
الكلمة نزلَت على سامح زي الصاعقة. سكت تمامًا وما قدرش ينطق بكلمة تانية. بعد نص ساعة بالضبط، كانت الشنط كلها بره باب الشقة. أخو سامح ومراته كانوا بيبصولي بكره وازدرى وهما بيجروا شنطهم في السلم، وسامح واقف مع أمتعته المتبقية زي الغريب اللي مالوش مأوى. قفلت الباب في وشهم بالقفل والمفتاح، ولأول مرة من ٣ أيام حسيت إن الهواء اللي في البيت بقى نضيف ونقي. بصيت لملك وقلت لها: — يلا يا ملك.. نغير هدومنا ونرتاح شوية، لأن وورانا مشوار مهم أوي بعد الظهر.
ملك سألتني باستغراب: — مشوار إيه يا ماما؟ ابتسمت لها وقلت: — هنروح للمحامي عشان نكتب عقد شقتنا الجديدة اللي هنشتريها باسمك أنتِ.. وهنسجل لك في أحسن كورس ومدرسة عشان تالتة ثانوي تبدأ صح. وفي العصر، رن تليفوني وكان الأستاذ هشام المحامي: — أستاذة نهى، النيابة أمرت بإحالة حماتك وصاحب المصنع للمحاكمة العاجلة بتهمة تشغيل وتغيب قاصر والاتجار غير المشروع، وسامح تم استدعاؤه رسميًا لإعادة الاستجوب بصفتة شريك ومسترع على التكتم.
-
حكايات روماني مكرم ج 2منذ 57 دقيقة
-
حكايات روماني مكرم ج 1منذ 58 دقيقة
-
ضرتي1منذ 4 ساعات
-
خيانتك سبب عشقيمنذ 7 ساعات
رديت بثبات: — كمل في الإجراءات يا أستاذ هشام.. ومش هتنازل عن حرف واحد من حقوق بنتي أو حقوقي المالية. قفلت التليفون وبصيت لملك وهي قاعدة على السرير بتراجع كتبها وتستعد لدروسها، وعرفت إن الحق لما يرجع لأصحابه، القوة والهدوء بيبقوا هما العنوان الوحيد للحياة. مرت الأسابيع بسرعة، وكان كل يوم بيمر بيأكد لي إن القرار اللي أخدته كان الصح. نقلت أنا وملك لشقتنا الجديدة في حي هادي وقريب من مدارسها ومراكز الدروس. ملك بدأت تستعيد ضحكتها ونشاطها، ورجعت تركز في مذاكرتها ومستقبلها وهي حاسة بأمان كامل، بعد ما قصينا كل الخيوط اللي كانت بتربطنا بالماضي.
في الجهة التانية، كان الكابوس بيشتد على سامح وعيلته. أستاذ هشام المحامي كان ماشياً في القضايا بخطوات متتالية وقاتلة. تحقيقات النيابة كشفت بلاوي أكتر؛ صاحب المصنع اعترف رسمياً إن حماتي ما اكتفتش بتشغيل ملك عنده، دي كمان كانت اتفقت معاه على “خصم” جزء من أجر البنت الشهري لحسابها الشخصي بحجة “مصاريف إقامتها وتهذيبها”. الاعتراف ده ثبّت تهمة الاتجار بالبشر واستغلال قاصر على حماتي بشكل قاطع، ومحي تماماً أي محاولة لإظهار الموضوع كـ “مجرد خلاف عائلي”. سامح حاول مراراً وتكراراً يتصل بيا، يبعت رسائل رجاء واستعطاف، ويدخّل وسطاء من قرايبه اللي ما شفناش وشهم قبل كده.
سامح حاول مراراً وتكراراً يتصل بيا، يبعت رسائل رجاء واستعطاف، ويدخّل وسطاء من قرايبه اللي ما شفناش وشهم قبل كده. كان بيتحيل عشان أتراجع عن قضية الطلاق للضرر وعن المحضر الجنائي ضد أمه. وفي يوم جلسة المحاكمة الأولى، التقيت بسامح في أروقة المحكمة. كان منظره يوجع القلب من كثرة البهدلة؛ وشه شاحب، هدومه مش متنسقة، وباين عليه الإرهاق الشديد. أخوه ومراته سابوه ورجعوا بلدهم فوراً بعد ما حسوا إن الموضوع دخل في سجن وقضايا جد، وسابوه يشيل شيلة أمه ومصاريف المحامين لوحده بعد ما اتقفلت في وشه حنفية الفلوس والراحة اللي كان عايش فيها معايا.
قرب مني سامح بخطوات مكسورة وقال بصوت مبشوح:— نهى.. أرجوكِ، اسمعيني للمرة الأخيرة. أومي صحتها بتتدهور في السجن، ومش حمالة الحبس ده كله. أنا أتعلمت الدرس، وعرفت إن عيلتي استغلوني واستغلوكي، وأنا مستعد أقطع علاقتي بيهم كلهم وأعيش تحت رجليكي أنتِ وبنتك.. بس بلاش تدمريني وتدُمري أمي. بصيت له بمنتهى الجمود والهدوء، وقلت له:— أنت اللي دمرت نفسك يا سامح لما شوفت بنتك بتتباع قدام عينك وسكتّ. أمك ما افتكرتش صحتها ولا كبر سنها وهي بتاخد بنتي القاصر ترميها في مصنع طوب ونسيج عشان تفضي الأوضة لأخوك.
كل واحد فيكم بيحصد اللي زرعه. سامح نزلت دموعه وقال بيأس: — أنا خسرت شغلي يا نهى.. الناس في الشركة عرفوا بقضية تشغيل قاصر والاتجار بالبشر وموقفي في العمل بقى زفت. والشقة اللي كنا أجرناها مؤقتاً مش قادر أدفع إيجارها.. أنا اتدمرت رسمياً! رديت عليه بكلمة واحدة قبل ما ألف وأمشي: — اللي يفرّط في بيته وبنته عشان يرضي كبرياء غيره، ما يستاهلش يكون له بيت ولا عيلة أساساً. دخلنا قاعة المحكمة. للقاضي كان صارم جداً بعد ما استمع لشواهد القضية وتقرير الطب الشرعي وأقوال ملك اللي كانت موثقة بالصوت والصورة.
حماتي كانت قاعدة في قفص الاتهام بتبكي وبتبصلي بنظرات ترجي بعد ما راحت منها كل علامات التكبر والبرود اللي كانت بتقابلني بيهم في بيتي. بعد المداولة، صدر الحكم المبدئي: حبس الجدة (حماتي) سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة استغلال قاصر والاتجار بالبشر، وحبس صاحب المصنع سنة مع الغرامة، مع إحالة أوراق سامح للنيابة العامة لاستكمال التحقيق في مدى اشتراكه بالتكتم والتستر على الجريمة. أول ما القاضي نطق بالحكم، صرخت حماتي ووقعت أرضاً في القفص، وسامح قعد على كرسي الخشب وهو حاطت إيده على وشه ودموعه نازلة بقلة حيلة.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن جبل ثقيل انشال من على صدري. أستاذ هشام جه جمبي وابتسم وقال: — مبروك يا أستاذة نهى. قضية الطلاق للضرر اتحكم فيها لصالحك رسمياً اليوم مع نفقة مؤخر ومستحقات كاملة لملك، وبناءً على عقد ما قبل الزواج، سامح ماليش أي حق يطالب بأي قرش أو عقار من ممتلكاتك. أنتِ وبنتك بقيتوا أحرار تماماً وقانوناً.





