روايات وقصص

رشا خالد1

وأنا مش هتنازل عن البلاغ غير لما بنتي ترجع قدام عيني، وكل واحد عمل الحركة دي يدفع التمن. زعق أكتر: — لو الشرطة دخلت البيت يا نهى، اعتبري اللي بيننا انتهى! رديت بمنتهى الثبات: — هو انتهى بالفعل من اللحظة اللي بعت فيها بنتك عشان ترضي أمك وأخوك. اقفل يا سامح.. استغل الوقت ده ودور لك على مكان تقعد فيه أنت وعيلتك، لأن البيت ده قدامه ساعات ويتقفل في وشكم كلكم. قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة. حماتي كانت بتبصلي بذهول، مش متوقعة إن نهى الهادية، الموظفة الناجحة اللي كانت ديمًا بتعدي وتسامح عشان خاطر بيتها وجوزها، تتحول للشرس ده في لحظة.

قالت حماتي وهي بتهز إيدها بتهديد: — ماشي يا نهى.. بقى بتبيعي جوزك وبتقفي لأمه عشان خاطر بت لا راحت ولا جت؟ بكرة تعنس وتقعد في أقرابك، وساعتها تشوف مين اللي هيقف جنبك! ما لحقتش أرد، لأن جرس الباب رن. فتحت الباب، وكان فيه أمين شرطة واثنين معاه من رجال الأمن. الأمين بص للبيت وللناس اللي قاعدين، وبعدين بصلي وقال: — حضرتك الأستاذة نهى اللي بلغتِ عن اختفاء ابنتك القاصر؟

مقالات ذات صلة

قلت بثبات ووضوح: — أيوة يا فندم. أنا نهى، والبيت ده ملكي بعقد مسجل. أنا كنت في سفر عمل لمدة ٣ أيام، ولما رجعت لقيت حماتي وأقارب جوزي مستوليين على البيت، وبنتي القاصر (ملك سامح منصور – ١٧ سنة) مش موجودة. وحماتي اعترفت صراحة إنها أخدتها ورغمتها تشتغل في مصنع مجهول بدون إذن مني بصفتي ولي أمرها وصاحبة البيت. أمين الشرطة بص لحماتي وقال بنبرة رسمية صارمة: — الكلام ده صحيح يا حجة؟ فين البنت؟ حماتي ارتبكت وبدأت تتلعثم: — يا باشا دي عيلة وبنأدبها.. البت كانت بتترسم علينا ومش راضية تسيب أوضتها لضيوفنا، فقلنا تسرح تشتغل شوية وتعرف قيمة القرش.

رجعت من سفرية شغل استمرت 3 أيام، وأول ما فتحت باب بيتي، لقيت حماتي قاعدة بمنتهى الراحة على الكنبة، ومعاها عيلة أخو جوزي كلهم. لكن الغريب… إني ما شوفتش بنتي في البيت. قلبي اتقبض فورًا، وبصيت لحم…

أمين الشرطة بص لحماتي وقال بنبرة رسمية صارمة: — الكلام ده صحيح يا حجة؟ فين البنت؟ حماتي ارتبكت وبدأت تتلعثم: — يا باشا دي عيلة وبنأدبها.. البت كانت بتترسم علينا ومش راضية تسيب أوضتها لضيوفنا، فقلنا تسرح تشتغل شوية وتعرف قيمة القرش.. ده موضوع عائلي ما يستاهلش الشرطة! الأمين رد بحزم: — موضوع عائلي لما تختلفوا على العشا.. لكن تشغيل قاصر وتغيبها عن بيتها بدون علم والدتها دي جريمة.

فين مكان المصنع ده بالظبط؟ أخو جوزي اتدخل وهو خايف: — يا باشا والله إحنا مالناش دعوة.. أمي هي اللي نسقت مع صاحب المصنع، هو مصنع طوب ونسيج على أطراف المنطقة الصناعية.. إحنا مجرد ضيوف! قلبي اتقبض أكتر لما سمعت كلمة “مصنع طوب ونسيج على أطراف المنطقة الصناعية”. بنتي الرقيقة، اللي أقصى حلمها كتاب جديد أو كورس إنجليزي، محبوسة في مكان زي ده وفي الحر ده عشان ترضي غرور حماتي ووقاحتها؟

قلت للأمين بصوت بيترعش من الغضب: — يا فندم أنا نطاق ولايتي على بنتي واضحة، وأنا بطالب بحمايتها فورًا وضبط كل من اشترك في نقلها للمكان ده. في اللحظة دي، دخل سامح وهو بيجري، عرقه سايح ووشه أحمر من الغضب والارتباك. بصلي بغل وبعدين بص للشرطة وقال: — يا حضرة الضابط، أنا والد البنت! أنا سامح منصور، وأنا اللي وافقت على سفرها للعمل.. أمي مالهاش ذنب، وده شأن أسري! الأمين بص لسامح ببرود وقال: — الأم هي المسؤولة وهي اللي أبلغت عن غيابها وتسلّمها لجهات غير معلومة بدون علمها.. وحضرتك بتقول إنك الأب، لكن البلاغ قيد التحقيق دلوقتي. اتفضلوا معانا على القسم عشان نحدد مكان القاصر فورًا ونعمل محضر بالإجراءات.

حماتي بدأت تصرخ وتصوّت: — يا فضيحتك يا سامح! مرتك بتجرجر أمك للقسم! يا ناس يا عالم، جنيت على نفسي لما جوزتك واحدة شايفانا ولا حاجة عشان معاها قرشين! بصيت لسامح وقلت له قدام الضابط: — القرشين دول هما اللي أكلت منهم وأنت وعيلتك، والبيت ده اللي شايلكم هو بيتي.. وبنتك اللي فرطت فيها عشان أرضيت كبرياء أمك، هي الخط الأحمر اللي هيطير فيه رقابكم كلكم. أمين الشرطة طلب من الجميع التوجه للقسم. حماتي وأخو جوزي ومراته كانوا بيمشوا وهما بيبصولي بكراهية وغضب، بينما سامح كان بيحاول يكلمني بعيد عن الشرطة: — نهى.. ارجعي عن اللي في دماغك! لو عملتِ محضر لأمي، قسمًا بالله ما هتشوفي ملك تاني، وأنا اللي هخفيها عنك بجد!

وقفت مكاني وبصيت له في عينه بشكل مرعب، وقلت له بصوت واطي ومسموع له بس: — تهديدك ده هو اللي هيضمن إنك تقضي بقية حياتك بتدفع ثمن الغباء ده. المحامي بتاعي على وصول للقسم، والعقد اللي بيننا هيتنفذ بالحرف.. أنت انتهيت يا سامح. وصلنا قسم الشرطة. كانت الساعة قربت من منتصف الليل. الهدوء اللي في القسم كان بيقطعه صراخ حماتي ومشاحنات أخو جوزي.

بعد فترة قصيرة، وصل المحامي بتاعي، أستاذ هشام، ومعاه أوراق البيت وعقد الزواج والشرط الجزائي وعقد ما قبل الزواج. هشام دخل بثقة وقدم الأوراق للضابط النبطشي، وشرح له الوضع بالكامل: — يا فندم، الموكلة الأستاذة نهى هي المالك الوحيد للبيت، والأب (سامح) مالوش أي صفة ملكية. الجدة وأقارب الأب قاموا باستغلال غياب الأم ونقلوا القاصر بدون موافقتها لمكان عمل غير قانوني لقاصر في هذا السن، وده يعاقب عليه قانون الطفل وقانون العقوبات تحت بند الاتجار بالبشر وتعريض طفل للخطر. وجه كلامه لحماتي: — قدامك 10 دقائق تدينا العنوان التفصيلي للمكان اللي البنت فيه وأسم صاحب المصنع، وإلا هيتم تحرير محضر خطف وتسهيل تشغيل قاصر، وهتبيتوا كلكم في الحجز للصبح!

حماتي لما حسّت إن الموضوع بجد وإن السجن بقى قريب منها، انهارت وبدأت تعيط وتطلع الموبايل: — خلاص خلاص يا باشا! المصنع اسمه “البركة للنسيج” في المنطقة الصناعية، وصاحبه الأسطى معوض.. والله أنا كنت فاكرة إني بربيها وبخليها تعتمد على نفسها! أستاذ هشام المحامي بص للضابط وقال: — نطلب قوة فورية للانتقال للموقع واسترجاع القاصر، والتحفظ على صاحب المصنع بتهمة تشغيل قاصر بدون ترخيص وبدون موافقة ولي الأمر الشرعي. الضابط طلع قوة فورية مع عربية شرطة، وأنا أصرّيت أروح معاهم بنفسي.

سامح حاول يجي معانا، لكن الضابط أمره يقعد في القسم تحت التحفظ هو وأمه وأخوه لحد ما البنت ترجع ونشوف حالتها الصحيحة. طول الطريق للمنطقة الصناعية، كان قلبي بيلف ويرجع، الأفكار كانت بتاكل في دماغي: يا ترى ملك عاملة إيه؟ هل خايفة؟ هل اتأذت؟ يا ترى شكلها إيه وهي المحبوسة في مكان زي ده عشان شوية ناس طماعين حاقدين؟ وصلنا المنطقة الصناعية بعد نص ساعة.

كانت منطقة مظلمة، ومصانع قديمة وورش بتطلع أدخنة وصوت الماكينات عالي رغم أوقات الليل. عربية الشرطة وقفت قدام هنجر كبير مكتوب عليه بلفتة قديمة “مصنع البركة”. الشرطة دخلت الهنجر، وأنا جريت وراهم. المكان كان حار جدًا، ريحة الغبار والأنسجة تخنق، وماكينات الخياطة والغزل شغالين بأصوات مرعبة. وسط العمال اللي كانوا شغالين ووشوشهم مجهدة، لمحتها… ملك.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى