكان لها السند بعد الله.

لكن الشيطان لا ينام.

قبل عقد القران بيوم واحد فقط، بينما كان سيف راجعاً من كليته في وقت متأخر من المساء، يتنقل في الشارع المظلم المؤدي لبيت عمهم، اعترضت طريقه سيارة نقل صغيرة بدون أرقام. نزل منها ثلاثة رجال يحملون أسلحة بيضاء، وعلى رأسهم “سعيد” أخو نجوى!

سعيد كان رجلاً جليض الملامح، وعلى وجهه ندبة قديمة، يقف وفي عينيه الشر والغضب. قرب من سيف ونظر له بتحدٍ وقذر: “يا بشمهندس يا متعلم.. فاكر نفسك راجل وهتاخد البنت وتتحدى أختي وسامح؟ البنت دي أختي حاطط إيده عليها، وهيتم جوازها مني الأسبوع الجاي، ولو فكرت تقرب منها أو تعمل كتب كتاب، مش هتوصل للماذون إلا وأنت على نقالة!”

سيف لم يرمش له جفن، رغم إنه كان لوحده ومحاط بالبلطجية. وقف بكل ثبات وجسده مشدود، وقال بنبرة مليئة بالتحدي: “أنت وأختك فاكرين إن البلد سدى؟ ولا فاكرين إن نور ملهاش رجالة؟ نور مراتي بكره يا سعيد، ورجولتك دي وريني هتعمل بيها إيه لمّا تترص في التخشيبة بتهمة الاعتراض والشروع في قتل! ارجع لأختك قولها سيف مش بيموت ولا بيبهاب الكلاب!”

سعيد صرخ بغضب ورفع مطواة في وجه سيف محاولاً ضربه، لكن سيف تفادى  بسرعة وحرفية، وأمسك بذراع سعيد وضرب رأسه في الحائط، واندلعت مشاجرة حامية بالشارع. تحرك الجيران والشباب على صوت الصراخ والضرب، وتجمعوا حولهم حتى اضطر سعيد ورفاقه للفرار في السيارة وهم يصرخون  والوعيد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى