روايات وقصص

روماني مكرم 2

مدحت قام بكل هدوء، وضع يده في جيبه وقال بنبرة ساخرة:

— “اهدى بس يا سيد بيه عشان صحتك.. وما ترفضش صوتك في بيت أختي. سرقة إيه وكلام فاضي إيه؟ العقد ده استشارات مبيعات تسويقية رسمية، والشيكات اللي أختي خدتها منك كانت مقابل مؤخر صداقها وفواتير تجهيز الشقة.. كل حاجة بالقانون وبإمضاء إيدك الكريمة.”

مقالات ذات صلة

سيد التفت لشيرين والدموع تتجمع في عينيه من هول الصدمة:

— “شيرين.. أنتِ كنتِ متفقة معاهم عليا؟ أنا اللي جوزتك وكتبتلك الشقة دي وعملتلك كل اللي طلبتيه عشان تجيبلي الولد؟”

شيرين حطت البيبي في سريره وقامت ببرود شديد، وبصت له من فوق لتحت:

— “ولد؟ هو أنت فاكر إن في زمننا ده في ست بتبيع نفسها وكرامتها عشان تتجوز راجل أكبر منها بـ 15 سنة وتتحمل قرف أمه وتديه ولد لوجه الله؟ أنت كنت بالنسبة لي صيد سهل يا سيد.. راجل موهوم بحلم ‘الولد’، وعنده عقود ومناقصات يسوى ملايين، وأمه كانت السلم اللي دخلتلك منه! أُمك هي اللي جابتك لحد عندي لما كانت بتتحايل عليا أقبل بيك عشان ألم الشمل وأجيب الولد العريان!”

الكلمات كانت كالسياط على وجه سيد. اكتشف أن أمه لم تكن مجرد شريكة في خداع نجلاء، بل كانت الفريسة السهلة التي استخدمها مدحت وشيرين للوصول إلى ثروة الشركة وممتلكاتها!

قال سيد وهو يرتجف: “الشقة دي باسمي.. هبيعها وأسدد ديوني!”

ابتسم مدحت وقال بثقة: “تبيع إيه يا شاطر؟ الشقة دي مكتوب فيها شرط جزائي ومسجلة باسم شيرين كمنزل زوجية ومؤخر، ولو فكرت تقرب منها أو ترفع قضية، الشيكات المفتوحة اللي معاها بإمضاءك هتوصل النيابة بكرة الصبح.. وتفضل من غير مطرود عشان المدام محتاجة ترتاح.”

خرج سيد من الشقة كالمجنون، يشعر بالدوار والضياع. الشارع كان مظلمًا في عينيه. رجل كان يملك كل شيء: زوجة صالحة، بنتاً كالقمر، 7 ملايين جنيه، شركة ناجحة، وشقة واسعة في شبرا.. وفي ظرف 48 ساعة، أصبح بلا بيت، بلا شركة، مهدداً بالسجن، وعشيقته التي تحدا من أجلها العالم ألقته في الشارع بعد أن أخذت كل ما يملك!

تلقى اتصالاً آخر من أمه:

— “الحقني يا سيد! المستشفى حاطة أمن على الباب ومش راضيين يخرجوني! فين نجلاء؟ كلم نجلاء تخلي الفيزا تشتغل!”

صرخ سيد في الهاتف بأعلى صوته وبكاء هستيري:

— “نجلاء مش هنا يا أمي! نجلاء باعت الشقة وأخدت الـ 7 مليون وقَفلت الشركة! نجلاء اللي كنتِ بتقولي عليها عمياء وبتسمع الكلام طلعت أذكى مننا كلنا! شيرين وأخوها سرقونا ورموني في الشارع يا أمي!”

على الجانب الآخر، وفي إحدى المناطق الهادئة في التجمع الخامس، كانت نجلاء تجلس في فيلا صغيرة مستأجرة بعناية. الشرفة تطل على حديقة غناء، وجودي بنتها تجلس بجوارها تدرس على جهاز اللابتوب براحة بال لم تشهدها منذ سنوات.

دخلت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفاً أسود كبيراً.

ابتسمت نجلاء وقدمت لها فنجان القهوة الساخن.

ماجدة قعدت وقالت: “سيد أكل القلم المظبوط يا نجلاء.. شيرين ومدحت جردوه من كل حاجة، والبنك أعلن التحفظ على حصته في الشركة، وأمه محبوسة في المستشفى بسبب المصاريف.”

نجلاء رشفت من القهوة بهدوء، ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الشماتة، بل كان وجهها يعكس راحة بال من استرد حقه كاملاً غير ناقص.

قالت نجلاء: “أنا مش شمتانة يا ماجدة.. أنا بس عملت اللي كان المفروض أعمله من 10 سنين. حمايتي لنفسي ولبنتي كان لازم تكون هي الأولوية، مش التضحية للي ما يستاهلش.”

