
الجزء الثالث
سقط سيد على كرسيه وكأن الجدران تهاوت فوق رأسه. الأوراق في يده كانت تتراقص، وعيناه تنقلتا بين توقيع نجلاء الحاد وبين التقارير المالية والوثائق التي كشفت حقيقة شيرين. سحر، أخته، كانت تطوف في المكتب كالمجنونة، تلطم خدودها وتصرخ:
-
بنت جوزي ج 3منذ 11 ساعة
-
بنت جوزي ج 2منذ 11 ساعة
-
بنت جوزي ج 1منذ 12 ساعة
-
بقلم مني السيدمنذ 13 ساعة
— “ضيّعتنا يا سيد! ضيّعت شقى أبونا عشان حتة ولد! البنك هيحجز على المحلات والورش خلال أسبوع، والشيكات اللي باسمك هتدخلك السجن، وشيرين اللي جابتهالك أخت المنافس الرئيسي لينا في السوق!”
في تلك اللحظة، رن هاتف سيد. كان المتصل هو طبيب المستشفى حيث ترقد أمه الحجة فاطمة.
رد سيد بصوت خافت ومكسور: “أيوه يا دكتور…”
جاءه صوت الدكتور مستغربًا: “أستاذ سيد، والدتك محتاجة تخرج النهاردة، ومصاريف العملية والمستشفى لحد دلوقتي محدش دفعها.. المدام نجلاء كانت هي اللي متكفلة بكل الحسابات والفيزا بتاعتها هي اللي كانت مسجلة في الاستقبال، لكن الصبح جاء إخطار من البنك برفض أي تعامل على الفيزا دي، ومطلوب تدفع 85 ألف جنيه كاش فورًا عشان نكتب لوالدتك خروج!”
سيد أغمض عينيه بألم شديد. نجلاء لم تكتفِ بالخروج من حياته، بل رفعت يدها تمامًا عن كل مصاريف العائلة التي كانت هي العمود الفقري لها. أين يجد 85 ألف جنيه كاش الآن وحسابات الشركة مقفولة وحسابه الشخصي لا يحتوي إلا على بضعة آلاف؟
قال لل doctor بصوت مبحوح: “ساعة وأكون عندك يا دكتور…”
أغلق الخط وبص لأخته سحر: “هاتي أي سيولة معاكي يا سحر.. أمي محبوسة في المستشفى ومش عارفين نخرجها.”
سحر بصت له بغضب وقسوة: “أنا مش حيلتي جنيه يا سيد! فلوسي كلها كانت محطوطة في بضاعة المخزن اللي حضرتك تفرّجت عليه لشيرين وأخوها! روح للست شيرين تجيبلك من أرباح المناقصات اللي سرقتها مننا!”
خرج سيد من الشركة يجر قدميه جراً. توجه أولاً إلى الشقة التي أجرها لشيرين في منطقة التجمع الخامس، الشقة التي اشترها لها بأقساط مؤخرًا ليضمن بقاءها بجانبه حتى تنجب الولد.
فتح الباب بالمفتاح، ودخل يبتغي مواجهتها بالأوراق التي كشفتها نجلاء.
كانت شيرين تجلس على الأريكة تحمل الطفل “عمر”، وبجوارها والدتها وأخوها “مدحت” — الشريك المنافس في شركة التبريد!
عندما دخل سيد، لم يجد في عيونهم أي مظاهر للمفاجأة أو الخوف، بل كانت هناك برود تام وابتسامة ثقة خبيثة.
سيد رمى الأوراق على الطاولة وصرخ بصوت زلزل المكان:
— “إيه ده يا شيرين؟ إيه الورق ده يا مدحت؟ أنتم كنتم بتسرقوا الشركة من ورايا؟ العقد الاستشاري السرّي ده يعمل إيه مع المنافس بتعي؟”




