روايات وقصص

غويشة دهب ج 1

من كتر طيبة قلب إبراهيم، دمعت عينه. أنا فهمت نظرة جوزي.. دخلت أوضتي، وطلعت الغويشة الذهب الوحيدة اللي كان جايبهالي في شبكتي، الغويشة اللي كانت شقا عمره. بعتها بدموع عيني وحطيت تمنها في إيد حماتي عشان أحمد يسافر ومكتب السفريات ياخد حقه.
أحمد سافر.. وفي أول شهرين تلاتة، الدنيا كانت ماشية تمام. البيت كان مبسوط، وأحمد بعت قرشين سدد بيهم تمن الغويشة، والكل كان بيقول “سمر وشها مبروك على البيت”. لكن الحكاية اتقلبت مرة واحدة وبقى فيها جفاء!

أحمد لما سافر هناك وشاف الفلوس، كلم مراته شيرين في التليفون وقالها من ورا ضهرنا: “اسمعي يا شيرين.. أنا هنا بشقى وبتعب في الغربة، الفلوس دي شقايا وكدي، مش من حقهم ياخدوا منها مليم واحد. وإذا كان على الغويشة اللي سمر باعتها عشان التذكرة وحق مكتب السفريات، أنا بعتلك تمنها مخصوص عشان ترميهولها في وشها، وميبقاش ليها ولا لجوزها أي فضل علينا أبداً! الفلوس اللي هبعتها دي ليكي أنتِ ولأولادنا.. ولأمي هاتي لها حاجات بسيطة تراضيها.”

مقالات ذات صلة

شيرين من هنا، لبست ثوب الجبروت وسلخت قناع المسكنة! بقت تاخد المبالغ الكبيرة والريالات اللي بيبعتها أحمد وتحطها في جيبها. وتيجي قدام الحاجة رسمية، تطلع كام باكية فلوس وتديهالها في إيدها، وتجيب لها عباية قطيفة غالية، وجلابية شيك، وتهاديها ليل نهار.
الحاجة رسمية عينيها زغللت بالفلوس والهدوم، ومن يومها، شيرين بقت هي الست والكل في البيت، والكلمة كلمتها!
البيت اتقسم نصين؛ نص فوق العالي لشيرين والحاجة رسمية، ونص ليا أنا وإبراهيم. شيرين بقت تطلب أكل جاهز من بره، كباب وكفتة وفراخ مشوية، وتقعد تاكل هي وحماتي في الصالة الكبيرة ويقفلوا الأوضة عليهم.

أما أنا.. فكانوا يسيبوني واقفة في المطبخ في عز الحر ببطني المهدودة عشان أعمل “حلة كوسة”. ولما كنت أقول لحماتي بنبرة مكسورة: “يا ماما، طب مش هتاكلوا معانا من الطبيخ؟” كانت شيرين تبص لي بقرف ورفع حاجب وتقول: “لأ يا حبيبتي، كلي أنتِ وجوزك حلة الكوسة دي.. الطبيخ ده على قد فلوس جوزك الموظف الغلبان، إحنا أكلنا جاهز وبفلوس أحمد جوزي!”
حماتي كانت تهز راسها وتوافق على كلام شيرين وتقول لي: “أيوة يا سمر.. شيرين بتجيب الأكل من بره بفلوسها، اطبخي أنتِ على قد مرتب إبراهيم!”
كنت بستحمل وبكتم في قلبي، وبقول عشان خاطر إبراهيم وطيبته، وعشان القرشين اللي بيبعتهم أحمد بقوا هما النور اللي عامي عين حماتي ومخليها تشوف شيرين ملاك وتشوفني أنا مجرد خادمة ملهاش تمن في البيت.

الممرضة زقت الباب ودخلت، وقطعت حبل أفكاري وهي بتركب لي المحلول في دراعي المربوط بالشاش والدم لسه معلم فيه، وبصت لي بشفقة وقالت: “ألف سلامة عليكي يا مدام.. التقرير الطبي طلع، والبوليس بره مستني كلمتك.”
بصيت لدراعي، واجهشت بالبكاء.. بس مش ضعف، دي كانت دموع النيران اللي هتحرق بيت العيلة كله.
يا ترى إيه اللي هيحصل لما يرجعوا يلاقوا الدنيا مقلوبة؟ وهل سمر مرات الابن الغلبان هتقدر تاخد حقها بتقرير المستشفى، ولا الفلوس اللي بيبعتها السلف من بره هتعمي عيون الكل وتضيع حقها؟

وخرجوا وقفلوا الباب وراهم، ورزعة الباب رنت في نفوخي كأنها ضربة قلم. سابوني لوحدي.
فضلت واقفة بطولي وسط الصالة، السكوت اللي حل على الشقة كان مرعب. كنت باصة للأرض ومش مصدقة.. بركة الدم اللي عمالة تزيد وتسيل على البلاط، وشظايا الطبق البورسلين الغالي اللي اتدشدش مية حتة تحت رجليا. الطبق ده اللي حماتي كانت بتنزله بالهداوة لشيرين عشان تاكل فيه الفراخ المشوية والكباب الجاهز، اترمى في وشي بكل غل لمجرد إني تعبانة من الحمل!

في اللحظة دي بالذات، حتة جوايا اتكسرت وطلعت صوت مسموع.. حتة مفيش تسييح زبدة هتعرف تداويها تاني. كنت لسه خايفة، وجسمي كله بيرتعش، والدوخة وعمايل الشهر الخامس مخلية عيني مغلغلة.. والجرح في دراعي عمال ينقح عليا والوجع بيسري في عضمي زي النار. بس الرعب اتبخر، وحل مكانه غيظ يهد جبال؛ مكنتش مستعدة تانية واحدة أحمي ناس معندهمش مشكلة يأذوني، ويدوسوا على بطني، ويجوا عليا بالشكل ده عشان خاطر الفلوس اللي بيبعتها السلف من الغربة!

سندت على الحيطة، ونضفت الدم السايل من دراعي بالعافية بقماشة بيضاء، وربطته كبس بإيشارب قديم عشان يكتم النزيف. دخلت أوضتي خطفت موبايلي وشنطتي، ونزلت السلم وأنا رجليا بتخبط في بعضها. طلعت على أول الحارة، شاورت لأول تاكسي وقعدت ورا وأنا حاطة إيدي على بطني وبقول له: “على المستشفى فوراً يا أسطى، الله يخليك بسرعة.”
طول السكة وأنا باصة من الشباك، ومعدتي بتقلب من التعب والروائح، كنت متأكدة من حاجة واحدة بس، حاجة حلفت عليها بدمي الغالي: لما الحاجة رسمية وشيرين يرجعوا من المشوار بتاعهما النهارده، حياتهم دي هتتغير خالص.

أول ما دخلت المستشفى، أخدوني على طول على أوضة الطوارئ. قعدت على السرير المعدن، وجت الحكيمة (الممرضة) وبدأت تقص كم العباية اللبني المليان دم. كانت بتنضف الجرح بالمطهر وأنا بكتم صرختي في سري. شظايا البورسلين كانت غارزة جوه اللحم وعاملة علامات غائرة، والدم كان لسه بيفور. الممرضة كانت بتبص لي بشك وريبة، عينيها كانت بتقرأ الوجع اللي ورا ملامحي، ولما لقت القطع واصل لعمق اللحم، وقفت إيدها وبصت في عيني وقالت لي بصوت واطي: “إيه اللي عمل فيكي كدة يا مدام؟ قولي الحقيقة وم تخافيش.. دي مش وقعة عادية.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى