روايات وقصص

روماني مكرم 2

سيد بصوت مرتعش: “نجلاء.. أنتِ.. أنتِ جيتي ليه؟ جيتي تنقذينا؟”

ابتسمت نجلاء ابتسامة هادئة ورشقت كلماتها كالمسامير:

مقالات ذات صلة

— “أنقذكم؟ أنا جاية أستلم ملكي يا سيد.”

تدخلت المحامية ماجدة بصرامة ورفعت الصيغة التنفيذية أمام المحضر والشرطة ومدحت:

— “الأرض دي والمخازن اللي عليها بجميع محتوياتها والبضاعة اللي جواه، مسجلة ملكية حصرية ومطلقة باسم المدام نجلاء بموجب إعلام وراثة وعقد رهن وتمليك نهائي ممتد من المرحوم جدها. أي محاولة لنقل أي قطعة بضاعة من هنا تعتبر سرقة بالأكراه واعتداء على ملكية خاصة، والقوة التنفيذية معاها أمر بمنع أي شخص من دخول الموقع!”

مدحت صدم ورجع لورا خطوات وهو يبص للورق: “إيه الكلام الفارغ ده؟ سيد متنازلي عن البضاعة دي!”

ماجدة ردت بثقة وصوت مرتفع أسمع الجميع:

— “سيد كان بيبيعلك السمك في المية يا أستاذ مدحت! سيد لا يملك الشبر اللي واقف عليه، والتنازلات اللي في إيدك بلها وشرب ميتها! وأختك شيرين الشيكات اللي معاها هتترد عليها بقضية تزوير واستغلال نفوذ وإفلاس تدليسي محرر ضدها النهاردة الصبح!”

سيد وقع على ركبتيه في التراب أمام بوابة المخزن، يباعد بين أنفاسه بصعوبة. لم يستوعب حجم اللعبة؛ الزوجة التي ظن أنه استغفلها وأكل حقها، اتضح أنها المالك الحقيقي لثروته بالكامل، وأن العشيقة التي حارب من أجلها خسر أمامها كل شيء وستساق معه إلى ساحات المحاكم.

نجلاء اقتربت من سيد الملقى على الأرض، أخرجت من حقيبتها مظروفًا أبيض ورمته تحت قدميه.

وقالت بصوت هادئ ومسموع للجميع:

— “دي دعوى الخلع ورسم الدخول في المزاد العلني لشراء بقية ورش الشركة المحجوز عليها. الأسبوع الجاي، شركة العريان هتبقى رسمياً شركة ‘نجلاء وشركاها للتبريد’. أنت وأمك وشيرين هتقفوا في مكانكم الصح.. المكان اللي أفعالكم وطمعكم يديكم إياه.”

التفتت نجلاء وذهبت نحو سيارتها بخطوات ثقيلة ومرفوعة الرأس، بينما كان سيد يصرخ باسمها ويبكي في التراب، وأخته سحر تصرخ على مدحت الذي بدأ بالهرب من المكان قبل وصول شرطة الأموال العامة.

ولكن الكشف الأخير والضربة القاضية لم تكن قد اكتملت بعد…

فحين وصلت نجلاء إلى مكتب المحامية ماجدة مساء ذلك اليوم لتوقيع استلام المخازن رسمياً، تلقت ماجدة مكالمة هاتفية طارئة من الطب الشرعي والسجل المدني بشأن بلاغ قديم كانت نجلاء قد تقدمت به للفحص الحيوي والوراثي بشأن شهادة ميلاد الطفل الجديد “عمر”!

ماجدة رفعت السماعة، وشحبت ملامح وجهها، ثم نظرت إلى نجلاء وقالت بصوت يرتجف من الصدمة:

— “نجلاء.. نتيجة تحليل الـ DNA بتاعة البيبي اللي ولدته شيرين وصلت…”

الجزء الخامس والأخير

وقفت نجلاء في منتصف المكتب، الشارع أسفل النافذة يعج بالحركة، لكن الصمت داخل الأوضة كان يخنق الأنفاس. نظرت للأستاذة ماجدة وهي تجلس خلف مكتبها، يداها ترتجفان وهي تمسك بتقرير الطب الشرعي الصادر رسمياً وبختم الدولة.

سألتها نجلاء بصوت هادئ، هدوء البحر الذي يسبق العاصفة:

— “في إيه يا ماجدة؟ النتيجة فيها إيه؟”

ماجدة رفعت عينيها وبصت لنجلاء بذهول واشمئزاز من بشاعة المخطط:

— “البيبي.. الولد اللي سيد دمر بيته وعيلته وباعك علشانه، وطفش الدنيا عشان يقول ‘عمر سيد العريان’.. مش ابن سيد أصلاً يا نجلاء!”

نجلاء اتسمرت مكانها، وحطت إيدها على فمها من صدمة الخبر، رغم كل اللي شافته:

— “مش ابنه؟! إزاي؟!”

ماجدة فتحت التقرير وقرأت النتيجة بالنص:

— “تحليل الـ DNA بيؤكد نفي النسبة تماماً عن سيد العريان. الطفل ده ابن ‘مدحت’.. أخو شيرين! يعني شيرين ومدحت مش إخوات من الأصل، دول كانوا شبكة نصب واستغلال! ادعت إنه أخوها عشان يدخلوا الشركة مع بعض، ولما حملت منه، استغلوا عقدة ‘الولد’ عند سيد وأمه، وألبسوه التهمة والولد، عشان يجبروه يكتب الشقة باسمها ويتنازل عن البضاعة والمناقصات لصالحهم!”

في تلك اللحظة، كان سيد يتواجد في قسم الشرطة بعد أن ألقي القبض عليه وعلى أمه الحجة فاطمة للتحقيق في الشيكات المقدمة ضد الشركة. كان سيد يجلس على الدكة الخشبية الباردة، وأمه بجواره تبكي بقلة حيلة وتتحسر على الأيام التي كانت تصول وتجول فيها في بيت نجلاء.

دخل العسكري ورمى ملف التحقيقات أمام الضابط، ودخلت شيرين ومدحت مكبلين بالكلبشات بعد أن ألقت شرطة الأموال العامة القبض عليهما أثناء محاولتهما الهرب خارج البلاد بالبضاعة المهربة.

وقف سيد وهو يرتجف، وصرخ في شيرين:

— “ليييه؟ ده أنا عملت كل حاجة علشانك وعلشان الولد!”

هنا، تقدمت الأستاذة ماجدة ودخلت سراي النيابة، وألقت بتقرير الـ DNA ورقة التحليل الفاصلة على طاولة وكيل النيابة أمام الجميع.

الضابط قرأ التقرير، ثم نظر لسيد بنظرة شفقة وازدراء وقال:

— “الولد اللي أنت جرت ورائه وبعت زوجتك وبيتك علشانه.. طلع مش ابنك. التقرير الطبي الشرعي أثبت إن الطفل ابن المدعو مدحت اللي واقفه جنبك دي، وكانوا بيلبسوك القضية والنسب عشان يستولوا على أموالك!”

سيد أخرج صيحة مكتومة، كأن خنجراً مسموماً غُرست في منتصف قلبه. بص لشيرين، التي طأطأت رأسها في الأرض ببرود دون أن تنطق بكلمة.

التفت سيد لأمه الحجة فاطمة، التي انهارت على الأرض وسقطت في نوبة بكاء هستيرية وهي تصرخ:

— “يا فضيحتك يا فاطمة! يا خسارة شقاكي يا نجلاء! يا دي النكسة والخراب!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى