Uncategorized

بقلم روماني مكرم 1

بلعت ريقي وبصيت له بثبات غريب، ثبات أنا نفسي ما كنتش عارفة جيباه منين. قلت له بصوت هادي ومستقر:

* حاضر يا مدحت.. اللي أنت عايزه هيكون. أنا فكرت ولقيت إن مالناش غير بعض، ومش هخسر بيتي عشان خاطر كلام فاضي.

مقالات ذات صلة

عنيه فتحت بذهول، والشيطنة ظهرت في ابتسامة نصر اترسمت على وشه. قام وقف وربت على كتفي بتمثيل ورخص:

* أيوة كده يا بت الأصول! هو ده الكلام العقلاني.. أنا برضه جوزك وسترِك وسندِك، والفلوس دي هتعملنا قيمة وسط الناس. اسحبي المبلغ كله كاش أو تحويل لحسابي، ونقفل الصفحة دي خالص.

* هروح البنك النهاردة أظبط الأمور يا مدحت.. بس سيبني على راحتي عشان أطلع الأوراق وأظبط الحسابات.

نزلت من البيت وقلبي بيلف في قفصي الصدري زي الطير المذبوح. أول ما مشيت في الشارع، مسكت التليفون وإيدي بترتعش. اتصلت بأخويا الكبير “حسام”. حسام هو كبيرنا بعد أبويا، راجل عاقل وكلمته سيف.

* ألو.. أيوة يا حسام، أنت فين؟

* أنا في الورشة يا حبيبتي، خير؟ صوتك ماله؟ أنتِ بتعيطي؟

* حسام.. أنا محتاجاك أنت ومصطفى أخويا ضروري. تعالى لي على الكافيه اللي جنب البنك الأهلي، وما تقولش لأمي أي حاجة.

في خلال نص ساعة، كان حسام ومصطفى قاعدين قدامي. أول ما قعدوا وشافوا وشي الأصفر وعينيا الزايغة، حسام حط إيده على إيدي وقال بقلق:

* في إيه يا بسنت؟ مدحت عمل معاكي حاجة؟ الفلوس فيها مشكلة؟

ما أقدرتش أمسك نفسي، انفجرت في العياط وهزيت رأسي. حكيت لهم كل حاجة بالمليم.. من أول الخناقة والشتيمة ورزع الكراسي، لغاية ما طلب مني أرجع فلوس أمي، ووصولاً للي سمعته بعينيا وودني بالليل وهو بيكلم شيماء بنت عمه وبيخطط يسرق الاتنين مليون ويتجوزها في التجمع.

مصطفى أخويا الصغير كان هيتجنن، قام وقف والدم ضرب في وشه وشتم بأعلى صوته:

* نهار أبوه أسود! ده ابن الكلب فاكرنا ماليناش صاحب؟! أنا رايح له الشقة أطربقها على دماغه ودماغ أهله!

حسام مسكه من هدومه وقعده بالعافية وهو بيجز على سنانه وعيونه بتطلع شرار:

* اقعد يا مصطفى! الشغل العاطفي والدم الحامي ده مش هيجيب حق أختك.. البهيم ده فاكر إنه بيلعب بلؤم، وحق أختنا ويا أهلاً بالمعارك، بس بالقانون والأصول عشان نكسر عينه صح.

بص لي حسام وسألني بصرامة:

* البنك فيه كام بالظبط دلوقتي؟

* فيه المليون و850 ألف بتوعي.. الـ 150 ألف بتوع أمي هي أخدتهم خلاص وحطتهم في حسابها زي ما اتفقنا كلنا.

* حلو أوي.. أنتِ دلوقتي هتخشي البنك، تعملي حساب جديد خالص في بنك تاني، أو تنقلي الفلوس لحساب مغلق برقم سرّي ما حدش يعرفه غيرك، وتعملي حظر على أي تعاملات بالفيزا أو التوكيل.

* ومدحت؟

* مدحت ده حكاية تانية.. اللعبة اللي بيلعبها، هنردها له في صدره.

رجعنا اتفقنا على خطة محكمة. حسام طلب مني أرجع البيت وأمثل إن كل حاجة ماشية تمام، وأقول لمدحت إن البنك أخد الأوراق ومحتاج يومين عشان يفك الوديعة أو يحول المبلغ لحسابه. وفي الأيام دي، حسام ومصطفى حفروا ورا مدحت وشيماء.

اكتشفنا المصيبة الأكبر.. مدحت كان مديون لشركاء قدامى بمبالغ كبيرة، وكان داخل في حوارات ونصباية كبيرة، وعمه (أبو شيماء) كان ضاغط عليه بديونه، وقايل له “تسدد اللي عليك وتتجوز شيماء وتاخد الورشة، يا إما هحبسك بالشيكات”. يعني مدحت ما كانش بس بيخونني، ده كان بيستخدمني كبش فداء يخلص بيه رقبتة من الحبس، ويكافئ نفسه بجوازة جديدة على حساب قهرتي وفلوس أبويا!

مر يومين، وفي اليوم الموعود، رجع مدحت البيت بالليل وهو طاير من الفرحة، جايب معاه أكل جاهز وحلويات، ودخل الأوضة وعلامات النصر على وشه:

* ها يا بسنت؟ البنك كلمك؟ الفلوس نزل لحسابي خلاص؟

كنت قاعد على الكنبة في الصالة، لابسة عبايتي السمرا وباصة له ببرود تام.

* الفلوس مش هتنزل يا مدحت.

وقف مكانو والأكل وقع من إيده على الأرض، ملامحه اتحولت في ثانية من الفرحة للشراسة:

* أنتِ بتقولي إيه يا روح أمك؟! يعني إيه مش هتنزل؟ أنتِ بتستعبطي؟

قمت وقفت بثبات، وبصيت في عينيه مباشرة ورحت قايلة له بالراحة وبكل وضوح:

* الفلوس اتنقلت لحساب تاني خالص، وما فيش مليم واحد هتشم ريحته.. ولا أنت، ولا شيماء بنت عمك اللي رايح توعدها بتجمع وسفر بفلوس أبويا الله يرحمه!

الكلمة نزل علي وشه زي الصاعقة. خطوتين للخلف ووشه اتمسح منه الدم، وبص لي بذهول ورعب:

* أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ جننتِ؟ شيماء مين؟

* شيماء اللي كنت بتكلمها الساعة اتنين بالليل في البلكونة يا مدحت! شيماء اللي بتقولها البصمة على التنازل يومين وتكون في حسابي! فاكرني غبية؟ فاكرني عشان ساكتة وببكي على أبويا هتبقى أهبل وتضحك عليا وتسرقني وترميني؟

مدحت لعثم في الكلام، وشفايفه بقت ترتعش، بس الجشع والرعب من ضياع الملايين خلاه يفقد عقله. جرى عليا وهجم عليا، مسكني من شواربي وزقني في الحيطة وهو بيصرخ بصوت زئير:

* الفلوس دي هتطلع يعني هتطلع! أنتِ هتمضي على التنازل وغصباً عن عين أهلك، يا إما مش هتبرحي الأوضة دي حية النهاردة!

في اللحظة دي بالظبط.. الباب اتركع برجة هزت البيت كله!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى