منوعات

جوزي كان فاكر إني مستحيل أفهم ألماني

بقيناش أصحاب مقربين بين يوم وليلة.
وبصراحة، كان فيه أيام مجرد ما أبص لبطنها وهي بتكبر، أحس كأن حد ضغط على جرح قديم جوايا.
كنت بشوف قدامي الحياة اللي فضلت سنين أدعي ربنا يرزقني بيها.
وكان بيطلع جوايا غضب ووجع.
لكن كل مرة كنت أفتكر إن غضبي الحقيقي مش من سلوى.
هي غلطت غلطة كبيرة.
وأنا كمان عشت اختيارات غلط.
لكن هي ما كانتش الشخص اللي بنى خطة كاملة على أعمق وجع في حياتي.
الشخص ده كان جوزي.
في صباح يوم تلاتاء عاصف من شهر أغسطس، سلوى ولدت.
اتصلت بيا من المستشفى، لأن طيارة أختها اتأخرت.
وكان صوتها مليان بكاء وهي بتقول
إنتِ مش مضطرة تيجي يا سارة. أنا أصلًا مش عارفة ليه اتصلت بيكي.
كنت قاعدة على طرف السرير في شقتي الصغيرة الجديدة.
لسه فيه كراتين نقل كتير مرمية على الأرض.
قلت لها
أنا جاية.
ما دخلتش أوضة المستشفى وأنا بعمل نفسي أم البيبي.
دخلت كست عارفة كويس يعني إيه واحدة تبقى لوحدها، والناس التانية تحاول تتحكم في مستقبلها وحياتها.
وبعد كام ساعة، اتولدت بنت جميلة جدًا، شعرها غامق وصوت بكاها كان قوي.
سلوى ضمتها لصدرها وفضلت تعيط.
وقالت بصوت مرتعش
هسميها ميا.
مديت إيدي ولمست إيد البيبي الصغيرة برفق.
وفجأة، قفلت صوابعها حوالين صباعي.
كنت متوقعة إن اللحظة دي تكسرني.
لكن اللي حصل كان العكس.
حسيت براحة عميقة غريبة.
وأمل قوي إن البنت الصغيرة دي تكبر وهي عارفة إنها عمرها ما كانت ورقة في صفقة، ولا طفل حد يحاول يخبيه، ولا وسيلة علشان راجل مكسور يصلح صورته قدام الناس.
بعد يومين، جوزي ظهر في المستشفى ومعاه باقة ورد ومحامي متخصص في قضايا الحضانة.
وقال عند الاستقبال
أنا عايز أشوف بنتي.
سلوى ضمت ميا لصدرها وقالت
هتشوفها لما المحكمة تحدد شروط الزيارة يا جوزي. مش وإنت جاي ومعاك أمك السامة واقفة مستنياك بره، ومش بعد ما حاولت تجبرني أتنازل عن بنتي.
جوزي بصلي بغيظ.
وقال
إنتِ اللي محضرة لها الكلام ده؟
رديت عليه بهدوء
لأ. هي أخيرًا عرفت تتكلم عن نفسها.
لف وخرج، وساب باقة الورد وراه.
عدت سنتين.
خلصت إجراءات الطلاق الصعبة، وأخدت من فلوسه القدر اللي يسمحلي أبدأ مشروعي الخاص في تصميم الجرافيك.
وعلقت ورا مكتبي لوحة صغيرة مطرزة، مكتوب عليها
أنا كنت فاهمة كل حاجة.
سلوى خلصت دراستها الجامعية أونلاين وهي بتربي ميا.
وجوزي حصل على حق زيارة لبنته، لكن تحت إشراف صارم.
حماتي حاولت تتدخل كذا مرة، لكن التسجيلات اللي ظهرت خلت من الصعب جدًا على أي قاضي يشوفها كجدة حنونة وخايفة على حفيدتها.
في عيد ميلاد ميا التالت، عملنا حفلة صغيرة في جنينة عامة قريبة.
كان فيه بالونات وردية، وسندوتشات معمولة في البيت، وتورتة ملونة كانت ميلة شوية ناحية اليمين.
وفجأة شفتها بتجري ناحيتي فوق العشب، وإيديها كلها متغطية بكريمة وردية.
وصاحت
خالتو سارة!
الكلمة دي كانت دايمًا بتخليني آخد نفس عميق.
خالتو.
مش ماما.
ومش الأم البديلة اللي كانوا عايزين يفرضوها في عقد سري ومريض.
ومش الست اللي المفروض تكون ممتنة علشان أخيرًا هتاخد طفل مش من حقها.
خالتو سارة.
لقب حقيقي.
وعلاقة حقيقية محدش خطط لها من ورايا.
شلتها، وعلى طول لطخت كريمة الفراولة في كتفي من البلوزة الحرير.
سلوى جريت علينا وهي بتعتذر كتير.
أما أنا، فرميت راسي لورا وضحكت من قلبي.
بعدها بساعات، وبعد ما باقي الأطفال مشيوا، قعدت أنا وسلوى على بطانية في الجنينة، وميا كانت نايمة في الضل.
قالت سلوى بصوت واطي
ساعات لسه بحس بالذنب، كأني أخدت منك الحاجة دي.
بصيت لها وقلت
إنتِ ما أخدتيش مني حاجة.
قالت
بس ميا…
قاطعتها بهدوء
ميا ما كانتش بتاعتي من البداية.
قالت
جوزك كان عايزها تبقى بتاعتك.
رديت
هو ما كانش عايز يملكها لوحدها. هو كان عايز يتحكم فينا إحنا التلاتة.
بصت سلوى لبنتها وهي نايمة.
وقالت
أنا آسفة.
رديت بصراحة
أنا لسه بزعل إني ما جبتش طفل من عندي. الوجع ده مش بيختفي فجأة. بس أخيرًا فهمت إن إن حد يناديني ماما مش هو الطريق الوحيد اللي حياتي ممكن يبقى ليها معنى.
مدت إيدها وضغطت على إيدي.
وقالت
ميا بتحبك جدًا.
ابتسمت.
وأنا كمان بحبها. وعلشان كده بالذات، ما كنتش هقدر أقبلها لو كانت جايالي وهي ملفوفة في كذبة.
في المساء، ظهر إيميل من جوزي في صندوق بريدي.
كان عنوانه
المسامحة.
كتب رسالة طويلة بيتكلم فيها عن قد إيه وحشاه وجودي في حياته.
ولام أبوه وأمه على كل اللي حصل.
وادعى إنه أخيرًا فهم قيمتي الحقيقية.
وبعدين اشتكى إن مفيش حد بقى يهتم بيه زي ما أنا كنت بعمل.
قريت كل كلمة.
وبعدين ضغطت على الرد وكتبت جملة واحدة
أنا كنت فاهمة كل حاجة وقتها يا جوزي، ولسه فاهمة كل حاجة لحد دلوقتي.
وبعدها عملت حظر نهائي لإيميله.
بعد كام سنة، كانت ميا قاعدة معايا على ترابيزة المطبخ بنلوّن سوا، وفجأة سألتني سؤال خلاني أضحك.
خالتو سارة، إنتِ كنتِ عايزة تبقي ماما ليا؟
سلوى وقفت مكانها وهي كانت لسه بتتحرك ناحية الحوض.
حطيت القلم من إيدي، ونزلت على ركبتي علشان أبقى في مستوى عين ميا.
وقلت لها
أنا فعلًا كنت نفسي أبقى ماما جدًا يا حبيبتي. بس إنتِ كان عندك ماما من البداية، وماما دي بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
ميا كرمشت وشها وهي بتفكر بجدية.
وبعدين قالت
يعني إنتِ الحاجة التانية بتاعتي.
ابتسمت.
وقلت
حاجة تانية إيه؟
قالت
زي ماما، بس مش ماما. زي الكشاف الصغير اللي بنستعمله لما النور الكبير في البيت كله يطفى.
عيني اتملت دموع.
وقلت لها
كشاف الطوارئ؟
هزت راسها بسعادة.
أيوه.
ابتسمت وقلت
عجبتني أوي.
وفجأة رمت دراعها حوالين رقبتي وحضنتني.
يوم ما خرجت من حياة جوزي، كنت مقتنعة إني خسرت فرصتي الوحيدة إني أعمل عيلة.
لكن الحقيقة إني خرجت من سفرة كان ناس قاسيين قاعدين عليها وبيضحكوا في وشي، لأنهم كانوا مقتنعين إن سكوتي معناه إني غبية.
ودخلت حياة جديدة.
حياة فيها دوشة وفوضى وضحك ووجع وحاجات ما كنتش مخططالها.
لكن فيها حاجة عمرها ما كانت موجودة قبل كده.
صوتي كان مسموع.
جوزي كان عنده حق في حاجة واحدة بس.
أنا فعلًا سكت فترة طويلة.
كنت بابتسم بأدب.
وبقدم الحلو.
وبسيبهم يتكلموا.
لكن السكوت مش دايمًا معناه ضعف.
ساعات الست بتكون بس بتسمع.
وساعات بتكون بتتعلم.
وساعات بتفضل ساكتة، وتجمع كل كلمة إنت بتقولها.
ولما تقرر أخيرًا ترد، بترد بنفس اللغة اللي كنت بتستخدمها علشان تحسسها إنها أقل منك.
بس المرة دي، كل كلمة بتقولها بتكون سبب في حريتها.

3 من 3التالي
تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى