
هتطلّقي؟
رديت
أيوه. لكن مش علشان تيسير قالت لي إنها حامل منك، ولا علشان هي كانت عايزة تاخد مكاني. أنا هطلّقك لأنك كسرت الثقة اللي بينا، ولأنك أثبتّ إنك مستعد تحمّلني نتيجة أفعالك علشان تنجو بنفسك.
ما حاولش يمنعني.
ويمكن لأول مرة من بداية الأزمة، ما حاولش يقنعني إنه الضحية.
أنهينا المقابلة، وبعدها بدأنا إجراءات الطلاق من خلال المحامين، مع تسوية الحقوق والالتزامات المالية وفقًا للقانون.
ما كانش فيه مشهد تصادم، ولا صراخ قدام الناس، ولا محاولة إني أفضحه على وسائل التواصل.
كان فيه قرار واضح، وأوراق رسمية، وحياة لازم كل واحد فينا يتحمل مسؤولية اختياراته فيها.
أما القضية، فاستمرت في مسارها القانوني بشكل منفصل عن الطلاق، لأن انتهاء الجواز ما كانش معناه انتهاء التحقيق أو سقوط المسؤولية عن المخالفات.
وده كان أهم درس اتعلمته من كل اللي حصل.
إن العدالة مش لازم تكون صاخبة علشان تكون حقيقية.
بعد شهور، رجعت لحياتي تدريجيًا.
رجعت أستقبل مرضاي، وأتابع الحالات اللي محتاجة رعاية، وأقضي وقتًا أطول مع أمي وصحابي اللي كنت أهملهم أحيانًا بسبب ضغط الشغل والجواز.
وفي يوم، دخلت عليّا مريضة جديدة، وكانت متوترة جدًا.
قعدت قدامي، وبعد ما بدأت أشرح لها خطوات الكشف، قالت
يا دكتورة، أنا قلقانة. جوزي بيقول لي إن كل حاجة بسيطة، بس أنا حاسة إن فيه حاجة غلط.
بصيت لها وابتسمت.
من حقك تسألي وتفهمي. وأنا دوري إني أوضح لك كل حاجة، وأجاوب عن أسئلتك من غير ما أقلل من قلقك.
لما خرجت، فضلت أفكر في الجملة اللي قلتها.
زمان، كنت مقتنعة إن الثقة معناها إني ما أسألش، وما أشكش، وما أراجعش كلام الشخص اللي بحبه.
لكن دلوقتي فهمت إن الثقة مش معناها إلغاء العقل، وإن الحب الحقيقي ما يطلبش من الإنسان إنه يتنازل عن حقه في معرفة الحقيقة.
وبعد انتهاء يوم العمل، خرجت من المستشفى، ووقفت للحظات قدام البوابة.
الشمس كانت بتغيب، والهوا كان هادي، ولأول مرة من شهور، ما كنتش مستعجلة أرجع بيت مليان أسئلة.
كنت راجعة لشقة صغيرة استأجرتها بعد الطلاق، رتبتها بنفسي، واخترت كل حاجة فيها على مزاجي.
ما كانتش فخمة، ولا كبيرة، لكنها كانت ملكي بمعنى أعمق من مجرد عقد إيجار.
كانت مساحة أقدر أعيش فيها من غير خوف، ومن غير ما أحتاج أراقب موبايل حد علشان أعرف إذا كان بيقول الحقيقة.
قبل ما أركب عربيتي، جالي إشعار برسالة من رقم غريب.
فتحتها، ولقيت رسالة قصيرة من تيسير
أنا عارفة إن اعتذاري مش هيغيّر اللي حصل، بس أنا آسفة على الطريقة اللي دخلت بيها حياتك، وعلى إني حاولت أجرحك علشان أكسب راجل ما كانش صادق معايا من البداية.
فضلت باصة للرسالة شوية.
ما حسيتش برغبة إني أرد عليها، ولا برغبة إني أقول لها إنها مسامحة.
قفلت الموبايل، وحطيته في شنطتي.
كان عندي حياة لازم أكملها، ومش كل جرح لازم يتحول لمصالحة، ومش كل اعتذار لازم يرجّع العلاقة زي ما كانت.
ركبت العربية، وشغلت المحرك.
وفي طريقي للبيت، افتكرت اليوم اللي دخلت فيه تيسير مكتبي وقالت لي بثقة إن كريم بقى من حقها، وإن لازم أطلّقه علشان يعيش معاها.
وقتها كنت فاكرة إن المعركة بيني وبينها.
لكن الحقيقة إن المشكلة ما كانتش مين فينا هيكسب كريم.
المشكلة كانت إن كريم نفسه كان مستعد يضحّي بأي حد علشان يحمي نفسه.
تيسير خسرت الوهم اللي كانت عايشة فيه، وكريم اضطر يواجه نتائج اختياراته، وأنا خسرت جوازًا كنت مؤمنة بيه، لكني ما خسرت نفسي.
وبعد 12 سنة، فهمت أخيرًا إن نهاية الجواز مش بالضرورة تكون نهاية الحياة.
أحيانًا، بتكون بداية حياة جديدة، مبنية على الحقيقة بدل الأوهام، وعلى احترام النفس بدل الخوف من الوحدة.
ومن يومها، لما أي حد يسألني إذا كنت ندمت على السنين اللي قضيتها مع كريم، بقول له نفس الإجابة:
أنا ما ندمتش إني حبيت. أنا بس اتعلمت إن الحب لوحده مش كفاية علشان يخلي الإنسان أمين. وإن أصعب قرار ممكن تاخده مش انك تسيب الشخص اللي بتحبه… لكن انك تسيب الشخص اللي كنت فاكر إنه بيحبك، لما تكتشف إنه مستعد يدمّرك علشان ينقذ نفسه.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