ماجدة فتحت الملف الأسود وقالت بنبرة جدية:

— “تمام.. خطوتنا الجاية جاهزة. المحلات والورش بتاعة شركة العريان هتنزل في المزاد العلني الأسبوع الجاي بمرسوم قضائي لتسديد ديون الموردين. الـ 7 مليون بتوعك مأمنين في حساب جودي، بس إحنا نقدر نستخدم السيولة اللي أخدتيها من بيع شقة شبرا (الـ 3.5 مليون) عشان ندخل المزاد ده ونشتري الأصول دي باسمك أنتِ وباسم جودي وبأقل من نص تمنها الحقيقي!”

نجلاء ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “يعني الشركة اللي سيد وأبوه بنوها، واللي سيد ضيعها عشان شيرين.. هتتحول لشركة ‘نجلاء للتبريد والتكييف’؟”

ماجدة ردت: “بالظبط كده.. وسيد مش هيكون حيله أي حاجة يدافع بيها عن نفسه. بس في حاجة واحدة أستاذة نجلاء لازم تعرفيها الأول قبل ما ندخل المزاد بكرة…”

نجلاء بصلتها باستغراب: “حاجة إيه؟”

ماجدة طلعت ورقة ثانية مطوية من الملف، ونزلت نظارتها وقالت بصوت واطي:

— “وأنا براجع السجل العقاري والمستندات القديمة بتاعة جَدِك اللي ورثتي منه أرض العياط عشان أأمن موقفنا القانوني في المزاد.. اكتشفت حاجة غريبة جداً يا نجلاء. أبا سيد — الحاج العريان الله يرحمه — كان كاتب أرض المخازن الرئيسية بتاعة الشركة باسم جَدِك أنتِ من 25 سنة كرهن سري مقابل دين قديم، والدين ده اتسدد بس الرهن ما اتفكش رسمي في الشهر العقاري! وده معناه إن سيد وأمه طول الـ 16 سنة اللي فاتوا كانوا فاكرين إنهم يملكوا المخازن، في حين إن الملكية القانونية المطلقة للمخازن دي.. ترجع ليكي أنتِ لوحدك من غير مزاد ومن غير ما تدفعي مليم واحد!”

نجلاء اتسمرت في مكانها، والفنجان كاد يقع من يدها!

المفاجأة لم تكن فقط في خيانة سيد، بل في أن الثروة الحقيقية للشركة كانت طوال هذه السنين تحت يد نجلاء وهي لا تعلم، وأن ضربتها القادمة لن تكتفي بإنقاذ نفسها، بل ستجعل سيد يكتشف أنه كان يعيش في ملكها هي طوال 16 سنة!

الجزء الرابع قبل الأخير

وقفت نجلاء أمام نافذة الفيلا تتأمل الأوراق التي وضعتها الأستاذة ماجدة على الطاولة. الورقة لم تكن مجرد سند عقاري قديم، بل كانت بمثابة مفتاح العدالة الإلهية الذي رُدّ إليها في الوقت المناسب تمامًا. عقد الرهن الخاص بمخازن شركة العريان—وهي القطعة الأكبر والأعلى قيمة في أصول الشركة بالكامل، والواقعة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي—كان مسجلاً باسم جدها الراحل، وبسبب عدم فك الرهن رسميًا ومضي عقود طويلة، انتقلت الملكية القانونية والرقابة الكاملة إليها هي بحكم الإرث الشرعي المسجل.

 

التفتت نجلاء نحو ماجدة وقالت بنبرة حاسمة يملؤها الثبات:

— “يعني المخازن دي ملكي أنا بالقانون يا ماجدة؟ وسيد وشيرين وأخوها بيبتزوا بعض على شوية بضاعة متخزنة في ملكيتي أنا؟”

ردت ماجدة وهي تبتسم بإعجاب:

— “بالظبط كده يا نجلاء. سيد كان فاكر إنه بيلعب شطرنج معكِ، وتاريكي أنتِ اللي ملكة الرقعة من البداية من غير ما تدري. مدحت وشيرين كانوا حاطين عينهم على المخازن دي بالذات لأنها الملاذ الأخير للشركة، وخدوا من سيد تنازلات عرفية عنها.. والتنازلات دي بلّيها وشربي ميتها، لأن سيد أصلًا ما كانش يملك حق البيع أو التنازل عن أرض المخازن!”

في هذه الأثناء، كان سيد يمر بليلة هي الأكثر سوادًا في حياته.

جلس على رصيف الشارع أمام المستشفى بعد أن رفضت الإدارة خروج أمه إلا بعد سداد المبلغ أو تقديم ضمانات مالية. التليفون لم يتوقف عن الرنين: الموردون يطالبون بديونهم، شيرين أغلقت هاتفها في وجهه بعد أن وضعت مولودها في شقتها الجديدة، والبنك أرسل مندوبًا لمقر الشركة لاستكمال إجراءات التحفظ.

اضطر سيد للتنازل عن كبريائه، ورهن سيارته الشخصية لتاجر سيارات مستعملة بنصف ثمنها، ليوفر مبلغ الـ 85 ألف جنيه كاش. أسرع إلى المستشفى وسدد الحساب، ودخل غرفة أمه الحجة فاطمة وهو يجر قدميه ومحاطًا بهالة من الانكسار والانهيار.

كانت الحجة فاطمة تجلس على السرير، وجهها شاحب ولكن نبرة الأنانية لم تفارقها.

أول ما رأته صرخت:

— “تأخرت ليه يا سيد؟ وين نجلاء؟ خليها تجي تاخدني بالسيارة وتسويلي اللقمة، أنا جائعة وتعبانة من أكل المستشفى!”

سيد ألقى بنفسه على الكرسي المائل بجوار السرير، وبكى بحرقة لم تشهدها أمه منه طوال عمره:

— “نجلاء مش جاية يا أمي.. نجلاء باعت الشقة، وأخدت الـ 7 مليون، وقَفلت حساباتنا، وطلبت الطلاق رسمياً! نجلاء عرفت كل حاجة.. شفتها وهي واقفة في ممر الولادة وسمعتك وأنتِ بتقوليلي إجري كمل مع شيرين!”

اتسعت عينا الحجة فاطمة بصدمة، وتلعثمت:

— “شـ.. شفتنا؟ والـ 7 مليون بتوعها؟ والشقة؟ أنت بتقول إيه يا سيد؟ إحنا هنروح فين؟”

سيد رفع رأسه وعيونه حمراء كالجمر:

— “هنروح الشارع يا أمي! شيرين وأخوها سرقوا البضاعة والمناقصات، ورفعوا عليا شيكات، والشركة محجوز عليها، وشقة شبرا ائتباعت للغير! الولد اللي كنتِ بموتِ عليه جاب أهله وجردوني من كل حاجة ورموني!”

سقطت الحجة فاطمة على الوسادة وهي تصرخ وتلطم خدودها، تستوعب لأول مرة حجم الكارثة التي تسببت فيها بطمعها ورغبتها في السيطرة. الست التي كانت تستغلها وتعتبرها مجرد خادمة “عمياء بتسمع الكلام”، كانت هي الأمان والغطاء والسند الحقيقي الذي يستر عورات هذه العائلة.

في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كان الجمع يحتشد أمام المقر الرئيسي لمخازن شركة العريان.

حضر مدحت شقيق شيرين ومعه شاحنات كبيرة مصحوبة ببدلاء وعمال لنقل البضاعة الموجودة داخل المخازن لحسابه الخاص، مستندًا إلى التنازلات العرفية التي أخذها من سيد. وفي المقابل، كان سيد وأخته سحر يقفون على بوابة المخزن يحاولون منعهم بالقوة، والتلاسن كاد يتحول إلى مشاجرة بالأيدي.

مدحت لوّح بالأوراق في وجه سيد وصرخ:

— “زحّف أنت وهي من السكة! معايا تنازل رسمي ببضاعة المخزن، ولو فتحت بقك هطلبلك الشرطة بالشيكات اللي معاها أختي!”

سيد صرخ بعجز: “المخزن ده أصول الشركة يا حرامي! مش هتمس حبة صاج واحدة!”

وفجأة، توقفت ثلاث سيارات سوداء فارهة أمام بوابة المخزن.

نزل من السيارة الأولى لواء شرطة متقاعد يعمل كحارس أمن تنفيذي، ومعه قوة تنفيذ أحكام وقضائية ورسمية، ومن السيارة الثانية خرجت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفًا أزرق ختم بختم الدولة والجمعية العقارية.

وأخيرًا.. فتح باب السيارة الثالثة، ونزلت نجلاء.

كانت ترتدي طقمًا أنيقًا باللون الأسود والرمادي، نظرتها ثاقبة، خطواتها واثقة، وعلى وجهها ابتسامة كبرياء تحكي قصة امرأة بعثت من جديد من تحت ركام التضحيات الغبية.

توقف الجميع عن الكلام. سيد جمد في أرضه، وسحر أخته شهقت بالبُكاء، ومدحت قطس حاجبه باستغراب:

— “أنتِ مين يا مدام؟ وداخلة هنا بأمارة إيه؟”

نجلاء لم تنظر حتى لمدحت، بل مرت من أمامه وكأنه هواء. وقفت أمام سيد مباشرة، بصت في عينيه المكسورتين ببرود تام.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى