
لمحت جوة الحضّانة الشفافة من ورا البلاستيك حتة لحمة حمرا متغطية بشاش طبي معقم، كف
إيدها كان أصغر من عقلة صباعي، وصدرها الصغير جداً كان بيتحرك بصعوبة تحت أنبوبة بلاستيك رفيعة متركبة في بؤها. الطفلة كانت بتحارب عشان تاخد نفس، كأنها بتعند مع اللي رضعته في بطن أمها ومش عايزة تسيب الدنيا قبل ما تشوف النور.
-
بنت جوزي ج 3منذ 12 ساعة
-
بنت جوزي ج 2منذ 13 ساعة
-
بنت جوزي ج 1منذ 13 ساعة
-
بقلم مني السيدمنذ 14 ساعة
ماما شهقت لما شافتها وجريت ورا الحضّانة خطوتين يا حبيبتي يا بنتي.. يا حتة من كبدي يا صغيرة!
في اللحظة دي، سمعت صوت جزمة جلد بتخبط على السيراميك بخطوات عصبية من أول الممر. رفعت عيني، كان طارق راجع تاني.
طارق كان شكله متبهدل لدرجة تصعب على الكافر؛ قميصه الأبيض كان متوسخ وزرايره ، وشه أسود من الكآبة وعينيه مورمة ومحمرة من العياط. كان ماشي ساند على الحيطة كأنه راجل في التسعين، ومعاه اتنين من خيلانه، الحاج فرج والحاج متولي، كبار عيلة إلهام في البلد، لابسين جلابيب صوف سودا وشيلان كشمير، ووشوشهم كلها غيظ .
أول ما وصلوا عند الخط الأحمر، الحاج فرج قرب من بابا ومد إيده ببرود السلام عليكم يا حاج عبد العزيز.. كفارة إن شاء الله والشدة تزول.. إحنا جينا أول ما طارق بلغنا عشان نلم الدور ونسحب المحاضر دي عيب في حقنا وفي حق عيلتنا.
بابا مبصش لإيد الراجل الممدودة ولا حتى اعتبره موجود، فضل باصص لباب العمليات كأنه صخرة، وصوته طلع هادي وتقيل زي حد السيف إيدك دي خليها في جيبك يا فرج.. وإلزموا حدودكم عشان المكان ده مش مستحمل وساخة أهلك النهاردة.
الحاج متولي اتعصب واتقدم خطوة، راجل تخين وعصبي وبكرش كبير إيه الكلام ده يا راجل أنت؟! إنت فاكرنا هنقف نتفرج وأختنا الكبيرة وشيخة بيتنا !
طارق هنا اتدخل وصوته كان مخڼوق ومكسور، مسك دراع خاله متولي يا خالي اسكت أبوس إيدك.. متسخنش الدنيا، أنا شفت التحاليل بنفسي وسمعت كلام الدكتورة.. أمي غلطت.. أمي كانت هتدمرنا كلنا!
الحاج فرج ضړب طارق على كتفه بقسۏة ورماه لورا اخرس يا طري! إنت أملك شوية نسوان ومسحوا بيك الأرض وبأمك اللي ربيتك عشان تطلع مهزوز كده؟! الست كانت عايزالك ولد يشيل طينك وعزك، دينا كانت داخلة علينا بفقرها وجايبة بنات تقطع خلفك، لو مش عاجبها تروح في ستين داهية والبلد مليانة بنات يرموا دهب تحت رجلك!
الكلمة دي كانت الشرارة اللي ولعت الڼار في البنزين.
بابا لف وشه ببطء، وفي حركة سريعة مكنتش اتخيل إن راجل في سنه يقدر يعملها، مسك الحاج فرج من ياقة جلابيته وشده عليه لدرجة إن وشوشهم خبطت في بعض، وصوته كان طالع زي فحيح الۏحش بنتي اللي جوة دي پتنزف ومبين الحياة والمۏت بسبب سم أختك العقربة.. وبنتها اللي وزنها ميكملش كيلو بتتحط على جهاز تنفس في الحضانة.. لو دينا جرالها حاجة، أو لو بنتها ماټت.. قسماً برب العزة يا فرج، لكون دافنكم كلكم مكانها، والقانون اللي أنتوا مستهترين بيه ده هيخلي أختك تعفن في السچن المؤبد لحد ما تدود!
أمن المستشفى ورئيس النقطة الرائد حسام سمعوا الزعيق وجريوا فوراً في الممر، والعساكر دخلوا ببنادقهم فرقوا الرجالة عن بعض.
الرائد حسام وقف بين بابا وبين خيلان طارق وقال بصوت حازم مفيش فيه هزار أنت وهو!
في وسط الچحيم ده كله، لمبة العمليات الحمرا طفت.. والباب اتفتح ببطء.
خرجت الدكتورة ميرفت، كانت قالعة الماسك، هدوم العمليات الخضرا بتاعتها كانت مليانة بقع ډم، وشها شاحب جداً، وعرقان من المجهود.
جريت أنا وبابا وماما عليها، مسكت ماما في إيدها بترجي دكتورة.. ريحي قلبي.. بنتي دينا عايشة؟
ماما سجدت على بلاط الطرقة في ساعتها، فضلت تبوس الأرض وهي پتبكي بصوت سمع المستشفى كلها الحمد لله يا رب.. الحمد لله يا حنان يا منان.. رديتلي بنتي بالسلامة!
بابا غمض عينيه ومسح دمعة تقيلة هربت من جفونه، وحط إيده على كتفي وضغط عليه كأنه بيطمن إننا كلنا لسه واقفين على رجلينا.
طارق زحف على ركبه من مكانه لحد ما وصل عند رجل الدكتورة ميرفت دكتورة.. والطفلة؟ بنتي هتعيش؟ قوليلي إنها هتعيش وأنا هصرف كل مليم حيلتي على علاجها!
الدكتورة ميرفت بصتله بقرف ونفور، وقالتله بنبرة جافة قاطعة الطفلة في حالة حرجة جداً في الحضانة.. الرئة بتاعتها مكنتش اكتملت، والسمۏم أثرت على كفاءة الدورة الدموية. نسبة نجاتها 50، وكل ساعة بتعدي هي معركة بينها وبين المۏت.. ادعيلها، ده لو كان لسه ليك حق تدعي.
الدكتورة سابتنا ومشيت في اتجاه مكتبها، والعساكر شالوا طارق وخرجوه برا المستشفى بناءً على تعليمات الرائد حسام عشان وجوده بيعمل شغب وتوتر لأهل الحالة.
طلعت أنا وماما للدور التالت، حيث قسم رعاية الأطفال المبتسرين.
القسم كان هادي جداً، معقم، وريحته مطهرات قوية. من ورا الواجهة الزجاجية الكبيرة، شاورتلي الممرضة على الحضانة رقم 7 في الركن اليمين.
قربت من القزاز وحطيت كف إيدي عليه.
رديت بصوت واطي ألو؟
الفصل الخامس
ماما لفت وشها ليا، شافت منظري وإيدي اللي بتترعش، مسكت دراعي بخضة مالك يا مريم؟ مين اللي كان بيتكلم يا بنتي ووشك اتقلب زي كده ليه؟
مقدرتش أنطق.. كنت ببصفي اللحظة دي، بابا كان وصل لآخر السلم ودخل طرقة الحضانات بخطواته التقيلة، عيونه متبتة في الأرض وشايل هم الدنيا، بس أول ما رفع عينه وشاف ملامحي، وقف مكانه ونبرته الحازمة رجعت في ثانية في إيه يا مريم؟ التليفون ده كان من مين؟





