مال و أعمال

جوزي ج 2

روماني مكرم

الجزء الثالث

لم تكد شمس العصر تتصفد في كبد السماء، حتى كانت السيارات النقل الثقيل تقف متراصة أمام باب المخزن الكبير، يعلوها غبار الطريق وصوت محركاتها المجهدة، وتحمل على متنها كراتين البضائع وأجولة الأرز والسكر التي سُحبت بالليل في غياهب الظلام. كان حسين يركب بجوار سائق السيارة الأولى، وجهه شاحبٌ كالموت، وعيناه زائغتان تنظران إلى الأرض خشية أن تتلاقى أنظاره مع أنظار تجار الحارة والسوق الذين تجمهروا على جانبي الشارع ليشاهدوا “رد الاعتبار”.

وقفتُ على أعتاب المخزن، وإلى جواري أبي المتكئ على عصاه بثبات الصخور، وأخي أحمد يستعد بكرّاسته وقلمه لتسليم البضاعة وحصرها قطعةً قطعة. نزل حسين من السيارة بخطوات ثقيلة، يتصبب منه العرق رغم برودة الهواء، وقدم ونظره مثقوب في التراب قائلاً بصوت خافت مكسور: “البضاعة رجعت يا حلمية.. زي ما كانت، ومفيش كرتونة واحدة نقصت.”

ترجل الحاج متولي من على دكته الشهيرة أمام مخزنه، وتقدم بخطوات بطيئة، وضع يده على كتف حسين وقال بلهجة حادة كالسكين: “البضاعة ترجع.. ده أصل الحق يا حسين، لكن الخيانة والسرقة من يتامى أخوك دي عار يفضل ملاحقك في السوق لحد ما تقابل ربك. قدامك لحد أذان المغرب، تصفي كل حساباتك مع المحل، ولا رجلُك ولا رجل أمك تعتب العتبة دي تاني إلا بالمعروف والزيارة، والبيع والشراء مابينكم وبين حلمية يتكتب بالقرش والمليم.”

دخلتُ إلى عمق المخزن مع أحمد وأبي، وبدأ العمال في تنزيل البضائع ورصها كما كانت. كنتُ أرقب كل كرتونة تدخل، وأشعر أن كل جزء من هذا المكان يفيض بآهات زوجي الراحل وشقائه الذي جمع به هذا المال. لم يكن الأمر مجرد بضاعة تُرد، بل كان ميلاداً لامرأة جديدة وُلدت من رحم الفقد والقهر، امرأة أدركت أن الشفقة في عالم التجارة مجرد أسطورة، وأن الحق يلزمه مخالب تحميه.

مع غروب الشمس وإغلاق أبواب المخزن بعد إتمام الحصر بالكامل، جائتني إحدى جاراتي مسرعة، تلهث وتقول بصوت خفيض: “الحقي يا حلمية.. حماتك تحت في الشقة قايمة قيامتها، وجمعت كبار العيلة من طرف !”

نظر إليّ أبي وقال بصوت هادئ: “جاهزة يا بتي؟ العيلة لما تتجمع في باطل، مابيكسرهاش غير الحق والقانون.”

رددتُ عليه بثبات: “جاهزة يا أبا.. اللي يقف قدام الموت والخيانة، مابيهزوش جلسة عرب.”

نزلتُ إلى شقة حماتي، وكانت الصالة ممتلئة برجال كبار السن من عائلة زوجي، يتقدمهم عم زوجي “الحاج رضوان”، وهو رجل صعابي شديد بأس، معروف بصرامته. كانت حماتي تجلس على الكنبة تنوح وتبكي بحرارة زائفة، وحسين يقف خلفها مطأطأ الرأس، وزوجته تنظر إليّ بنظرات غل وحقد.

بمجرد أن وطئت قدمي الصالة، وقف الحاج رضوان ونظر إليّ بعينين حادتين ثم قال: “إقعدي يا حلمية.. إحنا سمعنا اللي حصل، وحسين أخطأ ووقع في نمرة وحشة، لكن السوبرماركت والمخزن دول كيان العيلة، والتجارة دي اسمنا وسمعتنا في السوق. إنتِ ست، والشرع ليكِ نصيبك أنتِ والبنات، لكن الإدارة والوصاية لازم تكون لراجل من العيلة.. المحل والمخزن يتكتبوا باسم حسين وهو يدير، ويطلعلك ماهية وشهرية إنتِ وبناتك تعيشوا منها مكفولين.”

صمت الجميع في القاعة انتظاراً لردي، وظنت حماتي أن حضور عم زوجي بجبروته سيرهبني ويجبرني على التنازل. لكنني أخذت نفساً عميقاً، وقدمت خطوة إلى منتصف المجلس، ونظرت في عين الحاج رضوان أمانة في رقبتي أنا مش في رقبة حد تاني. والشرع اللي بتتكلم عنه مابيديش الوصاية لواحد لسة من كام ساعة مرجع بضاعة يتامى أخوه بعد ما سرقها بالليل وحاول يلبسني في مليون جنيه كمبيالات مزورة مع تاجر !”

ارتفعت الأصوات في القاعة، وصاح عم زوجي مغضوباً: “جري إيه يا حلمية؟ كبرتي على العيلة وبتقولي في وشنا كلامرفعتُ يدي وأخرجتُ من حقيبتي ملفاً أصفر ضخماً، وضعتُه على الطاولة الوسطى بحدة جعلت الفناجين تهتز، وقلت بصوتزلزل الحاضرين:

” الملف ده فيه صور المستندات الرسمية، والدفاتر، وتفريغ الكاميرات اللي أخدته من الحاج متولي. الملف ده فيه إثبات إن حسين أخد من خزنة المحل قبل وفاة جوزي بأسبوع مائتين ألف جنيه بدون وجه حق، وفيه الورق اللي انقطعت الأنفاس في الصالة، ونظر الحاج رضوان إلى حسين بغضب عارم وقال: “الكلام ده صح يا حسين؟ أنت استوليت على بضاعة أيتام أخوك وكنت عايز تلبسها في كمبيالات؟”

لم يستطع حسين الرد، بل ابتلع ريقه والتفت وجهه للجهة الأخرى.

وقف الحاج رضوان وشخط في حسين وسحبه من ذراعه بقوة، ثم التفت إليّ وقال بلهجة تغيرت تماماً: “حقك علينا يا أم البنات.. العفش عفشك، والحلال حلال بنتك وبنات أخونا . العيلة ماليهاش يد في الباطل، وإنتِ من النهاردة صاحبة المال وكلمتك هي اللي تمشي، واللي يمسك بكلمة يمسنا كلنا.”

خرج رجال العيلة وهم يتهامسون بخيبة أمل حسين، وتركتُ حماتي تنظر إليّ بذهول وهي تدرك أن السيطرة التي عاشت تبسطها لسنوات قد انهارت في لحظة واحدة.

جاءني أحمد أخي صبيحة يوم الأربعاء متوتراً وقال: “يا حلمية، الموردين كنسلوا الطلبيات، والمخزن بضاعته بتقل، جلستُ في مكتب جوزي الراحل، أستعرض أرقام الهواتف والدفاتر القديمة. لم أسمح للذعر أن يتسلل إليّ. تذكرتُ كلمة كان زوجي يرددها دائماً: “السوق مابيعترفش بالأسماء، السوق بيعترف باللي معاه كاش ويقدر يحرك البضاعة بسرعة.”

أمسكتُ هاتفي واتصلتُ بشركات مصانع وموردين كبار خارج نطاق محافظتنا، وتحديداً في القاهرة والإسكندرية، من الذين لم تصلهم أيدي حسين ولا شائعاته. أخذتُ قراراً جريئاً للغاية؛ قمتُ بتسييل جزء من الوديعة الشخصية التي تركها لي زوجي لحالات الطوارئ، وقمت بدفع ثمن الشحنات الجديدة “كاش” مقدماً مع ضمان نسبة خصم عالية جداً لم يحصل عليها أحد في منطقتنا من قبل.

بعد ثلاثة أيام فقط، صُدم السوق بأكمله برؤية خمس تريلات ضخمة تابعة لكبرى شركات المواد الغذائية تقف أمام المحل والمخزن، تُفرغ أطنان السكر والزيت والأرز والأسعار أقل من سعر السوق بنسبة 5%!

وفي ذات ليلة، بينما كنتُ أعد أرباح الشهر الأول وأضع الجزء الأكبر منها في حساب البنات بالبنك، سمعتُ حركة غريبة فوق سطح العمارة، يتبعها صوت خطوات متسللة تنزل نحو منور المحل والمخزن الخلفي. أطفأتُ أنوار المكتب فوراً، وأمسكتُ بهاتفي لأتصل بأحمد وأبي اللذين كانا يسكنان في الشارع المجاور..

استرقتُ النظر من ثقب النافذة الخلفية للمكتب، فرأيتُ خيالاً يتحرك في الظلام يحمل زجاجة ضخمة من البنزين ويوجهها نحو أرفف كراتين الزيت والورق في المخزن!

يا ترى.. من هو الشخص الذي يتسلل بداخل المخزن ومعه البنزين في منتصف الليل؟ وهل سأتمكن من إيقافه قبل أن تلتهم النيران حلال أيتامي وتتحول الملايين إلى رماد؟ وما هي المفاجأة التي تنتظر حسين وحماتي في الصباح؟

الجزء الرابع

كتمت أنفاسي وأنا أستند إلى جدار المكتب البارد، وقلبي يقرع في صدري كأنه يريد الخروج من بين أضلعي. كان الخيال يتحرك بخفة وأناقة أفاعي الليل، يسكب السائل الخفيف من الزجاجة البلاستيكية على أطراف كراتين الزيت والورق، وريحة البنزين النفاذة بدأت تتسلل عبر فتحات التهوية لتملأ المكان

لم يكن هناك وقت للانتظار حتى يصل أبي وأحمد؛ فالشرارة الأولى كانت كفيلة بتحويل ملايين البضاعة إلى رماد في دقائق معدودة، وحرق البناية بأكملها بما فيها شقتي التي تنام فيها بنتاي الصغيرتان!

بدلاً من الصراخ الذي قد يدفع المجرم لإشعال العود فوراً، سحبتُ عصا حديدية ثقيلة كانت ملقاة بجوار باب المكتب، ثم تسللتُ في الظلام الدامس مستغلة معرفتي الدقيقة بزوايا المخزن وممراته. اقتربتُ بحذر شديد حتى أصبحتُ على بعد خطوات قليلة منه، وكان الضوء الخافت المتسلل من الشباك العالي يضيء جزءاً من وجهه..

ولم تكن المفاجأة حسين! بل كان “سعيد”، العشي الموثوق والصبي الأقرب لزوجي المرحوم في المحل منذ سنوات، والذي كنتُ أعتبره ذراعي الأيمن في الأيام الماضية!

اندفعتُ نحوه  الأرض وأنا ، وفي ثوانٍ معدودة كانت أقدام أبي وأحمد أرضية المخزن بعد أن تركا باب الشارع مفتوحاً، وخلفهما عشرات التباشير من رجال الشارع والسوق الذين فزعوا على صوت .

أضاء أحمد أنوار المخزن الكاشفة، ليتجلى الأرضية، وسعيد الصبي ملقى على الأرض يتأوه، والولاعة في يده الأخرى، وأنا أقف فوقه ماسكة بالعصا يتطاير من عيني.

اندفع أحمد عليه وضربه ضربة أسقطته أرضاً وهو يصرخ: “يا واد يا جزمة! ده خير وقف الحاج متولي الذي حضر فوراً على أثر الضجة، ونظر لسعيد بحزم وقال: “انطق يا مخصي! مين اللي زقك تعمل في تلك اللحظة، كانت حماتي وزوجة حسين تنزلان درج العمارة بفزع على صوت الضجة، وحسين يقف خلفهما على السلم يحاول معرفة ما يجري. وما إن سمع اعتراف سعيد الصريح أمام كل تجار السوق، حتى استدار بسرعة وحاول الهرب صعوداً إلى الشقة!

لكن شباب الشارع وأحمد أخي كانوا أسرع منه؛ قفزوا على السلم وأمسكوا به من تلبيبه وسحلوه إلى أسفل، ليقف وسط حلقة السوق بالغضب.

حاول حسين الصراخ والنكران: “كداب! الواد ده حرامي وبيتبلى عليّ! أنا أعمل كده في ملك أخويا؟”

نظرت حماتي لابنها حسين بصدمة تزلزل كيانها، ولطمت على وجهها وهي منك يا ابني!”

أمسك الحاج متولي بهاتفه وأتصل بمأمور مركز الشرطة ، قائلاً: “يا سيادة المأمور.. عندنا خلال نصف ساعة، كانت سيارات الشرطة تملأ الشارع بصفاراتها المدوية. اقتيد حسين وسعيد بالكلبشات في أيديهم وسط سباب أهل الحارة وتجار السوق الذين أبصروا دناءة .

شخصت أبصار الجميع نحو حماتي وزوجة حسين اللتين وقفتا تطلبان الرحمة والستر، لكنني أدركتُ أن زمن في صباح اليوم التالي، جئتُ إلى السوبرماركت ومعي محامي العائلة. قمتُ بإجراء تغييرات جذرية: وضعتُ كاميرات مراقبة حديثة في كل شبر من المخزن والمحل، وغيرتُ جميع الأقفال، وعينتُ حراسة خاصة للمكان، كما أتممتُ إجراءات نقل كل أصول التجارة وتراخيصها رسمياً ونهائياً باسم بناتي تحت وصايتي القانونية الكاملة.

مرت الأيام، وأصبحتُ أتدرب يومياً على قيادة هذا الصرح التجاري الكبير، وأقف في البيع والجملة بثقة وثبات، وحققت تجارتنا نجاحاً باهراً وأصبحتُ أورد للبقالات المجاورة بفضل أسعاري المنافسة وإدارتي الحازمة، حتى أطلق عليّ تجار السوق لقب “الست المعلمة”.

لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.. فبعد مرور شهرين على فتح المحامي الخطاب ووجهه أبيض كالقماش، ثم نظر إليّ وقال بصوت مرتجف: “يا مدام حلمية.. حسين وهو في السجن قدم مستند جديد للنيابة بيطالب فيه بوقف كل نشاط السوبرماركت والمخزن، وبيعهم في المزاد العلني!”

فزعتُ وقلت: “مزاد علني إيه؟ الأوراق كلها سليمة والملك لبناتي!”

رد المحامي وهو يقلب الصفحات: “حسين أظهر عقد شراكة قديم جداً بيمتلك فيه نصف المحل والمخزن موقع من جوزك الله يرحمه قبل وفاته بسنة، وفيه بند بيقول إن من حق الشريك المطالبة بفض الشراكة وتصفية المكان فوراً في حالة النزاع القضائي.. والأدهى من كده، إن العقد ده معاه توقيع مالي بدين قديم على اتسمرتُ في مكاني وأنا أرى أن حسين وهو خلف الأسوار يحاول أن يسحبني معه إلى القاع، ويستخدم ورقة مستترة تركها زوجي بحسن نية أو بدهاء قديم بها بيتي الملكية منا بحكم القانون!

كيف سأواجه هذا العقد والديون المليونية التي ظهرت فجأة من تحت الأرض؟ وهل كان زوجي الراحل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى