روايات وقصص

زينب

اماني السيد

كانت زينب، مرات ابني الصغير، داخلة بيتنا من عيلة على قد حالها، ومن أول أسبوع شيلتها البيت كله فوق كتافها عشان أعرفها إنها داخلة على عز مش عزها. كنت بشوف طيبتها وهدوءها ، فكنت أسلط عليها سلايف…

كانت زينب، مرات ابني الصغير، داخلة بيتنا من عيلة على قد حالها، ومن أول أسبوع شيلتها البيت كله فوق كتافها عشان أعرفها إنها داخلة على عز مش عزها. كنت بشوف طيبتها وهدوءها ضعف وخنوع، فكنت أسلط عليها سلايفها وأفهمهم إنها مش من توبنا، وإن وجودها بينهم مجرد مساعدة مش أخت.لما سلفتها الكبيرة كانت بتجهز لجواز أختها، زينب وقفت في المطبخ تلات أيام تطبخ وتخبز للضيوف، رجليها ورمت وهي شايلة الصواني طالعة نازلة، والكل كان قاعد حاطط رجل على رجل بيتأمر عليها كأنها مستأجرة بالساعة.

مقالات ذات صلة

وحتى لما سلفتها التانية جالها دور برد شديد، زينب كانت تنزل الفجر تسخن الشوربة وتغسل الهدوم وتذاكر لعيالها عشان ترتاح، وكل ده عشان تشتري خاطرنا وتكسب كلمة حلوة تبل ريقها بعد التعب.كنت دايمًا أقلل من كل لقمة تعملها ومن كل خطوة تخطيها، وأقول لابني: “مراتك ملهاش أصل وبتعمل كده عشان عارفة مقامها”. ولادي وسلايفها اتعودوا على ، لدرجة إن عيالهم في البيت بقوا يرموا القشر والورق على الأرض ويقولوا لبنت زينب الصغيرة: “نضفي مطرحنا، ماهي أمك بتنضف لستك وأمهاتنا كل يوم ومبتقولش لأ”.

القشة اللي كسرت الضهر كانت يوم عزومة الجمعة الكبيرة، البنت الصغيرة دخلت المطبخ تطلب حتة لحمة من الصينية، قامت سلفتها الكبيرة زقتها على الأرض وقالتلها بصوت عالي: “إنتِ تاكلي من بواقي الأطباق بعد ما نخلص، أمك لسه مخلصتش غسيل الحلل عشان تمدي إيدك!”. البنت قامت تبكي وراحت لأمها مسكت في جلابيتها ووشها كله قهر.زينب في اللحظة دي وقفت، سابت المواعين اللي في إيدها، وبصت للكل بنظرة عمري ما شفتها فيها. قلعت المريلة ورمتها على الأرض بهدوء، ومسكت إيد بنتها وقالت بصوت هادي كسر البيت كله: “أنا خدمتكم بما يرضي الله عشان حبي لجوزي، بس لحد كرامة ضنايا وكل شيء خلص”.

نزلت شقتها ورمت المفتاح تحت الباب، ومن يومها الباب اتقفل ومبقاش ينفتح، وعرفت ساعتها إن اللي ينكسر بافتراء عمره ما يتصلح بكلمة اعتذار.مرت الأيام بعد قفلة الباب دي، والبيت اللي كان حسه عالي بحركتها وخدمتها بقى عامل زي المقبــ,,ـــــرة، كئيب وملهوش طعم ولا بركة. كنت فاكرة إنها يومين وهتيجي تبوس إيدي وتطلب السماح، لكن عدى أسبوع واتنين وهي قاطعة الخبر تمامًا، متطلعش خطوة بره عتبة شقتها، حتى جوزها لما يرجع من شغله يدخل تحت وميطلعش يسهر معانا زي عوايده.سلايفها اللي كانوا واخدين على الراحة والأكل الجاهز والمطابخ المتنضفة على الفرازة، بدأوا يضــ,,ـــــربوا في بعض. دي تقول دي نوبتها في غسيل السلم، والتانية تصوت من تراكم الغسيل وطبيخ العزومات، وابتدت المشاكل والخناقات تدب في كل ركن، وبقوا يترموا في وشي بدل ما كان كلامهم معسول.

وفي يوم، وقعت في الصالة ورجلي اتلوت ومقدرتش أتحرك من مكاني. فضلت أنده وأستغيث، سلفتها الكبيرة قالتلي من ورا باب شقتها: “معلش يا حجة ضهري وجعني ومش قادرة أنزل”، والتانية خرجت عملت نفسها مش سامعة ورايحة مشوار لأهلها. في اللحظة دي بالذات، حسيت بالكسرة والذل اللي كنت بدوقهولها كل يوم بإيدي.سمعت صوت خطوات سريعة على السلم، الباب اتفتح، ولقيت زينب داخلة تجري ووشها

بعد الليلة دي، حسيت إن البيت كبر عليا فجأة، وبقت كل حيطة فيه بتفكرني بقسوتي. سلايفها اللي كنت بعملهم حساب وبراضيهم على حسابها، بقوا يتخانقوا على أتفه الأسباب، وكل واحدة فيهم شايفة نفسها أميرة ومحدش يطلب منها كوباية مية. ابني الكبير جه في يوم يزعق ويشتكي إن البيت مهمل ومحدش بيطبخ لأمه، مردتش عليه، لأني كنت عارفة إن اللي بنى العز ده كله بحسّه وطيبته كان زينب، واحنا بأيدينا طردنا البركة من .

ابني جوزها، اللي كان دايمًا ساكت وواطي الراس عشان ميزعلنيش، جه قعد قدامي في يوم وبص في عيني بوجع عمري ما شفته فيه، قالي: “أنا سكتت كتير يا أمي وقولت رضاكي بالدنيا، بس سكوتي كسر مراتي وذل عيالي، وأنا مش هقبل أعيش هنا دقيقة واحدة تانية”. كان مجهز شقة إيجار على قده، بعيد عن بيت العيلة، جهز شنطهم في هدوء من غير ما يعملوا دوشة ولا يوجهوا كلمة عتاب لواحدة من السلايف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى